شيماء تاج السر، المحامية

في زمن لم تكن فيه الحرب تعرف طريقًا إلى القلوب، وفي بلاد كانت تكتفي بأن تُسمى وطنًا لتمنح أبناءها إحساسًا بالاطمئنان، كان السودانيون ينتظرون عيد الأضحى المبارك كما ينتظر العاشق موعد الحبيب. لم يكن عيدًا عابراً، بل كان محطة فاصلة في العام تُعيد ترتيب الأولويات، وتُذكّر البشر بأن القيم الحقيقية لا تقاس بالمال أو الجاه، بل بمدى التصاق الناس ببعضهم، ومدى انفتاح الأبواب على الجيران، ومدى رحابة البيت الكبير الذي يسع الجميع.
هذا المقال ليس مجرد سرد لذكريات، بل هو توثيق لعصر جميل عشناه، وحنين إلى سودان السلام الذي نتمنى أن يعود، وإعلان أن لا للحرب ونعم للسلام، وأن الشعب السوداني العظيم لن يموت فيه الأمل طالما بقي في قلبه مكان لعيد الأضحى ولمِّ الشمل.
انتظار العيد، طقوس الفرح التي لا تمل
كان العد التنازلي لقدوم عيد الأضحى يبدأ مع بداية شهر ذي الحجة، وفي كل بيت سوداني وخصوصًا في الأسر الممتدة تتصاعد حدة الحماس. الأطفال يتساءلون أي خروف سيكون ضحيتنا هذا العام، والنساء يخططن لجدول الأيام الثلاثة أي يوم سنأكل فيه الفطور عند فلان، وأي يوم سنتوجه إلى بيت فلانة لتناول الغداء.
في السودان كانت الأسر تتجه إلى البيت الكبير أينما كان، حتى لو تطلب الأمر سفرًا من ولاية إلى أخرى. هذا البيت ليس مجرد جدران وأسقف، بل هو رمز للقبيلة والعائلة والوطن، ذلك الحضن الدافئ الذي يضم الجميع هناك تحت سقف واحد. كان رب الأسرة يحضر بخروفه ويكون الجميع على دراية تامة بمن سيذبح أولًا، ومن سيتولى إعداد الفطور، ومن سيكون مسؤولًا عن الغداء في اليوم الأول، ومن له النصيب في اليوم الثاني والثالث.
هذا التوزيع لم يكن عشوائيًا أبدًا، بل كان فطرة وفنًا من فنون إدارة الحياة الأسرية. كل أسرة كانت تعرف حجم امتدادها، فإذا كانت العائلة كبيرة ويتوافد إليها الأقارب من كل حدب وصوب كان لا بد أن يكون هناك خروف للعشاء في يوم ما، لأن الحاجة إلى وجبة دسمة في نهار العيد قد لا تكفي، والعشاء يصبح حدثًا بحد ذاته يجتمع عليه الجميع بعد صلاة العشاء وتحت ضوء القمر أحيانًا.
الأصناف السودانية إبداع لا يضاهيه إبداع
إذا تحدثنا عن الأكل في عيد الأضحى السوداني فإننا نتحدث عن تراث طهي فريد من نوعه، الأصناف معروفة وشبه متفق عليها منذ عهود بعيدة، لكن لكل أسرة لمساتها السرية التي تجعل طعمها لا ينسى.

الفطور شية وشية صاج والمرارة
مع شروق شمس أول أيام العيد وبعد أن يؤدي الرجال صلاة العيد ويعودون إلى البيوت، تبدأ رائحة الشية تفوح من كل زقاق. الشية هي قطع اللحم الصافية التي تشوى على الفحم مباشرة بعد الذبح مباشرة. لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو شية الصاج، وهي طريقة سودانية فريدة لطهي اللحم مع البصل والبهارات على الصاج، وهي لوحة حديدية محدبة لتصبح طرية ولذيذة بشكل أسطوري .
أما المرارة، وهي وجبة لا يحبها إلا من عرف قيمتها، فتُصنع من محتويات بطن الخروف (الكرش والفشفاش والكبدة) بتنظيفها وغسلها ثم طهيها مع الدُقَّة والبهارات، أو تؤكل نيئة دون طهي.. طعمها مر بعض الشيء في البداية، لكنه سرعان ما يتحول إلى نكهة عميقة لا تُقاوم، وهي ضرورية لفتح الشهية قبل الغداء.
الغداء: الضلع والكباب والكمونية
عندما يحين موعد الغداء يتجه الجميع إلى أشهى ما في الخروف؛ الضلع والريش المشوي أو المطبوخ في مرق غني بالبصل والطماطم، وإلى جانبه الكباب المتبل بالبصل والملح والفلفل، ثم الكمونية وهي طبق من اللحم وبطن الخروف المقطّع الصغير المطبوخ مع الكمون والكزبرة والفلفل .
الشطوط والشربوت
لا يكتمل العيد السوداني دون الشطة، وهي من أساسيات صينية العيد، وهي عبارة عن شطة ودكوة وليمون. وأيضًا لا ننسى الشربوت وهو شراب يقدم في عيد الضحية ويرتبط بالعيد ويقدم بعد الوجبات ويغزو موائد العيد بقوة. هنا يتجلى الإبداع السوداني، فهناك من يصنع شربوت البلح المهروس، وهناك من يفضل شربوت الكركدي المركز، وهناك القبانية التي يُقال إنها تختلف من منطقة إلى أخرى لكنها جميعها تصب في قالب واحد: قالب العادات السودانية.
تبادل اللحم مع الجيران.. عادة لا تموت
إذا كان هناك شيء يميز العيد السوداني عن غيره فهو ثقافة تبادل اللحم مع الجيران. ليست هذه مجرد مجاملة أو كرم اجتماعي، بل هي عادة قديمة واصلة من زمن الحبوبات، وهي تكاد تكون فريضة اجتماعية. القاعدة تقول يجب أن يذوق الجيران من لحم أضحيتك، وعليك قبول هدايا الجيران وتذوق أضحيتهم
في صباح العيد، وبينما لا تزال رائحة الدماء طازجة في الأزقة، يبدأ الأطفال في التطواف بالصواني أو الصحون.. صينية صغيرة تحمل قطعًا من الكبد المشوي أو الضلع المسلوق أو الكباب أو حتى بعض الحلوى تذهب إلى الجيران، وبعد ساعة أو اثنتين تأتي الصواني قادمة من هناك حاملة أضاحي الجيران. لم يكن الهدف هو ملء البطون، بل كان الهدف هو ملء القلوب بالحب وخلق جسر لا ينقطع من التواصل بين الأسر
هذه الممارسة البسيطة كانت كفيلة بأن تجعل أي حي سوداني يتحول إلى عائلة واحدة كبيرة في أيام العيد، لا غني ولا فقير لا كبير ولا صغير.. الكل متساوٍ في حق التذوق والذوق .
الحلة الجديدة وبيت جدي إبراهيم صالح
من بين كل تلك الذكريات تبرز قصة الحلة الجديدة وبيت الجد إبراهيم صالح كجوهرة تتلألأ في عقلي. في ذلك البيت كان الفطور يخرج باكرًا، ويصبح البيت عامرًا بالجيران. منذ الصباح الباب كان مفتوحًا دون استئذان، والنساء يجهزن الفطور بحب وتعاون وهن يدردشن ويضحكن، والأطفال يركضون بين الغرف.. ما بنسى صواني الجيران اللي بتجي داخلة علينا بعد فطورهم.. تطلع صواني من بنات العاقب، وصواني من حبوبة علوية، وصواني من كل زقاق. لم يكن هناك من يغلق بابه، ولم يكن هناك من يشعر بالغربة. كان الجميع يعرف أن العيد هو موسم الكرم المطلق.
ثم جاءت مرحلة أخرى بعد أن توفيت الجدة الحبيبة شريفة، أصبح الأعمام هم من يأتون إلى بيت أبي رحمة الله عليه إلى جبرة بالخرطوم. كنا ننتظرهم كانتظار صباح العيد بكل حب وسرور لنعيش أجواء العيد الأسرية. وهنا أيضاً ظل الجيران الطيبون يضعون أثرهم الطيب، فكانت الخالة سعاد وحجة آمنة يرحمهما الله برحمته فقدناهم في الحرب اللعينة، وخالة زهراء وماما فاطمة منحهما الله الصحة والعافية وغيرهن من الجارات يتبادلن معنا محبة العيد بكل تفاصيلها
هذه الأسماء ليست مجرد أسماء، بل هي معنى السودان الحقيقي والأشخاص الذين صنعوا معنى الوطن في النفوس.

لمُّ الشمل في العيد فرض عين لا يُغيب عنه المغتربون
في ذلك السودان الجميل كانت مناسبة عيد الأضحى هي التذكرة السنوية التي تلم شمل العائلة كلها. لا أحد يتخلف عنها حتى المغتربين الذين يعملون في الخليج أو أوروبا أو أمريكا، كانوا يحسبون أيام إجازاتهم بدقة ليكونوا حاضرين في هذا الموعد، لأن الغياب عن عيد الأضحى في السودان يعني الغياب عن أهم حدث اجتماعي في السنة.
ولم يكن الأمر يقتصر على الأضاحي والولائم فقط، بل كان موسمًا للمناسبات الموازية. من يريد الزواج كان ينتظر العيد ليعلن عن عرسه والجيران يتزاحمون للمساعدة، ومن يريد أن يخطب كان العيد فرصة مثالية لرؤية العائلة كلها مجتمعة. وكان العيد أيضًا فرصة لإصلاح ذات البين، فكثيرًا ما كانت الخصومات تنتهي في أجواء العيد، لأن القلوب تصبح أكثر ليونة، والجميع يريد أن يبدأ سنة جديدة بقلب نظيف.
الحرب الغائب الحاضر في كل ذكرياتنا
كل الذكريات دي والبقينا نتمناها بتخلينا نرجع ونقول لا للحرب نعم للسلام. إن الحرب التي عصفت بالسودان مؤخرًا ليست مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل هي حرب على الذاكرة نفسها. لقد مزقت النسيج الاجتماعي وشردت العائلات وأبعدت الناس عن بيوتهم الكبيرة. الذين كانوا يجتمعون في بيت الجد أصبحوا اليوم لاجئين في أرجاء الأرض، ووجدوا أنفسهم بدون خروف، بدون شية، بدون شربوت، بدون جيران يتبادلون معهم اللحوم.
لقد فقدنا في هذه الحرب خالة سعاد وحجة آمنة وغيرهما الكثير من الطيبات. فقدنا بيوتًا كانت عامرة بالحياة، فقدنا مفهوم البيت الكبير نفسه، حين تحولت البيوت إلى أنقاض، أو إلى أماكن يخشى الناس العودة إليها. هذه الحرب ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي مأساة إنسانية عميقة سرقت من أطفال السودان حقهم في تجربة ذلك العيد الجميل الذي عشناه نحن .
نداء للسلام: سودان جديد من رماد الحرب
ومع ذلك فإن السودانيين شعب لا يعرف المستحيل، فكما كانت البيوت تفتح أبوابها للجيران في العيد فإن القلوب اليوم تفتح لأمل السلام. إن استحضار هذه الذكريات ليس حنينًا مرضيًا إلى الماضي، بل هو إستراتيجية للبقاء وقوة دافعة لبناء المستقبل .
نحن نقول اليوم: لا للحرب، لا لتفريق العائلات، لا لتهجير الناس من بيوتهم الكبيرة، لا لجعل العيد مناسبة للحزن بدلًا من الفرح.. ونقول نعم للسلام، نعم للوطن الآمن، نعم للسودان الذي يسع الجميع، نعم للديمقراطية التي تسمح لكل إنسان أن يعيش بكرامة، نعم للبيت الكبير الذي يضم تحت سقفه السودانيين من كل ولاية وكل عرق وكل دين .
إن دعوتنا اليوم هي أن يتذكر كل سوداني وكل قائد وكل مسؤول تلك الأيام الجميلة، أن يتذكر طعم الشية التي أكلها مع جيرانه، وصوت ضحكات الأطفال وهم يتسابقون إلى تلقي العيديات، وشعور الفخر حين كان يرسل صينية لحم إلى بيوت جيرانه فيأتيه الرد بصينية أخرى.
هذا الشعور هو ما يجب أن يحكم قراراتنا اليوم، هذا الحب هو ما يجب أن ينتصر على الكراهية، هذه الذاكرة هي ما يجب أن تكون منارة لنا في ظلام الحرب .
كل سنة وأنتم طيبون
نحن الآن نمر في زمن عصيب قد لا نستطيع فيه أن نصنع تلك الولائم الضخمة، وقد لا نتمكن من شراء الخراف الغالية الثمن، وقد نفتقد بعض الأحبة الذين رحلوا في الحرب، لكن الأكيد أن روح العيد لا تموت. هذه الروح؛ روح التسامح، روح العطاء، روح الاجتماع، روح مشاركة الجيران، هي التي ستعيد بناء السودان من جديد.
كل سنة والسودان بخير، كل سنة وأهلنا في كل مكان ينتظرون العيد كما كنا ننتظره، وكل سنة ونحن نقترب خطوة خطوة من ذلك اليوم الذي سنقول فيه الحمد لله الذي ردّ إلينا بيوتنا الكبيرة وجمع شملنا وأعاد إلينا السلام والأمان.
كل سنة وأنتم طيبون، وسلام على سودان السلام.