تقرير أممي: “حرب السودان- الثمن الذي تدفعه الأمة”
ثلاث سنوات من الدمار تدفع 6.9 ملايين إلى الفقر المدقع
تقرير: (ديسمبر)
نيويورك: (ديسمبر)
في 15 أبريل، أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومعهد الدراسات الأمنية تقريراً بعنوان “حرب السودان: الثمن الذي تدفعه الأمة”، كشف التكلفة البشرية والاقتصادية الباهظة للحرب الأهلية في السودان بعد ثلاث سنوات من القتال. رسم التقرير ثلاثة سيناريوهات مستقبلية تتراوح بين كارثة شاملة، ونهضة مشروطة بسلام، وتحول جذري.
وقال التقرير إن السودان كان يُعدّ بالفعل من أكثر الدول هشاشة في العالم قبل اندلاع النزاع في أبريل 2023. لكن الإحصاءات اليوم باتت أشد وقعاً على النفس: يضيف كل رقم حياة بشرية أخرى فُقدت، وأسرة أخرى شُرّدت، وطفلاً آخر حُرم من التعليم، ومجتمعاً آخر ينوح على أحبّائه أو ينزلق إلى الفقر.
6.9 ملايين في فقر مدقع خلال عام واحد
دفع القتال المباشر نحو 6.9 ملايين سوداني إلى الفقر المدقع في عام 2023 وحده. وانخفض نصيب الفرد من الدخل إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ عام 1992. وبات الفقر المدقع الآن أسوأ مما كان عليه في أي وقت من ثمانينيات القرن العشرين.
حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً – تحقيق السلام في عام 2026 – سيظل السودان يعاني من خسارة تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 18.8 مليار دولار بحلول عام 2043، أي ما يعادل 752 دولاراً للفرد الواحد. الحرب لم تقتصر على إزهاق الأرواح وتدمير سبل العيش، بل تهدد بابتلاع مستقبل البلاد بالكامل.
كارثة صحية وجيل يضيع
بعض الناس لن يروا ذلك المستقبل. مع إغلاق أكثر من 70% من مرافق الرعاية الصحية في مناطق النزاع، بلغ معدل وفيات الرضع بالفعل 44.5 وفاة لكل ألف ولادة، ومن المتوقع أن يرتفع أكثر قبل أن يصبح التعافي ممكناً. لقد شهد السودان تفشي الكوليرا وارتفاع أمراض مثل فيروس نقص المناعة البشرية والسل.
قطاع التعليم
بعض الناس لن يكونوا مستعدين تماماً لتحديات المستقبل. فالكارثة في قطاع التعليم لا تقل فداحة. حوالي 19 مليون طفل في سن الدراسة قد انقطع تعليمهم، وهو “جرح ديموغرافي”، بحسب التعبير الوارد في التقرير، سيؤثر على القوى العاملة السودانية وصحتها وحياتها المدنية لعقود قادمة. لقد أُحرقت الجامعات ونهبت، وتُركت برامج التدريب والتلمذة الصناعية، ليخسر الملايين سنوات من الخبرة العملية بينما تنتظر البلاد السلام.
ثلاثة سيناريوهات للمستقبل
لا يقدم التقرير مجرد لمحة عن الحاضر، بل يصوغ ثلاثة سيناريوهات مستقبلية:
السيناريو الأول (استمرار الصراع حتى 2030): إذا استمر القتال حتى عام 2030، فإن الناتج المحلي الإجمالي الكلي للسودان في عام 2043 لن يتجاوز 23.1 مليار دولار، أي بخسارة قدرها 34.5 مليار دولار مقارنة بمسار بلا صراع. وسيقع 34 مليون شخص إضافي في براثن الفقر المدقع بحلول عام 2043.
السيناريو الثاني (السلام في 2026 دون تحول – “المسار الحالي”): حتى لو حل السلام في عام 2026، من دون تحول أوسع، فإن الآفاق تبقى مقلقة للغاية. إذ سينخفض الناتج المحلي الإجمالي للفرد إلى 1,941 دولاراً بحلول عام 2035 قبل أن يتعافى بشكل متواضع إلى 2,384 دولاراً بحلول عام 2043، وهو لا يزال أقل من مستويات عام 2023 وأدنى مما حققه السودان في تسعينيات القرن الماضي.
أما الفقر المدقع في هذا السيناريو فسيتفاقم ليصل إلى نحو 60% من السكان بحلول عام 2030، أي ما يقارب 34 مليون نسمة، ولن ينخفض إلا ببطء ليبلغ 38.8% بحلول عام 2043. وسيفشل السودان في تحقيق كل هدف رئيسي من أهداف التنمية المستدامة. أما العائد الديموغرافي الذي كان يمكن أن توفره الفئة الشابة من السكان فلن يتحقق حتى بحلول عام 2043.
السيناريو الثالث (“نهوض السودان – السلام والتحول الشامل): هذا هو السيناريو الطموح الذي يراهن التقرير على إمكانية تحقيقه، عندما يقترن السلام في عام 2026 بتحول منسق عبر قطاعات متعددة: الحوكمة، الصحة والصرف الصحي، التعليم، الزراعة، الصناعة، البنية التحتية، التجارة والمالية. والتوقعات في هذا السيناريو لافتة للنظر باعتبارها قياساً دقيقاً لما يمكن أن تتيحه موارد السودان.
في ظل سيناريو “نهوض السودان”، يصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 58.2 مليار دولار بحلول عام 2043 – أي بزيادة قدرها 19.3 مليار دولار عن المسار الحالي – مع ارتفاع متوسط دخل الفرد إلى 3,176 دولاراً. وسيتم انتشال نحو 17.3 مليون شخص إضافي من الفقر المدقع بحلول عام 2043. وسيبلغ متوسط النمو الاقتصادي 5.0% سنوياً، أي أكثر من ضعف معدل المسار الحالي البالغ 2.4%. كما سيرتفع متوسط العمر المتوقع بمقدار 4.2 سنوات إضافية ليصل إلى 77.3 سنة.
أصول هائلة في انتظار الاستثمار
يؤكد التقرير أن السودان يمتلك أصولاً هائلة لم تُستثمر بعد: 19.8 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، نهر النيل ومنفذ على البحر الأحمر. والسودان يملك كنزاً بشرياً يتمثل في شبابه، القادر على دفع عجلة النمو لعقود لو أتيحت له سبل التعليم والرعاية الصحية والفرص. وهذه الإمكانات تنتظر فقط من يطلق طاقتها.
الزراعة والحوكمة.. مفتاح النهضة
وتأتي أكبر المكاسب من قطاعين اثنين: الزراعة، التي يمكن أن تنتشل 4.7 مليون شخص من الفقر، وإصلاح الحوكمة، الذي يمكن أن يرفع 4.8 مليون شخص. وهما قطاعان متكاملان: فالحوكمة المستقرة توفر بيئة للاستثمار الزراعي، والأراضي الأكثر إنتاجية تولد قاعدة إيرادات تتيح للحوكمة أن تتحسن.
يخلص التقرير إلى أن الحرب لم تقتصر على إزهاق الأرواح وتدمير سبل العيش، بل تهدد بابتلاع مستقبل السودان بالكامل. لكنه يطرح تحدياً واضحاً: إلى أين نمضي من هنا؟ وماذا يمكن فعله الآن لتقليل المعاناة؟ وهل نحن مستعدون للسلام حين يأتي أخيراً؟
ولا يقتصر التقرير على التشخيص، بل يحدد مجالات ملموسة يمكن أن يؤدي فيها العمل المنسق بين حكومة السودان المستقبلية والجهات المانحة الدولية والمجتمع الإنساني إلى تحقيق سيناريو “نهوض السودان”، محذراً من أن كل سنة إضافية من الحرب تعني المزيد من الأرواح التي تُزهق، والمزيد من المستقبل الذي يُسرق.