كيف تسترت حكومة (كامل) على جريمة سيف الدولة كوكو؟

كيف تسترت حكومة (كامل) على جريمة سيف الدولة كوكو؟

سيف الدولة إلى بريطانيا بدلاً عن المحكمة

تقرير: (ديسمبر)

القرار الذي أصدره رئيس الوزراء المعين كامل إدريس الطيب وقضى بإعفاء المفوض العام للجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي يمثل جريمة مكتملة الأركان؛ جريمة تستر على فساد والسماح لأحد المسئولين في الدولة بالهروب والإفلات من المثول أمام القضاء. فوفقاً للمستندات الصادرة عن المراجع القومي في عام 2024 وما صدر عن مراجعة عام 2025، وإفادات موظفين في الصندوق الاستثماري للضمان الاجتماعي، فإن أبسط ما يقال عن سيف الدولة سعيد كوكو إنه دمر مركز الجهاز الاستثماري المالي وأهدر أمواله بسبب الفساد. وإلى جانب إهداره مال صندوق الضمان الاجتماعي تورط الصندوق جراء إدارة سيف الدولة في صفقات خاسرة وشراء أسهم في شركات محلية وتركية، كما دخل في استثمارات مع شركات تعمل في مجال تعدين الذهب، وشركات نشطت في شراء النفط الخام من جنوب السودان، إضافة إلى مخالفات إدارية تستوجب المحاسبة قبل الإقالة، وسنعرض مخالفة كامل إدريس التي وقع فيها، وكل ذلك بالأدلة في هذه المساحة.

 

تقرير جديد.. مخالفات جديدة

 

بعد صدور قرار إعفاء سيف الدولة سعيد كوكو، سألنا عن السبب وراء القرار، فأفادت المصادر من داخل الصندوق أن تقرير المراجع لهذا العام جاء مليئاً بالمخالفات، وهي مخالفات بحسب المصادر تستوجب التوجه إلى نيابة المال العام. هذا القرار كان من المنتظر أن يتخذه رئيس الوزراء المعين كامل إدريس، إلا أنه آثر إغلاق الملف بإعفاء سيف الدولة. كما أن سيف دخل في استثمارات جديدة بحسب المصادر تتعلق بشراء النفط الخام الذي تم تفريغه من الأنابيب الناقلة لنفط جنوب السودان الذي توقف تصديره بسبب الحرب، ففي عقد واحد اشترى الصندوق (300) ألف طن من خام النفط في محاولة بيعه وتسويقه إلى شركة مصنع سكر كنانة ومصنع سكر النيل الأبيض. كما قام بتمويل أصحاب شركات صغيرة نشطوا في شراء خام جنوب السودان، لكن تعثرت شركات السكر في الدفع، وهناك من أقرضهم من أموال الصندوق. هذه القضية ستظل معلقة وربما تفتح باب صراع مع حكومة جنوب السودان، إلى جانب شراكات مع شركات تعدين لم تتخذ فيها ضوابط الشراء والتعاقد.

 

هل سيف كوكو معين؟

 

هذا السؤال يكشف بوضوح حجم الفساد في الدولة التي أعفت بكل سهولة سيف الدولة كوكو، لأن تعيين مفوض عام الجهاز الاستثماري لم يكتمل، ومع ذلك ظل يحصل على راتب وامتيازات يمكن وصفها بالضخمة. والأكثر من ذلك ما تنفذ فيه سيف الدولة، وتفاصيل وجوده في المنصب كالآتي. تقدم وزير التنمية الاجتماعية السابق، أحمد آدم بخيت، بتوصية لتعيين سيف الدولة سعيد كوكو في منصب المفوض، وكان ذلك في يوم 22 أكتوبر 2023 بعد قرار إعفاء المفوض العام الذي عينه دكتور عبد الله حمدوك، عبد اللطيف عثمان، وتكليف سيف الدولة بإدارة الجهاز بقرار من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان وبإيعاز من أحمد آدم نفسه، بحسب ما تردد وقتها. كان سيف الدولة مستشاراً للوزير، غير أن قرار تعيين سيف الدولة في منصب المفوض العام لم يكتمل، لأن المادة (34) من قانون التأمينات والمعاشات والخدمة العامة توجب أن يكون التعيين من مجلس الوزراء بعد توصية الوزير المختص، وهذا لم يحدث بسبب الانقلاب الذي وقع في 25 أكتوبر 2023. وهذا يعني أن سيف الدولة لم يعين في المنصب، إذ لا يمكن أن تعد التوصية من الوزير تعييناً، وهو من أصدر قرار إقالته كامل إدريس دون محاسبة.

 

بنك الادخار ومصرف المزارع

 

من الواضح اهتمام حركة العدل والمساواة بالسيطرة على الوزارات والهيئات الحكومية الاقتصادية منذ اتفاق جوبا للسلام. واتضح هذا الأمر بعد إعفاء سيف الدولة، والذي هو في ذات الوقت عضو مجلس إدارة بنك الادخار والذي يرأس مجلس إدارته وزير الرعاية الاجتماعية معتصم أحمد صالح، الذي أفادت المصادر أنه ينسق مع سيف الدولة، خاصة في تجارة الذهب والشراكات مع أصحاب مربعات الذهب.

بعد القرار وجدت محافظة بنك السودان آمنة ميرغني نفسها في وضع حرج وأنه لابد من إعفاء مجلس إدارة بنك الادخار بالكامل، وتعيين مدير جديد للبنك. لكن سنجد سيف الدولة، بحكم منصبه، رئيس مجلس إدارة مصرف المزارع التجاري، وهو المصرف الذي لم يسلم من مخالفاته وسوء إدارته. إذ أشارت المصادر إلى أن سحوبات مالية ضخمة تمت في المصرف منذ تعيين سعيد، وكانت هذه السحوبات سبباً في خروج المصرف من المقاصة أو كاد يعلن إفلاسه على حد قولهم، وتسبب الأمر في هزة إدارية فقد على إثرها عدد من الموظفين وظائفهم في المصرف.

طائرات مسيرة من أموال المعاشيين

 

من أكبر المخالفات التي عرضها تقرير المراجع القومي في 2024 صرف سيف الدولة سعيد، المفوض العام المكلف، مبالغ طائلة من أموال المعاشيين في تصنيع 22 طائرة مسيرة قتالية لصالح دعم حرب الكرامة والمجهود الحربي. لكن قبل أن نسترسل من الضروري التنويه إلى أن هذه المخالفة يتجلى فيها الاستهتار بأموال المعاشيين وتوجه المسئولين في الدولة لكسب رضا القيادة العسكرية التي تحكم الدولة منذ انقلاب 25 أكتوبر 2023.

بدأت المخالفة التي كشفها المراجع العام بالسؤال عن مبلغ ضخم تم خصمه من ميزانية الجهاز الاستثماري لصالح شراء أسهم في شركة “أوج الخضراء” ولم تسجل الأسهم باسم الجهاز. اكتشف أنها سجلت باسم عماد عبد الله، رئيس مجلس المفوضين، وأفاد الجهاز الاستثماري أنه اضطر إلى تسجيل الأسهم باسم الموظف المذكور لأن تسجيلها يتطلب تسجيل شركة باسم الجهاز الاستثماري. وهذا الإجراء يحتاج إلى وقت، ولأهمية الاستثمار في أسهم شركة “أوج الخضراء” جاء قرار تسجيلها باسم عماد عبد الله، وتحوطاً كتب عماد إقراراً بالتنازل عن الأسهم متى ما تم تسجيل شركة باسم الجهاز في تركيا، وهذا ما لم يحدث إلى اليوم.

جاء اختيار عماد عبد الله لأنه يحمل الجنسية التركية بجانب السودانية، وهذا القرار اتخذ من لجنة (الطوارئ) التي وافق على تكوينها مجلس المفوضين، وهي لجنة من أربعة أفراد هم رئيس مجلس المفوضين عماد عبد الله والمفوض العام سيف الدولة سعيد وعضو مجلس المفوضين بشارة سليمان ومحمد الحافظ عبد الرحمن، عضو المجلس وعضو لجنة الاستثمار. وسنتوقف عند المخالفات التي اعتورت إجراء شراء أسهم “أوج الخضراء”، ثم نورد موضوع المسيرات العسكرية.

تتمثل المخالفة الأساسية في شراء الأسهم أنها لم تتم بموافقة مجلس المفوضين، وهو بمثابة مجلس الإدارة، ولكن بموافقة لجنة الطوارئ المكونة من الأفراد الأربعة الذين ذكرناهم آنفاً، وفوض المجلس صلاحيته لها. والمخالفة الثانية وهي الأخطر تتمثل في تسجيل أسهم الجهاز الاستثماري باسم شخص فقط، لأن الجهاز لم يتبع الطرق السليمة في تسجيل شركة في تركيا وفقاً لقانون الاستثمار التركي، وبرر لذلك بأن الاستثمار ضروري تماشياً مع مرحلة الحرب، وهذا ما سنبينه لاحقاً، ووضع هذا الإجراء أموال السودان تحت رحمة المنازعة مع شخص حتى لو كتب إقراراً بإعادة الأسهم.

والمفارقة أن المفوض العام ارتكب سابقة إدارية تستوجب المحاسبة وهي تقليص مجلس المفوضين واكتفى بلجنة تتصرف كيف تشاء ولا يعلم أحد معايير التعيين فيها، ويكتفي مجلس المفوضين بالموافقة على قراراتها.

أشرنا إلى أن الجهاز أوضح في رده على أسباب المخالفات الإدارية في شراء أسهم “أوج الخضراء” التركية على أنها مهمة جداً ولا يريد أن يفقد هذه الأسهم. وأول هذه الاسباب أن الشركة هي استثمار سوداني- تركي بمعنى أن في مكونها رأسمال سوداني خاصاً دون أن يفصح الجهاز عن هوية السوداني الذي دفعهم لشراء الأسهم. والسبب الثاني أن “أوج الخضراء” شركة رائدة في صناعة المسيرات “الدرونز” على الرغم من أن الجهاز لم يطرح عطاءً وتأهيلاً للشركات في هذا المجال، وأشار إلى أنها تنتج مسيرات مهمة في مجال تطوير المشاريع الزراعية والمساهمة في النشاط المدني. لكن المفارقة أن الجهاز جاء وناقض نفسه في هذه النقطة عندما ذكر المبرر الثالث لمخالفة الإجراءات في شراء الأسهم والذي انحصر في أن البلاد تعيش حرب الكرامة وإسهاماً في دعم الجيش كان مضطراً للدخول في هذه الشراكة وقام فعلياً بتصنيع 22 مسيرة عسكرية كبيرة وعدد من المسيرات الأخرى من أموال المعاشيين. وبحسب المصادر لا يعلم أحد مصير هذه الأسهم ومن السوداني الذي كان وراء صفقة شراء الأسهم وتصنيع المسيرات الحربية، والأهم من ذلك لا أحد يعلم إن كان الجهاز الاستثماري تسلم المسيرات أم لا.

 

مليار دولار تحطم الصندوق

 

اعترف الجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي بفقدانه مبلغ (15,992,906,696) وهي (خمسة عشر مليار وتسعمائة واثنان تسعون مليونا وتسعمائة وستة آلاف وستمائة وستة وتسعون جنيهاً) من رأسماله التشغيلي، وتعادل حوالي (40) مليون دولار، وقال إنه استثمر هذه المبالغ في زيادة رأسمال شركات الجهاز والدخول في عمليات استثمارية وشركات، لكنها جميعاً لم تحقق عائداً بسبب الحرب. لكن مصادر عليمة قالت إن المبلغ المفقود من رأسمال الصندوق ومن أصوله منذ 2021، أو بالأحرى منذ تولي سيف الدولة إدارة الجهاز الاستثماري، يتجاوز (400) مليار جنيه سوداني، وهو ما يقارب مليار دولار عند إنفاق هذه الأموال.

