من فقه الاستخبارات إلى دولة الرعب: كيف تحوّل الخوف إلى عقيدة حكم في السودان؟

من فقه الاستخبارات إلى دولة الرعب: كيف تحوّل الخوف إلى عقيدة حكم في السودان؟

وضاح شرف الدين

 

ليست المأساة السودانية مجرد سلسلة من الانقلابات، ولا مجرد صراع على السلطة بين جنرالات وميليشيات وواجهات سياسية متبدلة. ما جرى، ويجري، أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام بنية ذهنية كاملة، أمام فلسفة حكم تأسست على فكرة جوهرية واحدة: أن المجتمع لا يُدار بالثقة بل بالرعب، ولا يُحكم بالقانون بل بالاختراق، ولا يُضبط بالمؤسسات بل بإشاعة الخوف المنظم.

هذه ليست مجرد ممارسات قمعية معزولة، بل ما يمكن تسميته، بلا مبالغة، فقه السلطة؛ أي ذلك التصور الذي يحوّل الدولة من إطار لحماية الحياة العامة إلى جهاز لإخضاعها، ويحوّل السياسة من تفاوض بين مصالح ورؤى إلى معركة أمنية دائمة ضد المجتمع نفسه.

في هذا السياق، لا تبدو الإشارات المتداولة إلى ابتعاث كوادر إسلامية سودانية إلى إيران في بدايات الثمانينيات للتدريب مجرد تفصيل تاريخي أو هامش تنظيمي. الأهم من الواقعة نفسها هو ما ترتب عليها من استيراد نموذج في الحكم: نموذج يرى في الاستخبارات ليس وظيفة من وظائف الدولة، بل روحها العميقة؛ ويرى في التعذيب ليس جريمة، بل أداة من أدوات “التحصين”؛ ويرى في الإرهاب النفسي للمجتمع وسيلة مشروعة لتثبيت السلطة.

من هنا يمكن فهم “بيوت الأشباح” لا بوصفها انحرافًا أو شططًا، بل باعتبارها التطبيق الأكثر صفاءً لعقيدة سياسية كاملة. تلك البيوت لم تكن مجرد أماكن احتجاز سري، بل كانت، في معناها الأعمق، مسرحًا سياديًا لإعلان من يملك تعريف الإنسان، ومن يملك حق كسره. في تلك اللحظة لم تعد الدولة تقول للمواطن: “أنا أحكمك بالقانون”، بل تقول له: “أنا أملك أن أخرجك من القانون أصلًا”. وهذه هي النقطة التي تسقط فيها السياسة أخلاقيًا، وتدخل السلطة طورها الأكثر عريًا ووحشية.

لقد كتب ميشيل فوكو، في تأمله العميق لعلاقة السلطة بالجسد، أن الأنظمة الحديثة لا تكتفي بمعاقبة الأفراد، بل تسعى إلى تشكيلهم وضبطهم ومراقبتهم. لكن التجربة التي عرفناها في السودان ذهبت إلى ما هو أبعد: لم تكتفِ بضبط الجسد، بل اشتغلت على تحطيم المعنى الداخلي للإنسان، على كسر كرامته، وإشعاره بأن وجوده نفسه معلق على مزاج السلطة. وهنا لم تعد السلطة مجرد مؤسسة سيادية، بل أصبحت هندسة للخوف.

هذا هو جوهر المسألة: لم يكن المطلوب فقط إسكات الخصوم، بل إعادة تشكيل المجتمع نفسيًا. لذلك لم تكن إعدامات تجار العملة مجرد عقوبات، بل رسائل عامة. ولم يكن قهر التجار مجرد صراع اقتصادي، بل تحطيمًا متعمدًا لاستقلال المجتمع التجاري، وترويضًا لطبقة تملك بطبيعتها قدرة على الحركة والمناورة والنفوذ خارج قبضة السلطة. ولم تكن تصفيات الضباط أو إذلالهم أو إعدامهم مجرد تصفية حسابات داخل المؤسسة العسكرية، بل إعادة صياغة للعسكر أنفسهم ليصبح الولاء العقائدي والأمني أعلى من المهنية والوطنية.

هذا النمط من الحكم لا يستطيع العيش دون اختراع عدو دائم. مرة يكون “العميل”، ومرة “المتآمر”، ومرة “المخرّب الاقتصادي”، ومرة “المارق”، ومرة “الخائن”. ولا أهمية هنا لتعريف العدو بقدر أهمية وجوده نفسه. فالسلطة التي تقوم على الخوف تحتاج باستمرار إلى مادة للخوف. إنها لا تستقر إلا إذا ظلت تُنتج خطرًا ما، حقيقيًا كان أو متخيَّلًا، ثم تقدم نفسها بوصفها الحارس الوحيد ضد هذا الخطر الذي تصنع جزءًا كبيرًا منه بيدها.

هنا يصبح من المفيد التوقف عند بعض الأدبيات التي حاولت أن تضفي على هذا المنطق طابعًا نظريًا أو شرعيًا. فهناك كتابات ظهرت تحت عناوين من قبيل “المخابرات في الدولة الإسلامية” و”المدخل إلى علم الاستخبارات – رؤية إسلامية” وهي، بغضِّ النظر عن تفاوتها في اللغة والتفاصيل، تشترك في مسعى أساسي: تأصيل العمل الاستخباراتي داخل المرجعية الدينية والتاريخ الإسلامي، بحيث لا يعود الأمن مجرد وظيفة مدنية خاضعة لرقابة المجتمع والقانون، بل يتحول إلى جزء من “الواجب العقائدي” في حماية الدولة أو الجماعة أو المشروع.

الإشكال الحقيقي في هذه الكتابات ليس فقط في ما تقوله صراحة، بل في ما تؤسسه ضمنًا. فهي تقوم بخطوة معرفية خطيرة: تنقل وقائع تاريخية مرتبطة بصراعات وسياقات محددة إلى مستوى القاعدة العامة، ثم تعيد إنتاجها كأنها نموذج معياري صالح لكل زمان ومكان. في هذه النقلة يتحول التاريخ إلى ذريعة، والسياق إلى شرعنة، والاستثناء إلى أصل.

وهكذا تتسع كلمة “الأمن” حتى تبتلع كل شيء. لا يعود الأمن حماية للناس، بل مراقبة لهم. لا يعود دفاعًا عن الدولة، بل تبريرًا لاختراق المجتمع. لا يعود وظيفة إدارية، بل منطقًا كليًا يعيد تعريف السياسة والقانون والأخلاق معًا. ومن هذه النقطة يصبح الفرق ضئيلًا جدًا بين الاستخبارات والقمع، وبين التحري والترويع، وبين حماية النظام ومصادرة المجتمع.

إن أخطر ما فعلته هذه الأدبيات أنها لم تصنع التعذيب مباشرة، لكنها صنعت الشرط الفكري الذي يجعل التعذيب قابلًا للتبرير. لم تأمر بالعنف دائمًا، لكنها أعادت ترتيب الوعي على نحو يجعل العنف يبدو امتدادًا طبيعيًا للدفاع عن “المصلحة العليا”. هنا يدخل ما يسمى في التراث السياسي المعاصر بـ”فقه الضرورة”: ذلك المنطق الذي يعلّق الأخلاق بدعوى حماية الجماعة، ويؤجل العدالة بدعوى المعركة، ويبيح الاستثناء حتى يتحول الاستثناء إلى قاعدة حكم دائمة.

في هذا المستوى تلتقي هذه الرؤية مع ما كتبته حنة أرندت عن الشمولية؛ لا من جهة التطابق التاريخي، بل من جهة البنية. فالنظام الشمولي، كما بيّنت، لا يحتاج فقط إلى أجهزة قمع، بل إلى أيديولوجيا تجعل القمع معقولًا، بل وتجعله أحيانًا واجبًا. إنه لا يمارس الشر بوصفه انفجارًا غرائزيًا فقط، بل بوصفه نتيجة منطقية داخل نسق فكري مغلق. وهكذا يصبح التعذيب “إجراء”، والإعدام “حسمًا”، وتدمير المجتمع “كلفة ضرورية”، لأن المشروع نفسه قد احتل مكان الإنسان.

ومن هنا نفهم أن ما يعيشه السودان اليوم من حرب مدمرة ليس خروجًا على تلك العقلية، بل هو أحد تعبيراتها القصوى. فالعقل الذي اعتاد أن يرى المجتمع مادة للضبط، يمكنه بسهولة أن يراه مادة للإحراق. والعقل الذي شرعن كسر الأفراد في الزنازين، لا يجد صعوبة في شرعنة كسر المدن في الحرب. والعقل الذي تعلّم أن الخوف أداة حكم، سيعتبر الخراب الشامل مجرد نسخة موسعة من بيوت الأشباح: سجنًا أكبر، على مستوى الوطن كله.

إن الحرب الدائرة ليست فقط حرب بنادق، بل أيضًا حرب تصور. هناك من لا يزال ينظر إلى السودان بوصفه غنيمة يجب استردادها، لا وطنًا يجب إنقاذه. هناك من يتعامل مع الدمار لا بوصفه كارثة، بل بوصفه فرصة لإعادة تركيب السلطة. وهذا هو الجوهر الأكثر ظلمة في المسألة: حين يصبح الخراب نفسه وسيلة سياسية مشروعة للعودة إلى الحكم.

بهذا المعنى، لا تكفي الإدانة الأخلاقية وحدها، رغم ضرورتها. المطلوب هو تفكيك العقل الذي أنتج هذا كله. كيف يفكر؟ كيف يبرر؟ كيف يحوّل الخوف إلى فضيلة؟ كيف ينقل الدولة من كونها مؤسسة عامة إلى كونها جهازًا عقائديًا مغلقًا؟ وكيف يستبدل فكرة المواطن بفكرة المشتبه فيه، وفكرة الوطن بفكرة الساحة، وفكرة القانون بفكرة التدبير الأمني المفتوح؟

إن الأزمة ليست في “تجاوزات” هنا أو “انتهاكات” هناك، بل في تصور كامل للسلطة. تصور لا يفهم الدولة إلا كأداة سيطرة، ولا يفهم المجتمع إلا بوصفه ملفًا أمنيًا، ولا يفهم السياسة إلا بوصفها حربًا مؤجلة أو معلنة. وفي هذا التصور، لا تكون القوة قدرة على بناء المؤسسات أو صيانة الحياة، بل قدرة على إلحاق الأذى وإدارته وتوزيعه.

لقد أثبت تاريخ السودان، كما أثبت تاريخ غيره، أن الخوف قد يضمن الصمت، لكنه لا يبني شرعية. وقد يفرض طاعة ظاهرية، لكنه لا يصنع دولة. والسلطة التي تتغذى على إذلال المجتمع تنتهي، في لحظة ما، إلى التهام أسسها هي نفسها، لأن الدولة التي تُختزل إلى مخابرات، والسياسة التي تُختزل إلى تعذيب، والوطن الذي يُختزل إلى غرفة تحقيق، لا يمكن أن تثمر إلا هذا المشهد الكارثي: حربًا بلا أفق، وخرابًا بلا معنى، وبلدًا يُدفع مرة أخرى إلى حافة العدم.

إن السؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس فقط: من يحكم؟ بل: بأي عقل يُحكم؟

فإذا لم يُهزم هذا العقل الذي جعل من الخوف دينًا سياسيًا، ومن الاستخبارات فلسفة دولة، ومن التعذيب لغة حكم، فإن كل تغيير سيظل شكليًا، وكل انتقال سيظل مؤقتًا، وكل سلام سيبقى هدنة هشة فوق أرض لم تُقتلع منها بعد جذور الرعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *