تأملات في سرد فشلٍ يُدار كأنه قدر
إبراهيم برسي
في الطريق إلى هناك، لم يكن الخلل في الطريق. الإسفلت ممدود كما ينبغي، إشارات المرور تنظم الحركة بسلاسة، واللافتات تُخبرك بأسماء الطرقات والأماكن.. كل شيء يوحي بأن العالم يسير وفق ما تمّ الاتفاق عليه.
ومع ذلك، حين تبدأ الحكاية، نكتشف أن ما يبدو كدولة ليس سوى ترتيب يُرى من الخارج فقط، تاركًا الداخل يعمل وفق منطقه الخاص دون أي مساس.
في السودان، لا يبدأ فشل الدولة من لحظة سقوطها، ولا من صوت الرصاص حين يعلو داخل الأحياء والمدن. الفشل أقدم من ذلك بكثير. يبدأ من تلك المسافة الصغيرة بين الاسم وما يشير إليه. من الفجوة التي تجعل كلمة “الدولة” مكتملة في اللغة، وغائبة في الواقع.. كأنها كلمة نجت من المعنى.
كبرنا ونحن نتعلم أن الدولة كائن جامع، سقف يحمي الجميع، فكرة تنتظم حولها الحياة. غير أن التجربة ظلت تُسائل هذا التعريف في كل مرة. الدولة لا تظهر إلا في لحظات محددة: عند الحواجز، حيث يتحصّل العسس الجبايات ورسوم الطريق، في مكاتب تُجبرك على دفع دمغات لا علاقة لها بالخدمة المقدمة، في قرارات لا يفهمها أحد، وفي عنفٍ لا يترك مجالًا للتأويل. ثم تختفي، وتترك الناس يواجهون حياتهم كأنهم في فراغ لا يعترف بأي بنية تتجاوز يومياتهم المباشرة.
في واحدة من رحلاتي الأخيرة، خارج هذا البلد الذي تعلّم كيف يحترم مؤسساته، وعند وصولي إلى الخرطوم بعد غياب قارب العشرين عامًا، واجهت مفارقة لا يمكن تجاوزها بسهولة. تعطل أمر إداري بسيط، وهذا يحدث في أي مكان. غير أن ما حدث لاحقًا هو ما يستحق الانتباه. لم يتحرك الموظف لمعالجة الخلل عبر الإجراءات المعروفة. طريقة الحل نفسها كانت هي المفارقة.
هاتف واحد من الموظف نفسه، بعد أن قال: “أنت باين عليك ود ناس.. والشغلة دي بتجر”.. وكان ما كان. اتصال من شخص يعرف شخصًا آخر، فتُحل المشكلة وكأنها لم تكن. تُحل من خارج الدائرة الحكومية، وكأن الدولة تنسحب بهدوء، تاركة المشهد لشبكة خفية تعرف كيف تُدير الأمور بكفاءة أكبر.
كانت لحظة تحمل أكثر مما تبدو عليه في ظاهرها.
لم تكن مجرد تجربة عادية، كانت مدخلًا لفهم أعمق.
شعرت أن الدولة هنا لا تُختزل في ضعفها فقط، بل يتم تجاوزها عمدًا. يتم التعامل معها، من داخل مؤسساتها نفسها، كخيار بطيء ومعقّد وغير عملي. في المقابل، تتقدم شبكة العلاقات بوصفها البديل الفعلي… النفوذ أسرع من القانون، والمعرفة الشخصية والوساطة أكثر فاعلية من المؤسسة، والقرب من مركز القوة يختصر الطريق أكثر من أي إجراءات رسمية.
هنا يتبدل السؤال في ذهني.
لم يعد: لماذا تفشل الدولة؟
السؤال يصبح: من يدير الحياة حين تغيب الدولة؟
في السودان، الإجابة ليست غامضة كما يتضح لاحقًا. هناك دولة أخرى تعمل في الظل، أكثر حضورًا في الواقع. شبكة ممتدة من العلاقات، من الولاءات، من المصالح المتداخلة. تبدأ من الضابط الذي يفتح الطريق، ولا تنتهي عند التاجر الذي يموّل، مرورًا بالوسيط الذي يعرف بمن يتصل به ومتى.
هذه ليست فوضى كما قد تبدو. هذا نظام موازٍ، له حراسه ومصالحه وقواعده غير المكتوبة. نظام لا يعترف بالكفاءة، يعترف بالوساطة. لا يثق في القانون، يثق في القرب من مراكز القوة. لا يحتاج إلى مؤسسات، لأنه نشأ أصلًا على أنقاضها.
حين يُقرأ تاريخ الدولة في السودان من هذه الزاوية، تتضح الصورة بقدر أكبر من القسوة. ما تركه الاستعمار لم يكن سوى جهاز إداري منفصل عن المجتمع. غير أن هذا الجهاز لم يُترك ليضعف وحده. إذ إن النخب التي ورثته “الأفندية” كما سماهم خالد الكِد في كتابه “الأفندية ومفاهيم القومية في السودان” لم تكتفِ بإدارته، بل حافظت على انفصاله، لأنها وجدت فيه مصدر امتيازها.
ثم جاء الجيش، ليس بوصفه حاميًا للدولة، بل بوصفه مركزًا لإعادة تعريفها وناهبًا لثرواتها، وقاتلًا لشعبها حين يقتضي الأمر، فهو منذ الاستقلال، لم يتعامل مع الدولة كإطار يجب حمايته، تعامل معها كحيِّز يمكن الاستحواذ عليه. ومع كل انقلاب، كانت الدولة تُعاد صياغتها على مقاس القوة، وليس على مقاس المجتمع.
وعندما دخل الإسلام السياسي إلى السلطة، لم يكتفِ بالسيطرة، أعاد هندسة المعنى نفسه. لم تعد الدولة جهازًا إداريًا، تحولت إلى أداة لإنتاج الطاعة، إلى خطاب يُشرعن السيطرة، وإلى منظومة تُعيد تشكيل الوعي بحيث يصبح القبول هو القاعدة، والاعتراض استثناءً مكلفًا، حتى قادوا البلاد إلى هذه الحرب، وما يزالون يعيدون إنتاج السردية نفسها، وكأنها لم تُستنفد.
في هذا السياق، لم تعد الدولة إطارًا جامعًا. صارت ساحة توزيع. من يقترب يحصل، ومن يبتعد يُقصى. التعليم نفسه لم يسلم، أُدخل في هذه المنظومة، فتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي وأدلجته.
هنا، يتغير معنى الفشل. الفشل لا يظهر كحادثة.. يتحول إلى نمط عمل. الدولة تستمر، تعمل، تُصدر قرارات، ترفع شعارات.. وفي الوقت نفسه، تُنتج الشروط التي تُبقيها عاجزة عن أداء وظيفتها الأساسية. هذا ليس عجزًا فقط، هذا نمط إنتاج مستمر للفشل.
في الشارع، لا يُقرأ هذا النمط كتحليل نظري، بل يُعاش كحياة يومية. الناس لا ينتظرون الدولة لتحل مشاكلهم. يتجهون مباشرة إلى البدائل: صديق يعمل في موقع ما، قريب يعرف مسؤولًا، وسيط يمكنه حل المشكلة دون صفوف. الحياة تُدار خارج المؤسسات، رغم وجودها. هذا التوازي ليس عرضًا جانبيًا، هو القاعدة الفعلية.
وفي لحظات العنف، تختصر الدولة نفسها في وظيفتها الأكثر خشونة، حيث تتحول إلى قوة باطشة تُفرض نفسها على الواقع. قوة لا يُلجأ إليها للاحتماء، بل يُنظر إليها كعامل يمكن أن يزيد الوضع تعقيدًا. وتفقد الفكرة القديمة مكانها لصالح واقع مختلف تمامًا.
الحديث عن “إصلاح الدولة” في هذا السياق يبدو محدود الأفق. الإصلاح يفترض وجود بنية يمكن تعديلها. ما يظهر هنا هو شيء مختلف: دولة لم تكتمل فكرتها أصلًا، ولم تتحول إلى معنى مشترك، ولا إلى عقد ضمني بين الناس.
وربما الأكثر إرباكًا، أن المجتمع نفسه لم يقف خارج هذه العملية. تعلّم التكيّف معها، ثم شارك في إعادة إنتاجها. لم يعد ينتظر الدولة، ولم يعد يثق بها، وفي الوقت نفسه يعتمد على الشبكات التي تُضعفها. كأن الجميع جزء من هذا الترتيب، حتى وهم يعترضون عليه.
هنا، لا يعود السؤال متعلقًا بالدولة وحدها.
السؤال يمتد إلى وعينا بها.
ما الذي نريده حين نقول “دولة”؟
هل نريد جهازًا يعمل بكفاءة؟
أم معنى مختلفًا، يتجاوز الإدارة إلى الإحساس المشترك بالأمان والانتماء؟
في مكان ما، بين تجربة شخصية صغيرة، وتاريخ طويل من التعثر، يتشكل سؤال لا يكف عن العودة:
إذا كانت الدولة لا تُعاش إلا كغياب أو كقوة باطشة،
فهل المشكلة في الدولة وحدها؟
أم في البنية التي جعلت هذا الغياب ممكنًا،
وهذا الحضور مخيفًا؟.