حين يفضح إعلام السلطة مموليه: الصحافة الحرة في مواجهة سوق التضليل
وضاح شرف الدين
في الحرب لا تطلق البنادق وحدها. تطلق معها الروايات، وتُفتح مخازن الدولة لا لإغاثة الناس، ولا لحماية الأطفال، ولا لإعادة المستشفيات إلى العمل، وإنما لتمويل ماكينة كاملة من التضليل. تصير الحقيقة عدوًا، ويصير الصحفي المستقل خطرًا، أما الصحفي المزيّف فيتحول إلى موظف حرب ببطاقة إعلامية، يلبس قناع المهنية بينما يؤدي وظيفة الجندي في ميدان آخر: ميدان الوعي العام.
هذه واحدة من أخطر صور الانهيار في السودان اليوم: أن تُستخدم موارد الدولة، وواجهاتها، وعلاقاتها، ومنابرها، وأموالها، في صناعة سردية رسمية للحرب، لا في خدمة المجتمع الذي تمزقه الحرب. فالسلطة التي تعجز عن حماية المواطن تستطيع، للمفارقة، أن تموّل من يتحدث باسمها. تعجز عن دفع ثمن الدواء، لكنها تجد ما يكفي لإنتاج مقاطع دعائية. تعجز عن إنقاذ النازحين، لكنها لا تعجز عن صناعة محللين جاهزين. تتأخر في إغاثة المدن المنكوبة، لكنها تتحرك بسرعة حين تحتاج إلى تلميع قائد، أو شيطنة خصم، أو غسل جريمة، أو تحويل الهزيمة إلى نصر لغوي.
هنا لا نتحدث عن اختلاف سياسي طبيعي، ولا عن تعدد مشروع في وجهات النظر. الصحافة الحرة تقبل الاختلاف، وتعيش منه، وتزدهر به. ما جرى في زمن الحرب تجاوز الرأي إلى الصناعة المنظمة للكذب. ظهرت منصات لا وظيفة لها سوى إعادة تدوير خطاب السلطة. وظهر صحفيون لا يسألون، لا يحققون، لا يراجعون، لا يخجلون. مهمتهم أن يأخذوا الرواية الجاهزة من فم القوة، ثم يعيدوا إخراجها في شكل تقرير أو تحليل أو مقابلة أو تسريب أو منشور غاضب.
هذا النوع من الإعلام ليس إعلامًا منحازًا فحسب؛ إنه إعلام مأجور سياسيًا وأخلاقيًا. لا ينحاز إلى فكرة، بل إلى الجهة التي تدفع. لا يدافع عن وطن، بل عن مركز سلطة. لا يهتم بالضحايا إلا حين يصلحون مادة للابتزاز. ولا يرى الدولة إلا بوصفها خزينة مفتوحة لتمويل رواية المنتصر أو المتحكم أو الطامح إلى احتكار الوطنية.
ومع الوقت، بدأت هذه المنظومة نفسها تتشقق من داخلها. فالصحفيون الذين جرى توظيفهم في خدمة رواية السلطة لم يستطيعوا المحافظة طويلًا على وهم التماسك. خرجت خلافاتهم إلى العلن: شتائم، اتهامات متبادلة، تسريبات، وملاسنات تدور في جوهرها حول سؤال واحد: من دفع لمن؟ ومن قبض من أي جهة؟ ومن حظي بالقرب من هذا الجنرال أو ذاك؟ وهنا انكشفت المفارقة الفاضحة: حتى الصحافة المزيفة، حين تختلف على حصصها وأدوارها، تبدأ في فضح نفسها وفضح مموليها.
لم تعد المسألة مجرد صحفي يردد خطاب السلطة. ما ظهر إلى السطح يكشف أن سلطة بورتسودان نفسها ليست كتلة واحدة متماسكة، بل داخلها مراكز نفوذ متعددة، تتصارع في الخفاء، وتستخدم الإعلاميين والمنصات كأدوات في صراعاتها البينية. كل مركز يريد بوقه، وكل جنرال يريد روايته، وكل شبكة تبحث عن لسان إعلامي يلمعها ويهاجم خصومها داخل المعسكر نفسه قبل خارجه. هكذا تحوّل إعلام السلطة من أداة للتغطية على الحرب إلى مرآة غير مقصودة لفوضى السلطة ذاتها.
وهذه ليست تفصيلة هامشية. إنها علامة بنيوية. حين تستخدم سلطة بلا سقف قانوني أو أخلاقي المال العام لتجنيد إعلاميين، فإنها لا تنتج صحافة، بل تنتج سوقًا. والسوق، بطبيعته، لا يحكمه الضمير وإنما السعر والعلاقة والمصلحة. لذلك لم يكن غريبًا أن ينقلب بعضهم على بعض. فمن دخل إلى المجال العام بوصفه مقاول دعاية، لا صاحب رسالة، سيختلف عاجلًا أو آجلًا مع مقاول آخر على الأجر، والحصة، والقرب، والامتياز، وحق الادعاء بأنه الناطق الأصدق باسم السلطة.
هكذا فضح إعلام الحرب نفسه من داخله. أراد أن يصنع صورة سلطة واثقة ومتماسكة، فإذا به يكشف سلطة مأزومة، متعددة الرؤوس، متنازعة المصالح، تتخفى خلف البيانات والرايات الكبرى بينما تدير في العمق صراعًا على النفوذ والمال والشرعية. أراد أن يتهم الصحافة المستقلة بالعمالة، فانتهى إلى الاعتراف، عبر شتائمه المتبادلة، بأن الولاء عنده قابل للفوترة، وأن الوطنية نفسها تحولت في هذا السوق إلى بند صرف.
في زمن الحرب، كان مطلوبًا من الناس أن يصدقوا أن الحقيقة خيانة، وأن السؤال طعن في الظهر، وأن التحقق ترف، وأن الصحفي الجيد هو من يصرخ لا من يفتش. هكذا صُنعت ثنائية قاتلة: إما أن تنضم إلى جوقة الحرب، أو تُتّهم بالعمالة والتخذيل. أما الصحافة الحرة فقد وجدت نفسها في موضع أصعب من أي وقت مضى؛ عليها أن تواجه الرصاص من جهة، والكذب من جهة أخرى، وجمهورًا منهكًا يريد أحيانًا ما يخفف عنه لا ما يصدمه بالحقيقة.
ومع ذلك، فعلت الصحافة الحرة في الحرب ما تعجز عنه الجيوش الدعائية كلها: حفظت حق الناس في الشك. لم تسمح للرواية الرسمية أن تنفرد بالذاكرة. سألت عن الضحايا حين كان الإعلام المأجور يحصي المكاسب. ذهبت إلى تفاصيل النزوح والجوع والاغتصاب والنهب وانقطاع التعليم والخدمات، بينما كانت منصات الحرب تحتفل بالبيانات العسكرية وتبيع الوهم للناس. حاولت تسمية الأشياء بأسمائها: الجريمة جريمة، والنهب نهب، والتحريض تحريض، والكراهية كراهية، ولا تصبح الوطنية فضيلة حين تتحول إلى رخصة للقتل.
كانت الصحافة المستقلة، في أفضل تجلياتها، دفاعًا عن المجتمع ضد اختطاف صوته. ففي الحرب يصبح المواطن مجرد رقم في خطاب السلطة: نازح، شهيد، متضرر، متعاون، متمرد، حاضنة، خسارة جانبية. الصحافة الحرة تعيد إليه اسمه، وبيته، ووجهه، وقصته. تقول إن من مات لم يكن مادة في بيان. ومن نزح لم يكن تفصيلًا في خريطة، ومن فقد أبناءه لا يجوز أن يُطلب منه الصمت حتى لا يزعج الرواية الرسمية.
ولهذا تخاف السلطة الصحافة الحرة أكثر مما تخاف الهتاف العابر. الهتاف ينتهي، أما التوثيق فيبقى. الدعاية تعيش على اللحظة، أما التحقيق الجاد فيطارد أصحابه بعد سنوات. الكذبة تحتاج إلى تكرار دائم كي تبقى واقفة، أما الحقيقة فيكفي أن تُحفظ جيدًا لتعود حين ينهار الخوف. لذلك تحاول سلطات الحرب دائمًا السيطرة على الإعلام، لا لأنها تحب الصحافة، بل لأنها تعرف خطورتها. من يملك الرواية يخفف مسؤوليته، ومن يشتري الأصوات يشتري وقتًا إضافيًا قبل المحاسبة.
لكن المشكلة الأكبر أن بعض من دخلوا إلى المجال الإعلامي في هذه الحرب لم يكونوا صحفيين أخطأوا التقدير، بل كانوا وكلاء سردية. يضعون اسم الصحافة على عمل دعائي صريح. يستخدمون لغة المهنة لتخريب المهنة. يطالبون بحرية التعبير حين يخدمون السلطة، ثم يحرّضون على إسكات غيرهم حين يقترب من الأسئلة المحرجة. هؤلاء ليسوا مجرد أفراد عابرين؛ إنهم جزء من بنية أوسع تستخدم المال العام، والعلاقات الرسمية، والامتيازات، والسفر، والإعلانات، والوصول إلى المعلومات، لصناعة إعلام مروّض.
ومن هنا يصبح الحديث عن حرية الصحافة ناقصًا إن لم يذهب إلى سؤال التمويل. من يدفع؟ لمن؟ ولماذا؟ كيف تظهر منصة فجأة بتمويل واضح ولا يُعرف مصدر مالها؟ كيف يتحول شخص بلا تاريخ مهني إلى محلل حرب وطني؟ كيف تُفتح الأبواب لبعض الأصوات وتُغلق في وجه أخرى؟ كيف تُمنح المعلومات والتسهيلات لمن يرددون الرواية المطلوبة، بينما يُحاصر الصحفيون الجادون بالتخوين والمنع والتهديد؟ هذه ليست أسئلة تقنية. إنها قلب معركة الصحافة في زمن الحرب.
فالاستقلال لا يعني فقط ألا يكون الصحفي عضوًا في حزب، أو موظفًا رسميًا في جهاز. الاستقلال يعني ألا يتحول قلمه إلى إيصال صرف. ألا يبيع حق الناس في المعرفة مقابل قرب من سلطة، أو وعد بمنصب أو حماية أو امتياز. الاستقلال يعني أن يعرف الصحفي أن الدولة ليست ملكًا لمن يحكمونها، وأن المال العام لا يجوز أن يتحول إلى وقود لدعاية الحرب. وحين تستخدم السلطة موارد الدولة لتلميع نفسها، فإنها لا تسرق المال وحده؛ إنها تسرق حق المجتمع في الحقيقة.
ما فعلته الصحافة الحرة خلال الحرب ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه بطولة رومانسية فقط. لقد كان عملًا مؤسسيًا وأخلاقيًا بالغ الصعوبة: التحقق في بيئة مغلقة، الوصول إلى مصادر خائفة، حماية الشهود، مقاومة الابتزاز، نشر الوقائع بلا تهور، ومقاومة إغراء التحول إلى طرف في المعركة. ليست الصحافة الحرة بلا أخطاء، ولا ينبغي أن تكون فوق النقد، لكنها بقيت، رغم ضعف الموارد وقسوة المناخ، واحدة من آخر المساحات التي حاولت حماية المعنى العام من السقوط الكامل.
أما بعد الحرب، فالمهمة ستكون أخطر. لأن الحرب حين تتوقف عسكريًا تبدأ حرب الروايات بصورة أشرس. سيخرج تجار الدم بوجوه مغسولة. ستظهر منصات جديدة تتحدث عن المصالحة وهي تخفي ملفات التمويل والتحريض. سيتحول بعض مروجي الحرب إلى دعاة سلام. سيحاول من أنفقوا المال العام على الكذب أن يقدموا أنفسهم رعاة للاستقرار. وستبدأ عملية منظمة لتبييض الجرائم، وتوزيع المسؤوليات بطريقة مريحة، وتحويل الضحايا إلى أرقام في خطاب وطني عام لا يسمي الجناة.
هنا يجب أن تكون الصحافة الحرة أكثر صرامة. لا يكفي أن تغطي مؤتمرات السلام، ولا بيانات إعادة الإعمار، ولا صور المصافحات. عليها أن تسأل: من موّل الحرب؟ من موّل إعلام الحرب؟ من دفع للمنصات؟ من صنع الجيوش الإلكترونية؟ من حرّض على القتل والاغتصاب والنهب؟ من استخدم مؤسسات الدولة في الدعاية؟ من استفاد من تحويل المال العام إلى آلة كذب؟ ومن يريد اليوم أن يدخل مرحلة ما بعد الحرب بلا حساب؟.
ولأن التشظي الذي ظهر بين صحفيي السلطة كشف بعض ما كان مخفيًا، فإن واجب الصحافة المستقلة بعد الحرب أن يحول هذه الشقوق العابرة إلى ملف مساءلة عام. ليست القضية أن فلانًا شتم فلانًا، أو أن منصة ردت على منصة، أو أن صحفيًا اتهم آخر بالقبض من جهة معينة. هذه مجرد أعراض. القضية الحقيقية هي البنية التي جعلت الصحافة سوقًا تابعًا لمراكز نفوذ داخل سلطة حرب. المطلوب ليس التلذذ بفضائحهم، بل قراءة ما وراءها: شبكة المال، ومسارات التمويل، ودوائر النفوذ، والجنرالات الذين استخدموا اللغة كما استخدموا السلاح، ثم أرادوا غسل أيديهم من الاثنين معًا.
لن تكون مرحلة ما بعد الحرب مرحلة بناء إن جرى ترميم الكذب بدل كشفه. لا يمكن إعادة بناء وطن بذاكرة مثقوبة. ولا يمكن الحديث عن مصالحة بينما يظل صحفيو الدعاية يحتفظون بمنابرهم وأموالهم وشبكاتهم وكأن شيئًا لم يحدث. المصالحة الحقيقية لا تعني الانتقام، لكنها تبدأ من تسمية الأشياء. ومن دون صحافة حرة، ستتحول المصالحة إلى صفقة بين الأقوياء، وسيدفع الضحايا ثمن الصمت مرة أخرى.
لهذا، فإن المطلوب من الصحافة المستقلة بعد الحرب ليس الحياد البارد أمام جرائم واضحة، ولا الاندفاع الغاضب الذي يهدم شروط المهنة. المطلوب صحافة تحقيق، صحافة ذاكرة، صحافة مساءلة. صحافة تفتح ملفات المال العام، والمنصات الممولة، والمرتزقة الإعلاميين، وخطاب الكراهية، والتضليل المنظم، والجهات التي اشترت الصمت أو صنعت الضجيج. صحافة لا تكتفي بسؤال من أطلق الرصاص، بل تسأل أيضًا: من صنع الغطاء الأخلاقي للرصاص؟.
وهنا تبرز قيمة المنابر المستقلة مثل (ديسمبر). فاستمرار منبر حر خلال عام من الحرب ليس مجرد نجاح مهني؛ إنه فعل مقاومة مدنية ضد احتلال المجال العام. حين تصدر مجلة في زمن يتساقط فيه كل شيء، فهي لا تنشر مقالات فقط، بل تثبت أن المجتمع لم يفقد حقه في التفكير. وحين تفتح صفحاتها للكتابة الحرة، فهي تقول إن السودان ليس ملكًا للمسلحين، ولا للمنصات المأجورة، ولا للصحفيين الذين استبدلوا الضمير بفاتورة.
في ذكراها الأولى، لا تحتاج (ديسمبر) إلى مديح احتفالي بقدر ما تحتاج إلى وعي بموقعها. فقد جاءت في زمن يحاول فيه الخراب أن يجعل الكلام النظيف مستحيلًا، وأن يحوّل كل صوت مستقل إلى متهم. وقيمتها أنها بقيت مساحة يمكن أن يكتب فيها المرء من دون أن يتحول إلى بوق. أن يختلف من دون أن يخون. أن يغضب من دون أن يكذب. أن ينحاز للضحايا من دون أن يسلّم عقله لأي معسكر.
إن معركة حرية الصحافة في السودان اليوم ليست معركة الصحفيين وحدهم. إنها معركة المجتمع ضد اختطاف ذاكرته. فالسلطة التي تصرف من موارد الدولة على صحفيين مزيفين ومنصات دعائية لا تدافع عن نفسها فقط؛ إنها تحاول أن تكتب التاريخ قبل أن يصل المؤرخون، وأن تصوغ الوعي قبل أن يلتقط الناس أنفاسهم، وأن تجعل الكذب جزءًا من إعادة الإعمار. وحين يحدث ذلك، يصبح واجب الصحافة الحرة أن تكون قاسية، دقيقة، ومثابرة.
فليست كل قسوة انفعالًا. أحيانًا تكون القسوة هي الاسم المهني للنزاهة حين تواجه جريمة منظمة. والصحافة التي لا تغضب أمام استخدام المال العام لتمويل الكذب تفقد شيئًا من روحها. لكن غضبها يجب أن يبقى محكومًا بالدليل، لأن الفرق بين الصحفي الحر وبائع الدعاية أن الأول يغضب من أجل الحقيقة، والثاني يغضب حسب جهة الصرف.
بعد الحرب، سيحتاج السودان إلى طرق وجسور ومدارس ومستشفيات. لكنه سيحتاج أيضًا إلى صحافة لا تسمح بإعادة بناء الأكاذيب فوق الأنقاض. فالبلاد التي لا تكشف من حوّل الدولة إلى منصة دعاية ستجدهم غدًا يتحدثون باسم الوطنية من جديد. والذين موّلوا الكذب اليوم سيحاولون تمويل النسيان غدًا. لذلك تبدأ مهمة الصحافة الحرة من الآن: أن تحفظ الوقائع، وتكشف التمويل، وتطارد الروايات المعلبة، وتمنع القتلة والدعاة والسماسرة من احتكار قصة البلاد.
هذه ليست مهنة فقط. هذا واجب عام. وفي زمن الحرب، قد تكون الصحافة الحرة آخر ما يتبقى من الدولة حين تصير مؤسسات الدولة نفسها أدوات في يد السلطة. أما بعد الحرب، فستكون إحدى الوسائل القليلة التي يمكن أن تمنع عودة الحرب بأسماء جديدة، ووجوه جديدة، ومنصات جديدة، وكذبة قديمة ترتدي ثوب الوطنية.