صناعة المعرفة.. من خارج أسوار النشر القديم

صناعة المعرفة.. من خارج أسوار النشر القديم

أماني أبوسليم

 

حين كان الكتاب يُفتح، كانت عوالم كاملة تُفتح معه. لم تكن القراءة عادة عابرة، بل بوابة واسعة إلى المعرفة، ورافداً أساسياً لتشكيل الوعي بعد التعليم النظامي. عبر صفحات الكتب والصحف والمجلات، تعرّفت أجيال كاملة إلى العالم، واطلعت على الأفكار، وخاضت نقاشات طويلة عبر مقالات ودراسات.

ثم انتقلت الكلمة من الورق إلى الشاشة. تراجع المطبوع، وانحسرت الصحف الورقية، وقلّ عدد قرّاء المقالات الطويلة والدراسات المتخصصة. عاد الناس إلى الأخبار المسموعة والمصوّرة، وإلى النصوص القصيرة التي تُستهلك في دقائق. تغيّر المشهد، وتبدّلت معه عادات التلقي، وباتت الشاشة هي المساحة الأوسع لتداول المعرفة.

يرى البعض أن السبب يكمن في انتشار منصات التواصل والقنوات الرقمية. غير أن العامل الأبرز يرتبط بإيقاع الحياة نفسه. الوقت أكثر ازدحاماً، والانتباه موزع بين تطبيقات متعددة، والقدرة على التركيز الطويل تراجعت لدى كثيرين. في هذا السياق أصبح البحث عن محتوى مكثّف، سريع الإيقاع، أمراً مفهوماً.

يبقى السؤال: هل تراجعت الرغبة في المعرفة، أم تغيّرت وسيلتها؟

الإنسان يتفاعل مع العالم عبر أنماط مختلفة؛ من يغلب عليهم الحس البصري، ومن يستجيبون أكثر للتجربة، ومن يتفاعلون عبر السمع. الكتاب المطبوع ظل لسنوات طويلة الوسيلة الأبرز، لكنه لم يكن الشكل الوحيد الممكن للتعلم. الوسائط الجديدة جمعت الصورة بالصوت بالحركة، وقدمت المعرفة في قالب أقرب إلى طبيعة التلقي المعاصرة، فوسّعت دائرة الوصول.

في هذا الإطار برز برنامج (الدحيح) بوصفه نموذجاً لافتاً. خلال سنوات قليلة تحوّل إلى تجربة جماهيرية واسعة، محققاً مليارات المشاهدات، وجاذباً جمهوراً كبيراً من الشباب. هذه الأرقام تكشف أن الاهتمام بالمعرفة ما زال حاضراً بقوة، وأن المشكلة لم تكن في عزوف الأجيال الجديدة عن الثقافة، بل في طريقة تقديمها.

توقّف الجهة المنتجة للبرنامج أثار نقاشاً واسعاً، لكنه في الوقت نفسه سلّط الضوء على ظاهرة أكبر: تشكّل صناعة جديدة للمعرفة. صناعة تقوم على اختيار موضوعات تطرح بطريقة جاذبة لاهتمام الجمهور، وصياغتها في قالب مشوّق. تبدأ الفكرة بمقدمة تمثيلية، ثم تقسيم واضح للفقرات، مع توظيف الصور والرسوم والأرقام، وإدخال قدر من الطرافة يخفف ثقل المعلومات، في حلقة لا تتجاوز غالباً نصف ساعة.

هذا الأسلوب لا يعني تبسيطاً مخلاً بالضرورة. كثير من هذه البرامج يستند إلى مراجع جادة ومعلومات دقيقة، غير أن طريقة العرض هي التي تغيّرت. المتلقي يريد معرفة مركزة، واضحة، محكمة البناء. يريد أن يفهم الفكرة الكبرى سريعاً، وأن يحتفظ بخيط ممتع يقوده حتى النهاية.

هكذا أصبح المحتوى المعرفي جزءاً من صناعة أوسع، يدخل فيها فهم سلوك الجمهور، وأساليب الجذب، وآليات النشر والترويج. المنافسة اليوم لا تدور بين كتب متجاورة على رف مكتبة، بل بين محتويات متعددة تتزاحم على شاشة واحدة. ومن ينجح هو من يحسن تقديم المعرفة بلغة العصر وأدواته.

مع ذلك تبقى الرغبة الإنسانية في الفهم ثابتة. الإنسان يسعى دائماً إلى تفسير العالم من حوله، وإلى توسيع مداركه. ما يتبدل هو الوسيلة. الأجيال الجديدة لم تهجر القراءة، لكنها لم تعد تحصر تعلمها في شكل واحد. تتنقل بين كتاب، ومقال رقمي، ومحاضرة مصوّرة، ومحتوى تفاعلي، وفق ما ينسجم مع نمط حياتها السريع.

هنا يبرز سؤال مهم أمام الكتّاب والناشرين: هل يكتفون بالصيغة التقليدية للكتاب، أم يدخلون بدورهم إلى فضاء صناعة المعرفة الجديدة؟ الأمر اليوم يتجاوز فعل الكتابة والنشر بالمعنى الكلاسيكي. قواعد إنتاج المعرفة وتقديمها تغيّرت، وآليات الوصول إلى القارئ تبدّلت، والمنافسة لم تعد بين كتب متجاورة على رف واحد، بل بين محتويات متعددة تتزاحم على شاشة واحدة.

المطلوب ليس التخلي عن الكتاب، بل إعادة التفكير في موقعه، وفي طرق تقديمه، وفي جسوره مع الوسائط الأخرى. المعرفة باقية، والإنسان باقٍ في شغفه بها. أما الأدوات فتتجدد، ومن يواكب هذا التجدد يظل حاضراً في وعي الأجيال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *