من على الشرفة
عام على (ديسمبر): كيف تُصنع المهنية وسط الركام
طاهر المعتصم
في الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر من العام 2024، قضينا ثلاثة أيام في مداولات مؤتمر قضايا الإعلام الأول الذي نظمته نقابة الصحفيين السودانيين بقاهرة المعز. ومن بين الأوراق التسع التي ناقشها خبراء وخبيرات الإعلام السوداني، برزت حقيقة صادمة مفادها أن نحو 90% من المؤسسات الإعلامية في السودان قد توقفت بسبب الحرب.
وكانت جائحة (كوفيد-19) قد أسهمت، قبل ذلك، في تراجع كبير في طباعة الصحف، بالتزامن مع تصاعد خطاب الكراهية، وانتشار التضليل الممنهج، وطغيان ما يُعرف بـ”الحقائق البديلة”، الأمر الذي أبرز الحاجة الماسّة إلى إعلام مهني رصين.
وبعد بضعة أشهر، بدأت منظومات إعلامية تشق طريقها وسط الظلام، حاملةً مشاعل الحقيقة. كانت مجلة (أفق جديد) تبحر وحدها في البداية، قبل أن تظهر في مايو من العام 2025 صحيفة (ديسمبر)، حاملة اسم الثورة المجيدة المضمَّخة بعطر الشهداء الكرام- تنزلت عليهم شآبيب الرحمة- ورافعة شعار (حرية، سلام، وعدالة).
ومنذ ذلك الحين، أصبح يوم الخميس من كل أسبوع موعدًا ينتظره القرّاء، حيث تطل (ديسمبر) بثوبها الأزرق عبر شاشات الهواتف الذكية.
انتهجت الصحيفة، منذ أيامها الأولى، نهجًا صارمًا في المهنية، واختطّت عبر تحقيقاتها الاستقصائية مسار “الأضواء الكاشفة”، ونجحت تلك التحقيقات في هزّ كراسي بعض من طالتهم، وهو أحد الأدوار الجوهرية للصحافة: كشف أستار الحقيقة.
كما اختطت طريقة الاستعانة بكتاب من خارج الصحيفة في الأحداث الكبرى والمناسبات، لإثراء الملفات المتخصصة التي نجحت في أن تتميز فيها
لكن، وبعد عام من الصدور، لا يمكن النظر إلى تجربة (ديسمبر) بوصفها مجرد إضافة رقمية إلى مشهد إعلامي مأزوم؛ بل باعتبارها محاولة جادة لإعادة تعريف وظيفة الصحافة في زمن الحرب، وإعادة بناء الثقة المفقودة بين الوسيلة الإعلامية وجمهورها.
لقد كشفت الحرب في السودان هشاشة البنية الإعلامية، ليس فقط على مستوى المؤسسات، بل كذلك على مستوى القيم المهنية. فمع انقسام البلاد سياسيًا وعسكريًا، انقسمت المنصات الإعلامية بدورها، وتحوّل بعضها إلى أدوات تعبئة وتحريض، بينما انجرف البعض الآخر إلى إعادة إنتاج الروايات الرسمية دون تمحيص. في هذا السياق، كان التحدي الأكبر أمام ديسمبر هو كيف تبقى مستقلة في بيئة تستقطب الجميع، وكيف تحافظ على المهنية في ظل سيولة المعلومات وفوضى السرديات.
نجحت الصحيفة، إلى حد بعيد، في ترسيخ معادلة صعبة: الانحياز للحقيقة دون الوقوع في فخ الحياد الزائف. فهي لم تدّعِ الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف بقدر ما سعت إلى إخضاع جميع الأطراف لمعيار واحد: المساءلة. وهذا الفارق الدقيق هو ما يمنحها مصداقيتها، ويجعلها أقرب إلى الصحافة بوصفها سلطة رقابية، لا مجرد ناقل للأحداث.
كما أن اعتمادها على الصحافة الاستقصائية، في بيئة تفتقر إلى المعلومات الموثوقة، مثّل مغامرة مهنية محسوبة. فالتحقيق الاستقصائي في زمن الحرب لا يواجِه فقط تحديات الوصول إلى المعلومات، بل يواجه كذلك مخاطر أمنية وضغوطًا سياسية، فضلًا عن حملات التشكيك والتخوين. ومع ذلك، استطاعت (ديسمبر) أن تفرض حضورها عبر تحقيقات نوعية، لم تكتفِ بكشف الوقائع، بل قدمت سياقاتها، وربطت بين خيوطها، ووضعتها أمام الرأي العام.
على المستوى المهني، يمكن القول إن تجربة (ديسمبر) أسهمت في إعادة الاعتبار لعدد من القيم التي كادت تتآكل، مثل التدقيق، والتوازن، والاعتماد على المصادر المتعددة، والتمييز بين الخبر والرأي. كما أنها استفادت بذكاء من البيئة الرقمية، ليس فقط كمنصة نشر، بل كفضاء تفاعلي، يعيد تعريف العلاقة بين الصحفي والقارئ، ويجعل من الجمهور شريكًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلقٍ سلبي.
غير أن هذا النجاح النسبي لا يخفي حجم التحديات التي لا تزال تواجه الصحيفة، والإعلام السوداني عمومًا. فالسؤال عن الاستدامة المالية يظل حاضرًا بقوة، في ظل غياب نماذج تمويل واضحة ومستقرة، واعتماد كثير من المنصات على الدعم الخارجي أو المبادرات الفردية. كما أن البيئة القانونية غير المستقرة، وغياب مؤسسات ضابطة للمهنة، يفتحان الباب أمام فوضى إعلامية قد تضر بالجميع، بما في ذلك المؤسسات الجادة.
إلى جانب ذلك، تبرز إشكالية الوصول إلى الجمهور داخل السودان، في ظل تدمير البنية التحتية، وانقطاع خدمات الاتصالات في بعض المناطق، ما يفرض على الصحافة الرقمية تحديات إضافية تتعلق بالانتشار والتأثير. ومع ذلك، فإن انتشار الهواتف الذكية، واعتماد شريحة واسعة من السودانيين على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار، يمنح مثل هذه التجارب فرصة للتوسع، إذا ما أحسنت إدارة محتواها وتوزيعه.
بعد عام من الصدور، يمكن القول إن (ديسمبر) لم تكتفِ بأن تكون شاهدًا على الحرب، بل سعت لأن تكون فاعلًا في معركة الوعي. فهي تدرك أن الصراع في السودان ليس عسكريًا فحسب، بل هو أيضًا صراع على الرواية: من يملك القدرة على تعريف ما يحدث، وعلى تقديمه للجمهور في صورة متماسكة ومقنعة.
وفي هذا الإطار، يصبح دور الصحافة أكثر تعقيدًا وأهمية؛ إذ لا يقتصر على نقل الوقائع، بل يمتد إلى تفكيك الخطابات، وكشف التلاعب بالمفاهيم، والدفاع عن الحق في المعرفة. وهي مهام لا يمكن إنجازها دون استقلالية حقيقية، وكفاءة مهنية، وشجاعة أخلاقية.
ختامًا، فإن الاحتفاء بمرور عام على صدور (ديسمبر) ليس مجرد مناسبة للاحتفال، بل فرصة للتقييم والمراجعة. فما تحقق، على أهميته، يظل خطوة أولى في مسار طويل يتطلب مزيدًا من التطوير، والانفتاح على النقد، وتعزيز القدرات المؤسسية والمهنية.
ويبقى الرهان الأكبر هو أن تتحول مثل هذه التجارب إلى نواة لنهضة إعلامية أوسع، تستعيد للصحافة السودانية دورها التاريخي كمنبر للوعي، ومساحة للحوار، وأداة للمساءلة. فالأوطان التي تمر بالحروب تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعلام يسهم في صناعة الأمل ولا يكتفي بوصف الألم.
آخر قولي ليت الزملاء في صحيفتكم هذه (ديسمبر) أقاموا ورشة لتقيم الأداء واستلهام الفرص، بحضور قيادات إعلامية واجتماعية، للاستفادة من آراء المهتمين بهذه التجربة الصحفية.