تقرير: إيمان فضل السيد
الحرب وإعادة تشكيل المجال العام
طوال أكثر من ثلاثة أعوام، بدا أن الحرب السودانية تعيد تشكيل المجال السياسي والأخلاقي بالكامل، وليس فقط إنتاج معسكرات عسكرية متصارعة. إلى الحد الذي تحولت فيه حالة الانقسام في المجتمع السوداني من مجرد انقسام سياسي أو عسكري إلى انقسام أخلاقي كامل. ومع اتساع دائرة العنف والانهيار، انقسم السودانيون إلى هويات سياسية مغلقة: وطنيون وخونة، مؤيدون للحرب أو متواطئون معها ورافضون لها، أبرياء ومدانون.
وفي ظل هذا الاستقطاب الحاد، تقلصت المساحات الرمادية، وصار مجرد الاختلاف كافيًا لإطلاق الاتهامات، وأصبح المجال العام ساحة لتبادل الإدانة ونزع الشرعية الأخلاقية عن الخصوم.
مؤتمر نيروبي ومحاولة كسر الاصطفاف
في هذا السياق، بدا الخطاب الذي خرج من الجلسة الختامية لمؤتمر نيروبي لقوى إعلان المبادئ السوداني، الذي انعقد السبت الماضي بالعاصمة الكينية، مختلفًا عن كثير من الخطابات السياسية التي هيمنت على المشهد السوداني منذ اندلاع الحرب. فالمؤتمر، الذي افتتح أعماله الجمعة وضم طيفًا من القوى السياسية والمدنية، بدا وكأنه محاولة لإعادة تعريف السياسة بعد أن ابتلعها منطق الاصطفاف الكامل، أو ربما مراجعة لهذا المنطق نفسه، لا مجرد دعوة لوقف الحرب.
وربما جاءت العبارة الأكثر دلالة على هذا التحول في حديث الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، علي الريح السنهوري، حين قال:
“إذا فكرنا أننا نستطيع فرض سيطرتنا لأننا نرى أنفسنا مبرئين لوقوفنا ضد الحرب، والآخرين مدانين، فإن ذلك سيقودنا إلى مزيد من التفتيت”.
هذه العبارة ربما كانت التعبير الأكثر وضوحًا عن تحول سياسي جديد داخل بعض القوى المدنية السودانية. فهي ليست مجرد دعوة إلى التسامح السياسي، بقدر ما تمثل مراجعة ضمنية للخطاب الذي حكم المجال العام السوداني طوال سنوات الحرب، والقائم على احتكار الوطنية وتوزيع شهادات البراءة والإدانة. فالسنهوري هنا لا ينتقد فقط منطق الحرب، بل يحذر أيضًا من أن يتحول “التفوق الأخلاقي” إلى أداة جديدة للهيمنة السياسية والإقصاء.
من “البراءة السياسية” إلى “الخوف على الدولة”
لكن خطاب نيروبي حمل إشارات مختلفة. ففي البيان الختامي، تحدث المجتمعون عن “بيت مفتوح لكل من يؤمن بالسودان وطنًا جديدًا موحدًا للجميع”، ودعوا إلى “مسار موحد يجمع الإرادات ويوحد الجهود لوقف الحرب”، كما شددوا على أن “صوت الجماهير الرافض للحرب هو السلاح الحقيقي في بناء حركة السلام السوداني”.
هذه اللغة بدت بعيدة عن مفردات الغلبة والإقصاء التي سيطرت على المشهد خلال العامين الماضيين، وأقرب إلى محاولة لإنتاج مساحة سياسية جديدة تقوم على الاحتواء بدل التخوين، وعلى فكرة “النجاة الوطنية” بدل الحسم الكامل.
ولم يكن ذلك منفصلًا عن التحولات التي فرضتها الحرب نفسها. فمع دخول الصراع عامه الرابع، لم تعد الأسئلة المطروحة داخل السودان تتعلق فقط بمن ينتصر، بل بما إذا كان السودان نفسه قادرًا على البقاء موحدًا بعد كل هذا التشظي والانهيار. فالحرب الطويلة لم تستنزف الأطراف العسكرية وحدها، بل استنزفت أيضًا المجتمع، ودفعت قطاعات واسعة من السودانيين إلى حالة من الإنهاك السياسي والنفسي، بعد سنوات من التعبئة المستمرة والخطابات الصفرية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم حديث السنهوري حين قال إن “المطلب الأساسي ليس العودة إلى نظام اشتراكي أو رأسمالي، إنما البقاء على قيد الحياة”. فالجملة تعكس تحولًا لافتًا في أولويات الخطاب السياسي: من الصراع حول شكل السلطة إلى الخوف على بقاء الدولة نفسها.
لا أحد ينتصر فوق أنقاض الوطن
الفكرة ذاتها حضرت أيضًا في خطاب رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، الذي وصف اجتماع نيروبي بأنه خطوة نحو “توحيد الصوت المدني”، مؤكدًا أن المشاركين “ليسوا ناديًا مغلقًا”، وأنهم يسعون إلى التواصل مع القوى السياسية والمدنية المختلفة “من أجل إنهاء الحرب والمحافظة على وحدة الوطن”.
وقال الدقير أنْ “لا أحد سينتصر بالسلاح فوق أنقاض الوطن”، معتبرًا أن “الحل السياسي التوافقي هو المخرج الوحيد”.
وتعكس هذه اللغة تراجعًا واضحًا لفكرة “الحسم الكامل” التي سيطرت على الخطابات السياسية في بداية الحرب، حين كان كل معسكر يراهن على إمكانية إقصاء الآخر نهائيًا. أما الآن، وبعد ثلاث سنوات من القتال والانهيار، فيبدو أن قطاعات من القوى المدنية بدأت تتحدث بلغة مختلفة، تنطلق من إدراك متزايد بأن استمرار الحرب لا يهدد فقط الأطراف المتحاربة، بل يشكل تهديدًا وجوديًا لفكرة الدولة السودانية نفسها.
أزمة تأسيس لا مجرد صراع عسكري
غير أن التحول الأبرز في خطاب مؤتمر نيروبي ربما تمثل في محاولة نقل النقاش من كون الحرب صراعًا عسكريًا بين الجيش والدعم السريع، إلى وصف أدقة بأنها أزمة تاريخية أعمق تتعلق ببنية الدولة السودانية نفسها.
وقد ظهر ذلك بوضوح في حديث رئيس حركة جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، (الحركة العسكرية الوحيدة التي لم تصطف كطرف مقاتل في سياق الصراع) الذي قال: “إن الحرب ليست بين الدعم السريع والجيش، بل هي أزمة ممتدة عمرها أكثر من خمسين عامًا”.
وأضاف إن أي حلول لا تعالج جذور الأزمة ستكون “مجرد مسكِّنات”، داعيًا إلى بناء “دولة المواطنة المتساوية”.
ويكشف هذا الطرح عن محاولة لإعادة تعريف الأزمة السودانية باعتبارها أزمة تأسيس تاريخي، لا مجرد صراع عسكري طارئ. وهو ما يفسر أيضًا تركيز البيان الختامي على الحديث عن “الوطن الجديد”، و”الحرية والسلام والعدالة”، واستدعاء شعارات ثورة ديسمبر باعتبارها مرجعية رمزية لمستقبل مختلف.
أزمة الثقة وحدود الخطاب المدني
لكن، وعلى الرغم من هذه اللغة الجديدة، لا يبدو الطريق نحو بناء “مساحة سياسية ثالثة” مفروشًا بسهولة. فالحرب أنتجت إنهاكًا عامًا، وعمّقت كذلك مستويات غير مسبوقة من الغضب والكراهية وفقدان الثقة.
ولا تزال قطاعات واسعة من السودانيين ترى أن أي حديث عن “التوافق” أو “الجبهة المفتوحة” يمثل نوعًا من المساواة الأخلاقية بين الضحية والجلاد، أو محاولة لتجاوز مسؤوليات الحرب وجرائمها.
كما أن الخطاب المدني نفسه يواجه أزمة ثقة متراكمة منذ سنوات، وسط شكوك حول قدرة القوى السياسية التقليدية على إنتاج حلول فعلية، أو استعادة التأثير داخل مشهد باتت تتحكم فيه الوقائع العسكرية أكثر من المبادرات السياسية.
النجاة المشتركة بدل الانتصار الكامل
ومع ذلك، فإن ما كشفه مؤتمر نيروبي يتجاوز حدود الوثائق والبيانات السياسية. فالأهم ربما هو ظهور محاولة واضحة داخل بعض القوى المدنية لمراجعة اللغة التي أُدير بها المجال السياسي منذ اندلاع الحرب؛ لغة تقوم على الإدانة والإقصاء والاصطفاف الحاد، مقابل محاولة للحديث عن التعايش والتوافق والنجاة المشتركة.
وربما لا يكون المؤتمر قد غيّر موازين الحرب على الأرض، لكنه كشف، على الأقل، عن بداية تحول في طريقة تفكير بعض النخب السياسية السودانية؛ تحول يقوم على إدراك متزايد بأن استمرار البحث عن “انتصار كامل” قد لا يقود إلا إلى خسارة جماعية.
ويبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه المراجعة قد جاءت في الوقت المناسب لإنقاذ المجال السياسي السوداني من الانهيار الكامل؟، أم أنها جاءت متأخرة، بعد أن أصبحت الحرب نفسها هي اللغة الوحيدة القادرة على تنظيم المجال العام وإعادة تشكيله؟.
وربما لا يكون مؤتمر نيروبي قد نجح بعد في تغيير موازين الحرب، لكنه كشف عن شيء آخر أكثر أهمية: بداية مراجعة داخل بعض القوى السياسية السودانية للغة الاستقطاب نفسها، ومحاولة البحث عن سياسة تقوم على النجاة المشتركة لا الانتصار الكامل.
غير أن السؤال الذي سيظل مفتوحًا هو ما إذا كانت هذه المراجعة قد جاءت مبكرًا بما يكفي لإنقاذ المجال السياسي السوداني؟، أم متأخرة بعد أن أصبحت الحرب نفسها هي اللغة الوحيدة المفهومة؟.