لـ(ديسمبر) كلمة
الوحدة ضد العدالة المسيَّسة الخاضعة للمليشيات
واقعتان شهدتهما قاعات المحاكم في مناطق سيطرة سلطة بورتسودان في الأيام العشرة الماضية. أولاهما الواقعة المتعلقة بجلسة محاكمة الصيدلي دكتور أحمد الشفا الأسبوع الماضي بدنقلا، في البلاغ المفتوح من مليشيات البراء بن مالك، وثانيتهما واقعة محاكمة أكثر من 200 شخص من ضمنهم القيادات السياسية والمدنية الذين سبق فتح بلاغات في مواجهتهم في أبريل 2024م.
رسخت محكمة دكتور الشفا بدنقلا والممارسات التي صاحبتها وقائع سيطرة المليشيات على الدولة وتغولها حتى على المؤسسات العدلية والقضائية من خلال الحضور المسلح داخل فناء المحكمة، وحصار القاعة وتحديد من يسمح لهم بالدخول ومنع آخرين، مع وجود ملثمين داخلها، الأمر الذي مثل تقويضاً كاملاً للعدالة ونزاهتها والحرمان من المحاكمة العادلة، مع التنبيه إلى عدم وجود قضية من الأساس تستوجب المحاكمة، بالتأثير المباشر على القضاة والشهود.
شهدت محكمة بورتسودان الغيابية المنعقدة هذا الأسبوع، التي جمع فيها كل الذين فتحت في مواجهتهم بلاغات من قبل سلطة بورتسودان منذ اندلاع الحرب في بلاغ واحد بتهمة التعاون مع الدعم السريع، حيث شملت القضية البلاغ المفتوح ضد قيادات وعناصر الدعم السريع مع البلاغ المفتوح ضد القيادات السياسية المدنية.
هذا الخلط مقصود لتأكيد الصلة غير الموجودة وتوظيف الانعقاد الغيابي لاستصدار إدانة ترسخ وجود صلة للمدنيين بأحد أطراف الحرب، على الرغم من وجود وقائع أخرى تؤكد بطلان هذا الادعاء من خلال فك الارتباط بين مكونات تنسيقية (تقدم) والذي اختارت فيه القوى المدنية المنخرطة في تحالف (صمود) موقفاً سياسياً مستقلاً عن الدعم السريع.
إن وقائع إجراءات محاكمتي دنقلا وبورتسودان، رغم التباعد الجغرافي واختلاف السياق القانوني العام لكل منهما، تتفقان في الهدف والدافع بإدانة أي موقف مدني مناهض ورافض للحرب وداعٍ لوقفها، باللجوء للتجريم القانوني باستخدام وإشهار سلاح القضاء والرضوخ لسطوة المليشيات التي تحرص على الحرب واستمرارها، لكونها مرتبطة بوجودها في الأساس، وترفض في هذا السياق أي محاولة لوقفها.
تتوهم سلطة بورتسودان ومكوناتها، خاصة الحزب المحلول، إمكان تطويع أو تركيع أو إسكات القوى المدنية والمناهضين للحرب من خلال استخدام القضاء المسيس الخاضع لها، وهو تصور يغفل التجربة السياسية الطويلة المتراكمة في التعامل مع التوظيف السياسي السلطوي للعدالة والقضاء في مواجهة الخصوم السياسيين، حينما جُرب من قبل وتمت مواجهته والتصدي له وهزيمته وإثبات عدم جدواه.
لذلك فإن إصدار أحكام تختلف في النوع مع ثبات الجوهر الذي سيُجابَه بالمقاومة لحين إسقاطه وهزيمته فتلك حصيلة وعظة التاريخ، تكررت بالأمس، ومن المؤكد حدوثها اليوم وغداً.
الاستهداف الحالي الذي تواجهه القوى المدنية الديمقراطية الرافضة للحرب والداعية للسلام، المؤمنة بقيم وأهداف ثورة ديسمبر المجيدة يعد سانحة لاستعادة زمام المبادرة الشعبية ليس للتصدي لخطاب الحرب المتآكل المتهاوي المتراجع، وإنما مواجهة منبع فكرته الأساسية وعموده الفقري ممثلاً في النظام البائد وواجهاته وتشكيلاته، لكونه مطلباً أساسياً ليس لضمان وقف الحرب فقط أو إعادة الكرة مجدداً لصالح ثورة ديسمبر المجيدة وأهدافها وآمالها، لكنه يعد خطوة أساسية لتحقيق حكم مدني ديمقراطي مستدام يستحقه السودانيون والسودانيات، مهما تأخر أو تعثر فهو قادم لا محالة.
لا للحرب.