وقال خبير اقتصادي إن تقرير المراجع العام كشف عن أن الحرب أحد أسباب فقدان رأسمال الجهاز الاستثماري وضياع أموال المعاشيين، لكن طريقة إدارة الاستثمار هي السبب الرئيسي في هدر رأسمال الجهاز وتحطيم مركزه الاقتصادي، إذ كشف المراجع العام عن شراكات بدون دراسة جدوى، وبعضها بدون عقود وبلا ضمانات، وعدد من الصفقات الخاسرة من بينها صفقة سماد اليوريا والداب مع شركات تتبع للبنك الزراعي والتي كانت خسارة الجهاز فيها 16 مليون دولار، وقد حصلت (ديسمبر) على قوائم الشركات المتعثرة. مع كل هذه الخسائر من المتوقع أن يغادر سيف الدولة سعيد كوكو إلى بريطانيا حيث تقيم أسرته بعد المكافأة التي قدمها له كامل إدريس بإعفائه من دون حساب.

هل ستتم محاسبة؟

 

طرحنا هذا السؤال على مصادرنا داخل صندوق الضمان كان ردهم واضحاً وقاطعاً، “لن تتم محاسبة سيف الدولة كوكو”. وأشار مصدر بأن سيف الدولة نجح في “جرجرة” قيادات في حركة العدل والمساواة للاستفادة من أموال الصندوق بطرق فاسدة، ومكنهم من المناصب الرئيسية في الصندوق، لذلك ستجد حركة العدل والمساواة ورئيسها جبريل إبراهيم أنفسهم مجبرين على حمايته من المحاسبة لحماية أنفسهم، بعد أن فشلوا في إبقائه بالمنصب. ويكفي أن نستعرض المناصب القيادية في صندوق الضمان الاجتماعي لتضح الصورة، وهم:

  • رئيس مجلس المفوضين عماد عبد الله: قيادي بالحركة، وكانت له استثمارات مشتركة مع قيادات عليا في الحركة، وهو من سجلت باسمه أسهم الصندوق في شركة “أوج الخضراء” التركية.
  • بشارة سليمان نور: مسؤول استثمار في الجهاز وفي الحركة، وابن خالة جبريل إبراهيم، وهو كادر إسلامي معروف، كان نائباً للمهندس محمد عبد العزيز في مركز تدريب وإعداد القيادات من الشباب والطلاب وفي شركة سيدكو التي كانت تستثمر أموال الحركة الطلابية للشباب الإسلاميين.
  • عبد العزيز نور عشر: الأخ غير الشقيق لوزير المالية جبريل إبراهيم، ومستشاره في حركة العدل والمساواة.
  • محمد الحافظ عبد الرحمن: مقرر مجلس المفوضين، قيادي بحركة العدل والمساواة.

كامل إدريس يستجيب

 

اتخذ رئيس الوزراء المعين كامل إدريس قرار إعفاء كوكو بعد ضغوط كبيرة منعته من تقديمه للمحاسبة. وبحسب قانونيين، فإن الإجراء الأسلم – وفق المخالفات التي اشتمل عليها تقرير المراجع العام في العام السابق والعام الحالي ومن المخالفات المرصودة من الأمن الاقتصادي- هو أن يسجل كامل بلاغاً في نيابة الأموال العامة، إلا أنه لم يستطع، واكتفى بإعفاء كوكو، بعد كل هذا الهدر للمال العام. ولو فعل إدريس ذلك لكان التفتيش والمحاكم ستطول إخوان سيف وشركاءه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *