ثلاث سنوات من الحرب في السودان.. شعب يصمد وانتهاكات تنتظر العدالة

شيماء تاج السر، المحامية
بمرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان؛ تلك الحرب التي حولت واحدة من أعرق دول المنطقة إلى أرض يأس ومعاناة. ففي أبريل 2023 اندلع النزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ليدفع البلاد إلى دوامة من العنف والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ولم تسلم أي فئة من المدنيين الذين تحولوا إلى هدف مباشر للأطراف المتحاربة.
مارس كل من الدعم السريع والجيش السوداني وكتائب ظله انتهاكات شملت القتل خارج القانون واستهداف الأعيان المدنية والاغتصاب والزواج القسري والاستغلال الجنسي مقابل الغذاء والتهجير القسري والحصار والتجويع والاعتقالات والإخفاء القسري والتعذيب والحرمان من التعليم والسرقة والنهب وتلفيق البلاغات والأحكام الجائرة والإعادة القسرية للاجئين. هذه الانتهاكات ترتقي في كثير من الحالات إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
مشهد الانتهاكات حرب على المدنيين بلا هوادة
القتل خارج القانون واستهداف الأعيان المدنية
شهدت الحرب موجة غير مسبوقة من القتل العمد للمدنيين بما في ذلك إعدامات ميدانية طالت أطفالاً ونساءً وشيوخاً في فبراير 2026 أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن عدد القتلى المدنيين ازداد بأكثر من الضعف في 2025 مقارنة بالعام السابق، مع مقتل أكثر من 50 مدنياً في منتصف فبراير 2026 وحده.
طال الاستهداف أيضاً الأعيان المدنية المحمية دولياً، المستشفيات، الأسواق، المدارس، دور العبادة، ومخيمات النازحين. في ديسمبر 2025 كشف تقرير للأمم المتحدة عن هجوم على مخيم زمزم في دارفور تضمن قتلاً واغتصاباً وتعذيباً على نطاق واسع.

العنف الجنسي
الاغتصاب والزواج القسري والاستغلال الجنسي
استخدم العنف الجنسي كسلاح حرب ممنهج لإذلال المدنيين وترويعهم وتهجيرهم قسراً. ورصدت تقارير الأمم المتحدة حالات واسعة من الاغتصاب الجماعي والزواج القسري والاستغلال الجنسي مقابل الغذاء خاصة في دارفور والخرطوم والجزيرة. وفي ديسمبر 2025 نشرت الأمم المتحدة تفصيلاً لعمليات الاغتصاب والعنف الجنسي خلال الهجوم على مخيم زمزم واعتبرت أن هذه الممارسات ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية.
الحصار والتجويع كسلاح حرب
تحول الغذاء والماء والدواء إلى أسلحة حرب. في سبتمبر 2025 أفادت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن قوات الدعم السريع استخدمت التجويع كوسيلة حرب عبر حرمان المدنيين من المواد الأساسية للبقاء، ومثلت مدينة الفاشر شمال دارفور مثالاً صارخاً حيث ظلت تحت حصار مطبق لشهور مُنع خلاله دخول المساعدات مما أدى إلى مجاعة حادة. في يوليو 2025 وثقت تقارير أن السكان يعيشون على وجبة كل يومين وسط القصف والجوع.
التهجير القسري
تسبب النزاع في واحدة من أكبر أزمات النزوح عالمياً، حيث تجاوز عدد النازحين داخلياً واللاجئين 12 مليون شخص. وأُجبر السودانيون على الفرار تحت وطأة القصف والقتل والاغتصاب والنهب ليعيشوا في مخيمات مكتظة تفتقر لأبسط مقومات الحياة. هذا التهجير القسري يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية بموجب المادة 7 من نظام روما الأساسي.
الاعتقالات والإخفاء القسري والتعذيب
رافقت الحرب ممارسات قمعية كالاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري والتعذيب في سجون سرية. في سبتمبر 2025 كشفت شهادات عن سجون سرية لقوات الدعم السريع في الفاشر عُذب فيها المعتقلون بطرق وحشية، كما كشفت تقارير عن انتهاكات للجيش السوداني تشمل القمع والاحتجاز التعسفي والاستهداف الإثني. كما شملت أساليب التعذيب الضرب المبرح والصعق الكهربائي والإيهام بالإعدام والحرمان من الطعام والرعاية الطبية.
تلفيق البلاغات والأحكام الجائرة
لجأت بعض الأطراف إلى تلفيق التهم والبلاغات الكيدية ضد المدنيين ومحاكمتهم أمام هيئات قانونية وغير قانونية تصدر أحكاماً جائرة تصل إلى الإعدام، في انتهاك لحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.
الإعادة القسرية للاجئين
تعرض لاجئون سودانيون في دول الجوار لإعادة قسرية تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية (Non-refoulement). في فبراير 2026 كُشف عن عمليات إعادة قسرية من مصر في انتهاك للمادة 33 من اتفاقية اللاجئين لعام 1951.

الإطار القانوني
اتفاقيات تُجرم الانتهاكات وتنتظر التطبيق
- القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكوليها)
– المادة 3 المشتركة (النزاعات غير الدولية) تمنع القتل والتعذيب والمعاملة القاسية وأخذ الرهائن والإعدام دون محاكمة.
– اتفاقية جنيف الرابعة (حماية المدنيين) تجرم الهجمات المتعمدة ضد المدنيين والأعيان المدنية وتحظر العقوبات الجماعية والترهيب.
– البروتوكول الإضافي الثاني (1977) يحظر الهجمات ضد المدنيين التجويع كأسلوب حرب والتهجير القسري.
– قاعدة حظر التجويع وردت في المادة 54 من البروتوكول الأول وتعتبر قاعدة عرفية واجبة التطبيق في جميع النزاعات.
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
– انتهكت المواد 3 (الحق في الحياة)، 5 (منع التعذيب)، 9 (منع الاعتقال التعسفي)، 13 (حرية التنقل)، و26 (الحق في التعليم).
- المحكمة الجنائية الدولية ونظام روما الأساسي (1998)
– الجرائم ضد الإنسانية (المادة 7) تشمل القتل والترحيل القسري والاغتصاب والتعذيب وغيرها معظم الانتهاكات في السودان ترتقي لهذا المستوى.
– جرائم الحرب (المادة 8) تجرم الاغتصاب والعنف الجنسي والهجمات على المدنيين والأعيان المدنية واستخدام التجويع كوسيلة حرب.
- اتفاقية منع الإبادة الجماعية (1948)
تعرَّف الإبادة الجماعية بأنها أفعال ترتكب بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية، نظراً للطابع الإثني للعنف في دارفور (استهداف جماعات غير عربية) هناك مخاوف جدية من ارتكاب أفعال ترقى لهذا المستوى.
- اتفاقية مناهضة التعذيب (1984)
تُجرّم التعذيب وتُلزم الدول بملاحقة مرتكبيه وتحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للتعذيب.
- اتفاقية وضع اللاجئين (1951)
يبرز مبدأ عدم الإعادة القسرية (المادة 33) كمبدأ آمر يمنع إعادة لاجئ إلى أراضٍ تهدد حياته أو حريته.
- اتفاقية حقوق الطفل (1989)
تحظر تجنيد الأطفال تحت سن 15 عاماً، بينما يرفع البروتوكول الاختياري (2000) السن إلى 18 عاماً ويحظر مشاركتهم المباشرة في القتال.
تحقيق العدالة في زمن الحرب.. عقبات وسبل
– تحقيق العدالة في ظل استمرار النزاع صعب، لكنه ليس مستحيلاً. السبل المتاحة إجراء تحقيق وطني نزيه وفعال عبر آلية مستقلة تتمتع بصلاحيات كاملة لمحاسبة المرتكبين.
– تفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية بقبول السودان بولايتها، أو بإحالة من مجلس الأمن.
– بعثات تقصي الحقائق الدولية لتوثيق الانتهاكات وإحالة النتائج للجهات القضائية.
– العدالة الانتقالية بعد الحرب تجمع بين المحاسبة الجنائية، كشف الحقيقة، التعويضات وضمان عدم التكرار.
– المقاومة السلمية وتوحيد الصف ووحدة الشعب السوداني وتضامنه هما الضمانة الحقيقية.
أول شروط للعدالة هو السلام
لا يمكن فصل العدالة عن السلام العادل والشامل. فالوقف الفوري والدائم لإطلاق النار والمفاوضات بحسن نية هما الخطوة الأولى. السلام لا يعني فقط وقف القتال بل بناء دولة المؤسسات والقانون التي تحترم حقوق الإنسان وتصون الكرامة وتضع حداً للإفلات من العقاب.
ثلاث سنوات من القتل والدمار والاغتصاب والتجويع والنزوح انتهكت فيها جميع الأطراف أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني، لكن صمود الشعب السوداني وتشبثه بحقه في العدالة هو الضمان بأن النور سينتصر على الظلام.
لقد حان وقت تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته لوقف الحرب وحماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الجرائم الدولية، فإن الصمت والتقاعس تواطؤ في استمرار المأساة.
الوقوف مع السودان في محنته واجب إنساني وأخلاقي وديني، فلنتحد جميعاً لنصرة المظلومين، ولنرفع أصواتنا مطالبة بوقف الحرب وتحقيق العدالة عسى أن تشرق شمس السلام والحرية والكرامة على ربوع السودان الحبيب.