الدفاع عن الحقوق والحريات في مواجهة الأنظمة القمعية

الدفاع عن الحقوق والحريات في مواجهة الأنظمة القمعية
إرث المحامين السودانيين بين حماية الحقوق وسيف الاتهام

شيماء تاج السر، المحامية

في بلد مزّقته الحرب وأدمته الانقلابات ظلّ المحامون السودانيون حرّاساً للعدالة، وصوتاً لا يسكت في وجه الظلم. فمنذ فجر الاستقلال ارتبطت مهنة المحاماة في السودان بالدفاع عن الحقوق والحريات ومواجهة الأنظمة القمعية أينما كانت. لقد حمل المحامون على عاتقهم رسالة سامية أرست أن القانون هو الضمانة الوحيدة لحماية الضعفاء، وأن الكلمة الحقّ تصمد حتى أمام الرصاص.
لكن الحرب الدائرة الآن بين الجيش وقوات الدعم السريع حوّلت هذه الرسالة إلى جحيم، حيث بات المحامون في مرمى نيران الطرفين. فبين قتيل وأسير ومعذّب تتصاعد موجة جديدة من التهم الجزافية تهدف إلى إسكات الصوت الحقوقي وإفراغ ساحة العدالة.

 

إرث نضالي لا ينطفئ
المحاماة مهنة لا تخضع للسلطان

في السودان لم تكن مهنة المحاماة مجرد وسيلة لكسب العيش، بل كانت وما تزال رسالة وطنية بامتياز. فمنذ تأسيس نقابة المحامين السودانيين عام 1956 وقف المحامون في صفوف المقدمة دفاعاً عن الحريات العامة وحقوق الإنسان متحدّين كل أشكال القمع والاستبداد. لم تكن المنصة التي يدافعون عنها مجرد قاعات محاكم، بل كانت ساحات مفتوحة للعدالة الاجتماعية والسياسية.
شكّل المحامون السودانيون عموداً فقرياً في كل حركات التغيير التي شهدها السودان، بدءاً من مقاومة الديكتاتوريات العسكرية، وصولاً إلى ثورة ديسمبر المجيدة التي أطاحت بنظام عمر البشير. وقد جسّدوا في مسيرتهم الطويلة معادلة صعبة: أن تكون مدافعاً عن الحقوق يعني أن تكون في مواجهة دائمة مع السلطة. لقد آمنوا بأن المحامي هو ضلع من أضلاع النظام القانوني؛ يقوم بمساعدة العدالة عن طريق تقديم المشورة القانونية للأفراد، والتمثيل الإجرائي للمتقاضين، والدفاع عن حقوقهم وحرياتهم أمام المحاكم. لكن هذا الإيمان جعلهم في صراع دائم مع كل من يحاول النيل من تلك الحقوق.

 

المحامون في مرمى النيران: إرهاب ممنهج وإسكات للحق

مع اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وجد المحامون السودانيون أنفسهم في بؤرة الاستهداف المباشر من قبل طرفي النزاع. لقد حوّلت هذه الحرب البلاد إلى ساحة نزاع دموي. لكن الأسوأ كان تحويل العدالة نفسها إلى سلاح يستهدف من يؤمن بها ويعمل لأجلها.

 

القتل والاعتقالات والتعذيب إرهاب يعيد إنتاج نفسه

لم تسلم أرواح المحامين من لعنة هذه الحرب. فقد أعلنت الجبهة الديمقراطية للمحامين السودانيين عن مقتل عدد من المحامين خلال المعارك منهم سارة عادل سنادة ومحمد بشير عبد القادر، كما تم استهداف ثلاثة من هيئة محامي دارفور بالقتل أيضاً، وهذا على سبيل المثال. كما تم فقدان عدد من المحامين أو ربما إخفاؤهم قسرياً، منهم علي حسين وأزهري عثمان بابكر وخالد أبو الروس. فالقتل لم يكن النهاية بل كانت البداية لموجة عاتية من الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب.
في مشهد مأساوي آخر تعرّض المحامي والناشط الحقوقي عبد الحفيظ أحمد داوود جمعة لخمس عمليات اعتقال تعسفية متكررة على أيدي قوات الدعم السريع خلال عام 2024 وحده، تعرّض خلالها للإخفاء القسري والتعذيب الوحشي الذي شمل الضرب بالعصي وتهديدات بالقتل وحرق جسده بالماء الساخن وحتى انتزاع أظافره.
وصل الأمر إلى حد إصدار أحكام بالإعدام بحق بعض المحامين. ففي 5 أكتوبر 2025 صدر حكم بالإعدام شنقاً بحق المحامي أبوبكر منصور محمد حمزة بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، رغم أن الأدلة التي قُدّمت في محاكمته أثبتت عكس ذلك تماماً. بل إن محامي الدفاع عنه أبوبكر الماحي لم يسلم من الاعتقال هو الآخر. هذه ليست مجرد حالات فردية بل هي نمط واضح من الاستهداف الممنهج الذي يطول كل من يجرؤ على الدفاع عن الحقوق في هذا البلد.

 

استهداف المؤسسات العدلية.. طمس للعدالة ذاتها

لم يقتصر الاستهداف على الأشخاص بل تعداه إلى حجر الزاوية في النظام القضائي بأكمله. فقد رصد محامو الطوارئ قصف ونهب وتدمير ثمانٍ من المنشآت العدلية والقضائية الكبرى، من بينها رئاسة السلطة القضائية ومجمع محاكم دار السلام ومحكمة جنايات أمبدة وحتى محكمة أم درمان.
وصفت مجموعة محامي الطوارئ هذا الاستهداف بأنه نهج منظم لتضييع حقوق المواطنين وطمس وتغيير البينات ما قد يؤخر تطبيق العدالة مستقبلاً. إنها رسالة واضحة: من يريد أن يحطّم إرادة شعب فعليه أولاً أن يحطّم أدوات عدالته.

 

سلاح جديد: التهم الجزافية والجرائم الموجهة ضد الدولة

في تطور خطير يعكس تحولاً في آليات القمع ظهرت ظاهرة جديدة تتمثل في توجيه تهم جزافية للمحامين أثناء تأدية واجبهم المهني والأخلاقي. فلم يعد الأمر مقتصراً على العنف الجسدي بل تعداه إلى تشويه صورة المحامي قانونياً وأخلاقياً.

 

المواد 50 و51 ذريعة لتصفية الحسابات

تُستخدم المواد (50 و51) من قانون العقوبات السوداني لعام 1991 والتي تُصنف كجرائم “تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة” كذريعة لتوجيه اتهامات تعسفية للمحامين بزعم التعاون مع قوات الدعم السريع. وفي هذا السياق تستغل السلطات هذه المزاعم لتبرير الاستهداف التعسفي للمحامين مدعية أنهم متعاونون، بينما الهدف الحقيقي هو الحد من حرية المحامين وعرقلة دورهم القانوني. واستخدمت نفس هذه المواد في توجيه الاتهام للمحامي منتصر عبدالله في قضية قيادات القوى المدنية والمحامية رحاب مبارك سيد أحمد مؤخراً.
وصل الأمر إلى حد فتح بلاغات ملفقة ضد المحامية نصرة أبكر إبراهيم بموجب المواد (103 و115) من القانون الجنائي المتعلقة بتهديد الموظف العام والتأثير على سير العدالة، فقط لأنها حضرت قاعة المحكمة مع زملائها.

إيقاف 31 محامياً بحجة تطهير الساحة الحقوقية

في خطوة غير مسبوقة أصدرت نقابة المحامين السودانيين ببورتسودان، وهي نقابة غير شرعية بأمر الثورة وبقرار من لجنة إزالة التمكين، قراراً بسحب تراخيص مزاولة مهنة المحاماة من 31 محامياً ومحامية معظمهم من الداعين للحكم المدني والمطالبين بالتحقيق في الجرائم المرتكبة خلال حكم النظام السابق.
إن هذا القرار يمثل حلقة جديدة في مساعٍ تقودها قيادات في الجيش وتنظيم الإخوان المسلمين لإخلاء الساحة العدلية من الأصوات الحقوقية تمهيداً لتعطيل مسارات العدالة ومنع فتح ملفات جرائم كبرى. فغالبية المحامين الذين استُهدفوا ينشطون في قضايا حقوق الإنسان والدفاع عن ضحايا الانتهاكات، وهذا يشير إلى أن هذه الخطوة تهدف إلى تجفيف مجموعات المحامين الذين يدعون للمحاسبة والتوثيق والمناصرة.

آليات الحماية بين النص والتطبيق
القانون الوطني السوداني نصوص على الورق فقط

ينص قانون المحاماة السوداني لعام 1983 وتعديلاته على مجموعة من الضمانات للمحامين، أبرزها الحق في ممارسة المهنة بحرية واستقلالية وعدم جواز مساءلتهم إلا من خلال المجلس المختص. كما تُلزم لائحة آداب مهنة المحاماة المحامي بالدفاع عن استقلال السلطة القضائية ورفعة منزلتها وحماية دورها.
لكن الواقع المؤلم يؤكد أن هذه النصوص تبقى حبراً على ورق في ظل غياب الإرادة السياسية لحمايتها. فالقرارات الصادرة ضد المحامين تتم من قبل جهات غير مختصة قانونياً، وغالباً ما يتم حل وتجميد مجالس نقابة المحامين المنتخبة وتعيين مجالس مؤقتة تابعة للسلطة التنفيذية.

القانون الدولي.. التزامات مُعلّقة

على الصعيد الدولي يلتزم السودان بموجب العديد من الصكوك الدولية التي تكفل حماية المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وفي مقدمتها المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين (هافانا 1990)، والتي تؤكد حق كل شخص في طلب المساعدة من محامٍ يدافع عنه، وتلزم الحكومات بتوفير إجراءات فعالة لضمان قدرة المحامين على أداء واجباتهم دون تخويف أو عرقلة أو مضايقة.
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) والذي يضمن حق كل إنسان في الحياة وعدم حرمانه منها تعسفاً (المادة 6)، وحقه في الحرية والأمان وعدم تعرضه للاعتقال أو الاحتجاز التعسفي (المادة 9).
الإعلان المتعلق بالمدافعين عن حقوق الإنسان (1998) الذي يُلزم الدول بـ”احترام المدافعين عن حقوق الإنسان على أساس غير تمييزي، وحمايتهم من أي إجراء تعسفي يهددهم وضمان وصولهم إلى سبل الانتصاف الفعالة في حالة تعرضهم لانتهاكات”.

القانون الدولي الإنساني حماية إضافية في زمن الحرب

في سياق النزاعات المسلحة يوفر القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاها الإضافيان) حماية خاصة للمدنيين، بمن فيهم المحامون والمدافعون عن حقوق الإنسان. ويفرض القانون على أطراف النزاع التزامات صارمة بحماية المدنيين والمنشآت المدنية بما فيها المؤسسات القضائية.
لكن اللافت أن السودان لم يصادق على البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني الملحقين باتفاقيات جنيف، مما يخلق ثغرة قانونية خطيرة في حماية المدنيين والمحامين أثناء النزاعات المسلحة غير الدولية.

نحو آليات حماية فعالة ماذا يجب أن يحدث؟

على الصعيد الوطني
إلغاء جميع القرارات الصادرة ضد المحامين، خاصة قرار إيقاف الـ31 محامياً، وإعادة النظر في التعديلات المقترحة على قانون المحاماة، تفعيل مجلس الشكاوى المستقل وفقاً للقانون، وضمان عدم تدخل السلطة التنفيذية في شؤون النقابة، إطلاق سراح جميع المحامين المعتقلين تعسفاً، وإلغاء جميع الأحكام الصادرة بحقهم وخاصة أحكام الإعدام.

على الصعيد الدولي
تفعيل آليات المقرر الخاص المعني بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، تقديم شكاوى عاجلة بشأن انتهاكات المحامين في السودان، مطالبة المجتمع الدولي (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، جامعة الدول العربية) بإرسال بعثات تحقيق مستقلة لتوثيق انتهاكات المحامين، إدانة دولية واضحة لاستهداف المحامين والمنشآت القضائية، وربط أي مساعدات إنسانية أو سياسية بالسودان باحترام حقوق المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

إن إرث المحامين السودانيين ليس مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل هو دماء تُسفك وأرواح تُزهق وكرامات تُنتَهك في كل يوم. إن استهدافهم اليوم هو استهداف لرسالة العدالة ذاتها، وهو محاولة يائسة لإسكات صوت الحق في بلد أنهكته الحروب والانقلابات.
من القتل والاعتقال إلى التلفيق والتشويه يظل المحامون السودانيون صامدين، حاملين راية الحق رغم كل الصعاب. إن حمايتهم ليست ترفاً حقوقياً بل واجب أخلاقي وقانوني يقع على عاتق المجتمع الدولي بأكمله. فكما قالوا عبر الأزل إذا أردت أن تعرف مدى حضارة أمة فانظر كيف تعامل محاميها وقضاتها. وفي السودان اليوم، تُختبَر إنسانية العالم كلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *