البرهان أداة داخل الشرنقة الشبكية وهندسة الإحلال الإثنو-تنظيمي

البرهان أداة داخل الشرنقة الشبكية وهندسة الإحلال الإثنو-تنظيمي

وليد عنبور

 

إزاء التغييرات الأخيرة في قيادة القوات المسلحة، التي تمثل تحولات عميقة تعصف بالبنية المتوهمة عند الكثيرين، تتشكل كلحظة كاشفة لا يمكن قراءتها كتحول عابر، إذ تتبدى كمرحلة استلاب سيادي من الداخل عبر عملية تفكيك القوات المسلحة وإعادة تركيبها ضمن مشهد شبيه بنموذج انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 من ناحية العمق. ورغم ما يبدو من تماسك ظاهري للنواة الإسلاموية إلا أنها تعمل عبر مراكز قوة متباينة ومتنافسة تعيد إنتاج توازناتها داخل لحظة الحرب والفوضى، دون أن يلغي ذلك قدرتها على الفعل الشبكي الموحد عند الضرورة.

تتجاوز الحالة السودانية الراهنة حدود الصراع العسكري التقليدي، وتتبلور كنظام إحلال وظيفي مكتمل البنية داخل جسد الدولة. فما يظهر في الواجهة ليس مركز القرار، إذ سرعان ما يتكشف كقشرة سيادية بروتوكولية تتحرك فوق نواة صلبة كامنة، حيث تنتقل سلطة الفعل من المؤسسة الرسمية إلى ما يمكن تسميته النواة الشبكية للإسلامويين، وهي بنية تعمل خارج مرجعيات الدولة وتعيد إنتاجها من داخل تفككها.

في هذا السياق يتحدد موقع عبد الفتاح البرهان كعقدة تمرير سيادي، لا عقدة إنتاج قرار. حيث تتحول المؤسسة العسكرية إلى قناة عبور لقرارات تُصاغ في العمق التنظيمي للكتلة الإسلامية القديمة التي أعادت تموضعها داخل الحرب، بوصفها لحظة إعادة تأسيس قسري للدولة. وتتخذ الحرب وظيفة مغايرة، وتتحول إلى أداة استعادة هيمنة عبر تفكيك المؤسسة العسكرية، مع إعادة تركيبها كوحدة تشغيل داخل مشروع آيديولوجي متخفٍّ ينتج القرار خارج الواجهة الرسمية.

داخل هذه البنية تتقدم عملية الإحلال القيادي الموجّه عبر إستراتيجية تفكيك الكتلة من الداخل، ويبرز صعود ياسر العطا لخلق السيادة الحلقية المدمجة وقمة رؤية مشروع مثلث حمدي، ومع ذلك يمثل الدفع بعبد الخير عبد الله ناصر درجام إلى مركز نائب الأركان قمة الهندسة الآيديولوجية للنزاع، كونه الذراع الذي مكن الإسلامويين من هندسة النزاع الاجتماعي وتفكيك بنية الثورة في شرق السودان، عقب ديسمبر، إلى صراعات هوياتية.

تشتغل هذه الديناميكية لاحتواء وإنهاء دور شمس الدين كباشي البراغماتي. وقد أدى فشل تعيين وزير الدفاع حسن داوود كبرون في تحجيم كباشي إلى لجوء التنظيم لعملية الإزاحة الإثنو-وظيفية، حيث ينحدر الثلاثة وهم كباشي ووزير الدفاع وعبد الخير من مكون اجتماعي واحد يشكل أحد عناصر القوام الرئيسي للجيش، وهذا يسمح للإسلامويين بضرب الكتلة البراغماتية بكتلة آيديولوجية من داخل ذات الحاضنة الاجتماعية. ويضمن هذا التوظيف للدوافع الإثنية ولاء القاعدة العسكرية للتنظيم تحت لافتة الانتماء للمكون، ويحول الجيش من حامٍ للهوية الوطنية إلى منصة لإدارة التشظي الاجتماعي.

تتعرض بنية التوازن الداخلي لعملية تفريغ مركزة تستهدف كباشي عبر تقليص مساحته داخل مراكز القرار، وإعادة توزيع نقاط التأثير. وتتخذ هذه العملية طابع تفكيك وظيفي لمراكز العقلانية السياسية داخل الجيش، مع دفع البنية نحو مركز أكثر صلابة آيديولوجية يمثله عبد الخير وفريقه، ويكون أكثر ميلاً إلى الحسم الصفري المفتوح الذي يخدم أجندة العودة التنظيمية.

في الخلفية يعمل مشروع أوسع لإعادة هندسة الدولة عبر عسكرة التناقضات، حيث يتم تحويل الحركات المسلحة – مثل مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم – إلى وحدات وظيفية داخل اقتصاد حرب يعيد توزيع السلطة والثروة وفق منطق الغنيمة السياسية. هذا النمط ينتج نظام إنتاج سياسي قائم على التشظي الموجَّه، وتتحول الحرب إلى آلية تشغيل مستمرة لإعادة إنتاج السلطة.

تتبلور مصفوفة انزلاق مركَّب تعمل عبر أربعة محاور أساسية؛ هي الاستحواذ الشبكي عبر انتقال القرار من المؤسسة إلى النواة التنظيمية، وعسكرة التناقضات من خلال إعادة توظيف الانقسامات الاجتماعية، والسيادة الصورية المتمثلة في إبقاء البرهان في الواجهة مع تجريده من القدرة الفعلية، ورابعها الانقلاب الوظيفي الذي يهدف إلى تحويل عقيدة الجيش للدفاع عن البنية التنظيمية المتخفية عبر استغلال الروابط الإثنية للقوات.

كما أن هنالك انقساماً في الكتلة الصلبة للإسلامويين؛ إحداهما تعمل على الانفصال، والأخرى تريد الحكم الكامل للسودان، وكلاهما متفقٌ على الحرب كمرحلة تكتيكية، مما يمهد لتفكك متكامل للدولة الاستعمارية، وفق هذه الطريقة.

يتحمل عبد الفتاح البرهان المسؤولية التاريخية المباشرة عن تثبيت هذا المسار عبر القبول ببنية التفويض المتدرج، وإعادة تموضع المؤسسة العسكرية داخل هندسة سياسية تُدار بمنطق الشبكات لا بمنطق الدولة، وتتوسع مساحة النواة الصلبة داخل الجسد السيادي، ويتحول مركز القرار إلى بنية تتقدم على الدولة وتعيد تعريف وظائفها خارج أي مشروع وطني جامع، وينتهي ذلك بإعادة إنتاج الدولة كجسم سيادي يعمل خارج إرادته المركزية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *