أفق بعيد
فيصل محمد صالح
جدل العودة “الطوعية”
هناك جدل كبير يدور حول موضوع العودة للسودان بالنسبة للسودانيين الذين شردتهم الحرب داخل البلادن وفي بلاد الجوار وفي بلاد بعيدة من دول الجوار. هناك حملات تعمل لعودة السودانيين لبلادهم، وتصوِّر لهم أن البلاد استقرت وصارت جنة، وأخرى تصرخ في وجوههم بأن لا تعودوا، وأن الجحيم في انتظارهم هناك.
أظن أن المدخل الصحيح هو في تخفيف الحمولة السياسية لهذا النقاش، فهو في الأساس موضوع إنساني، لكنه بالتأكيد مختلط بالسياسة بدرجة ما. المدخل يجب أن يكون إنسانياً، يقوم على عدة أذرع، منها مدى توفر الظروف الإنسانية العادية للمواطن السوداني، فهو حتى قبل الحرب لم يكن يعيش في رفاهية، لهذا نتحدث عن الحد الأدنى للخدمات الضرورية، ثم هناك حالة الأمن في المنطقة ومدى تعرضها لمخاطر الحرب وخلوها من الجريمة والعنف.
بالمقابل يجب ألا يكون الموضوع مطروحاً كأجندة سياسية مباشرة، إرجاع المواطنين للقول بأن الحرب انتهت، وإن البلاد صارت في أمان تام، وإن كل الخدمات متوفرة، فيعود المواطن ليجد أنه يعيش أوضاعاً مزرية أكثر مما كان يعيشها في حالة اللجوء والنزوح، فيهرب عائداً إلى حيث كان.
جانب آخر في الموضوع أن هذا القرار يجب ان يكون قرار المواطن نفسه، بعد تلقيه المعلومات الصحيحة من مصادر متنوعة، معرفته بالأوضاع على الطبيعة، بلا مفاجآت تنتظره هناك، وتجهيز نفسه بمصادر دخل معروفة، أو متوقعة، حينها حتى لو عاد ووجد الأوضاع ليست كما هي فإنه في الغالب سيبقى ويحاول التواؤم معها.
تابعنا أوضاع اللاجئين السودانيين في بعض البلاد القريبة منا، والظروف التي يعيشون فيها والحملات المؤسفة التي يتعرضون لها، ويجب وضع هذا في الاعتبار دون تقليل من حدة الأمر أو تضخيم مبالغ فيه. هذا الوضع قد يكون دافعاً للعودة، لكن يجب أيضاً أن نعلم أن كثيراً منهم قد ينتظره مستقبل مجهول عند العودة فيقرر التعامل مع الظروف الحالية في بلاد اللجوء واحتمالها حتى يقدر له الله أمراً آخر.
خلاصة القول إن أمر العودة “الطوعية”، كما يجب تسميتها، يجب أن تعتمد على مفردة الطوعية، ولا يجب إرغام الناس على العودة بطرق ملتوية أو بالخداع، كما لا يجب أن تكون سلاحاً بين المتصارعين عسكرياً وسياسياً.
كفى المواطن السوداني اللاجئ والنازح ما يعانيه من متاعب ومصاعب في الحياة، فلا تجعلوه ضحية لعية سياسية وتزيدوا عليه المصاعب والمصائب.