لعودة الطوعية هل تتحول من حق إلى عبء على اللاجئ؟

العودة الطوعية هل تتحول من حق إلى عبء على اللاجئ؟
السودانيون بين أعباء قفل الملف ورسوم السفر

شيماء تاج السر، المحامية

في خضم واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم، يبرز تساؤل حقوقي وإنساني حول مدى التزام المجتمع الدولي بمبادئه. فبينما ينزف السودان منذ منتصف أبريل 2023 بسبب الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فر الملايين بحثاً عن الأمان في الدول المجاورة. ولكن مع اشتداد وطأة اللجوء الاقتصادية والاجتماعية يبدأ الكثيرون التفكير في العودة الطوعية.
غير أن الطريق إلى الوطن، الذي يفترض أن يكون ميسراً ومكفولاً، يتحول لدى البعض إلى كابوس بيروقراطي ومادي تفرض فيه دول اللجوء رسوماً لقفل ملفات اللجوء، وتترك اللاجئ وحيداً يواجه تكاليف سفره، متناسية دور المنظمات الدولية كالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة.

العودة الطوعية: حق أم منّة؟

في القانون الدولي تعتبر العودة الطوعية للاجئ إلى وطنه الأم بمجرد زوال الأسباب التي أدت إلى لجوئه، أو بسبب تقديرات شخصية للعودة الحل الدائم الأول والأمثل الذي تصبو إليه جميع الأطراف. مفوضية اللاجئين تعرفها بأنها “عودة كريمة وآمنة تتم بناء على رغبة حرة ومستنيرة للاجئ دون أي ضغوط أو تهديدات”. هي ليست مجرد نقل جسدي، بل هي استعادة للكرامة والحقوق.
غير أن هذه الصورة المثالية سرعان ما تتصادم مع الواقع المرير على الأرض. ففي عدة دول لجوء تحولت إجراءات إنهاء صفة اللجوء إلى عقبات تعجيزية، بل ومسالك مربحة للبعض.

شهادة من قلب المعاناة: تكاليف لا تطاق

في العاصمة المصرية القاهرة، حيث يوجد أكبر عدد من اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب، تحكي السيدة (ت. ص)، وهي أم لأسرة مكونة من خمسة أفراد، قصتها مع قرار العودة. تقول السيدة (ت): “لم نعد نطيق العيش هنا. العمل شبه منعدم، والإيجار يلتهم ما تبقى من مدخراتنا. أريد العودة إلى الخرطوم حتى لو كان الوضع صعباً فهو بلدنا”. لكن السيدة (ت) فوجئت بأن قرار العودة ليس مجرد حقيبة وبص. “ذهبت لإنهاء إجراءاتي فقيل لي إنه يجب عليَّ دفع رسوم إدارية لقفل الملف. من أين لي بالأموال؟ لقد جئنا مشردين ولا نملك شيئاً!.. ثم قالو إنه يجب أن أتحمل تكاليف سفري أنا وعائلتي كاملة إما بالبص أو بالطائرة”.
هذه الشهادة ليست حالة فردية. ففي بعض الدول تحولت عملية إغلاق الملف إلى إجراء إداري مقنن برسوم قد تصل إلى مئات الدولارات. ورغم أن بعض الدول تبرر ذلك بأنه تكلفة إدارية لإنهاء الإقامة المؤقتة، إلا أن اللاجئين يعتبرونه ضريبة على الفقر. فالإنسان الذي فر من الحرب خالي الوفاض يُطلب منه دفع المال ليُسمح له بالعودة إلى دياره التي دمرتها الحرب.

فجوة المسؤولية.. أين دور المنظمات الدولية؟

هنا يبرز السؤال الأهم: أين دور مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة؟ المبدأ الأساسي لولاية المفوضية لا ينتهي بمجرد عبور اللاجئ الحدود، بل يمتد ليشمل ضمان حلول دائمة، والعودة الطوعية هي أحد هذه الحلول. المنظمة الدولية للهجرة بدورها هي الجهة المعتادة بتقديم المساعدة للعائدين طوعاً بما يعرف بـ”مساعدات العودة الطوعية” (Voluntary Humanitarian Return Assistance).
لكن الواقع يشير إلى وجود فجوة كبيرة بين النظرية والتطبيق في العديد من الأزمات المستمرة وخاصة مع اللاجئين السودانيين، حيث تتجه أنظار المنظمات إلى موجات النزوح الجديدة تاركة ملفات العودة الطوعية في آخر سلم الأولويات، إلا في حال وجود تمويل خاص ينتقل اللاجئ من دائرة الحماية الدولية إلى دائرة المسؤولية الشخصية بمجرد أن يقرر العودة.

 

قفل الملف: بين البيروقراطية وحقوق الإنسان

عملية قفل الملف في حد ذاتها مفهوم إداري، لكن طريقة تنفيذها هي التي تخلق الجدل حين تفرض دولة اللجوء على اللاجئ رسوماً لإنهاء وضعه القانوني، فإنها عملياً تضع حاجزاً أمام حقه في العودة. هذا الإجراء قد يجبر اللاجئ على البقاء في بلد اللجوء بشكل غير قانوني إذا لم يستطع الدفع، أو قد يضطره إلى السفر بطرق غير نظامية عبر التهريب مما يعرض حياته للخطر.
الأدهى من ذلك هو إلقاء عبء تكاليف السفر بالكامل على كاهل اللاجئ. السفر بالباصات عبر مسافات شاسعة من شمال أفريقيا إلى السودان محفوف بالمخاطر ويحتاج إلى أموال. فكم من أسرة سودانية استطاعت توفير ثمن تذاكر السفر لعائلتها بعد أشهر من البطالة والفاقة في بلاد اللجوء. هنا تتحول العودة الطوعية من حق إنساني إلى رفاهية لا يقدر عليها إلا القادرون.

 

هل يتم إجبار اللاجئين على العودة عبر الإرهاق؟

هناك قلق دولي مما يسمى بـالعودة القسرية غير المباشرة.. عندما تُصعِّب دولة اللجوء شروط الإقامة أو تمنع العمل، أو تفرض رسوماً باهظة على الخدمات الأساسية والرعاية الصحية فإنها تخلق بيئة معيشية لا تُطاق، مما يدفع اللاجئ إلى الاختيار بين البقاء في جحيم أو العودة إلى وطن يحترق. هذا النوع من الضغط غير المباشر يتنافى مع مبدأ الطوعية الحقيقية.
اللاجئ السوداني، الذي يقرر العودة اليوم إلى الخرطوم أو دارفور أو كردفان، يعلم جيداً أن البنية التحتية دُمرت وأن الخدمات معدومة، وأن نذر الحرب لا تزال قائمة، عودته إذن هي قرار يائس ناتج عن ظروف اللجوء الصعبة، وليس عن تحسن الأوضاع في الوطن. وعندما يُضاف إلى هذا اليأس عبء مالي جديد يتمثل في رسوم قفل الملف وتذاكر السفر فإن ذلك يشكل وصمة عار في جبين المجتمع الدولي.

نحو عودة إنسانية وكريمة

العودة الطوعية يجب أن تظل خياراً آمناً وكريماً وليس مهرباً من واقع مر. على الحكومات المضيفة أن تعيد النظر في الرسوم البيروقراطية التي تثقل كاهل اللاجئين العائدين، وأن تتعامل مع ملفاتهم الإدارية كإجراءات إنسانية مجانية. بالمقابل على مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة أن تضطلعا بمسؤوليتهما الكاملة تجاه من يقرر العودة بتوفير الدعم المادي والنفسي واللوجستي، وتأمين رحلة آمنة تليق بإنسان عانى من ويلات الحرب والنزوح.
أما المجتمع الدولي فعليه أن يدرك أن استقرار السودان القادم يبدأ باحترام كرامة أبنائه اليوم. ترك اللاجئين السودانيين يواجهون مصيرهم بمفردهم محملين بالديون والرسوم هو إجهاز على آخر أمل في عودة كريمة، ودفعٌ بهم إما إلى البقاء في معاناة اللجوء أو العودة إلى جحيم الحرب دون أن يمد لهم أحد يد العون.
إنها دعوة مفتوحة لتحويل العودة الطوعية من حبر على ورق إلى واقع ملموس يكون فيه اللاجئ هو محور الاهتمام، لا عبئاً على الإدارات، ولا ورقة في معادلات سياسية ولا ضحية لجشع بيروقراطي. فالكرامة الإنسانية لا تقدر بثمن، ولا يمكن أن تخضع للجباية. على اللاجئ أن يعرف حقة في اللجوء لمفوضية اللاجئين أو منظمة الهجرة لتقديم العون في حال اختياره العودة الطوعية كأحد الحلول الدائمة.

الإطار القانوني للمساعدة المالية في حالات العودة الطوعية

في ظل تزايد أعداد اللاجئين والمهاجرين حول العالم، برزت الحاجة إلى منظمة تضمن حقوق هؤلاء الأفراد في العودة الطوعية الآمنة إلى بلدانهم الأصلية. وتأتي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) والمنظمة الدولية للهجرة (IOM) في طليعة المنظمات التي تقدم دعماً شاملاً للعودة الطوعية، استناداً إلى أسس قانونية وإنسانية راسخة.

أسس قانونية راسخة

يستند عمل المفوضية والمنظمة الدولية للهجرة في برامج العودة الطوعية إلى مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما الحق في العودة إلى الوطن، بالإضافة إلى توجيهات الحماية الدولية. وتهدف هذه البرامج إلى ضمان عودة آمنة وكريمة للأفراد الذين يتخذون قرار العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية.

 

مبدأ الطوعية حجر الزاوية

يشكل مبدأ الطوعية الركيزة الأساسية في برامج العودة. فالقرار يجب أن ينبع من إرادة حرة للفرد، بعيداً عن أي ضغوط أو إكراه. وتحرص الوكالات الأممية على توفير معلومات دقيقة وشاملة للاجئين والمهاجرين حول الأوضاع في بلدانهم الأصلية، لتمكينهم من اتخاذ قرار مستنير بشأن عودتهم.

 

المساعدات المالية واللوجستية

تقدم المنظمتان حزمة متكاملة من المساعدات للعائدين طوعاً، تشمل:
منحة مالية لمرة واحدة: تهدف إلى دعم عملية إعادة الإدماج في البلد الأصلي، وتختلف قيمتها حسب البرامج والبلدان المضيفة.
الدعم اللوجستي: يشمل توفير النقل الآمن (برياً أو جواً)، والخدمات الطبية اللازمة، وتسهيل إجراءات السفر والمغادرة، وتقديم وثائق السفر عند الحاجة.
خدمات الدعم: مرافقة العائدين وتقديم المساعدة أثناء عبور الحدود، لضمان عودة كريمة.

 

إجراءات المساعدة والتداعيات

تُنفذ برامج العودة الطوعية من خلال تنسيق مشترك بين المفوضية والمنظمة الدولية للهجرة، حيث تتولى المنظمة الدولية غالباً الجوانب اللوجستية والعملية، بينما تشرف المفوضية على جوانب الحماية الدولية.
ويترتب على قبول المساعدة المالية للعودة الطوعية إغلاق ملف اللاجئ لدى المفوضية، مما يعني توقف المساعدات النقدية الشهرية وغيرها من الخدمات المقدمة للاجئين.

 

تحذيرات مهمة

تشدد المفوضية والمنظمة الدولية للهجرة على أن جميع خدماتهما مجانية تماماً، ولا يجوز دفع أي مبالغ مالية مقابل الحصول عليها. وتدعوان اللاجئين إلى الإبلاغ الفوري عن أي شخص يطلب أموالاً مقابل تسهيل العودة أو إعادة التوطين، حماية لهم من الوقوع ضحايا لعمليات الاحتيال.

 

فروقات حسب البلد المضيف

تجدر الإشارة إلى أن برامج العودة الطوعية ومستويات المساعدة المالية تختلف من بلد إلى آخر. ففي بعض البلدان مثل لبنان، توجد برامج منظمة تقدم منحاً نقدية للعائدين، بينما في بلدان أخرى مثل مصر، لا تقدم المفوضية حالياً مساعدة مالية مباشرة للعودة الطوعية، مما يستدعي التواصل المباشر مع مكاتب المنظمتين للاستفسار عن البرامج المتاحة.
تمثل برامج العودة الطوعية خياراً إنسانياً يحفظ كرامة اللاجئين والمهاجرين، ويضمن عودتهم الآمنة إلى وطنهم، استناداً إلى قرار حر ومستنير، وضمن إطار قانوني دولي واضح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *