عام على (ديسمبر): حين تصمد حرية الصحافة أمام حرب السرديات
محمد الأمين عبد النبي
منذ اندلاع الحرب في السودان، تحوّلت البلاد إلى ساحة مفتوحة للقبح والتوحش وتقاطع مصالح أمراء الحرب، الأمر الذي عمّق الأزمة الإنسانية وسرّع من وتيرة الانهيار. وفي قلب هذا المشهد، برز الإعلام كفاعل محوري في تشكيل السرديات، حيث تباينت الأدوار بين محاولات لكشف الحقائق وأخرى لتوجيه الرأي العام وفق أجندات الحرب، ما زاد من تعقيد فهم الواقع وإرباكه. فقد تموضع الإعلام في الصفوف الأمامية للصراع، إذ سعت الأطراف المتنازعة إلى السيطرة على معركة الإعلام.
أجهضت حرية الإعلام والصحافة من الرصاصة الأولى، وتحولت المعلومة من حق عام إلى مورد إستراتيجي تتنازعه الأطراف المتحاربة سعياً لاحتكاره أو توجيهه، وأصبح الإعلام ساحة مواجهة موازية تُستهدَف فيها الحقيقة بالتضليل والشائعات، ويُستهدف الصحفيون بالترهيب والملاحقة، وصولًا إلى الاعتقال أو التصفية، وتعرضت المعايير المهنية لضغوط تدفع نحو الاصطفاف أو الصمت. غير أن الصحافة الحرة ظلت رغم ذلك خط الدفاع الأول عن الوعي العام، توثِّق الانتهاكات وتنقل معاناة المدنيين وتكشف السرديات الزائفة.
وفي خضم هذا الواقع، برزت صحيفة (ديسمبر) كرافعة للوعي والتعبير عن تطلعات الشعب السوداني ومقاصد ثورته، في مواجهة الحرب ودعاتها وخطاب الكراهية وعسكرة الحياة. وقد سعت إلى سد فراغٍ واضح في نقل الحقائق وتحليل الأحداث، وإيصال صوت الرافضين للحرب، عبر إنتاج معرفي وثقافي يُحصّن السودانيين والسودانيات من خطر تسميم الفضاء العام.
وقد أسهمت الصحيفة في بلورة سردية إنسانية تُسلّط الضوء على الكلفة الكارثية للحرب ومآلاتها، بما أسهم في استعادة قدر من الثقة بين الجمهور ومصادر المعلومات. كما رسّخت (ديسمبر) موقعها في توثيق الأحداث وتقديم رواية مهنية رصينة، مستندة إلى معايير العمل الصحفي وقوالبه المختلفة، ومؤدية دوراً مهماً في تشكيل الرأي العام، لا سيما في ظل تراجع المعايير المهنية وضعف أدوات التحقق، وانتشار المعلومات غير الدقيقة، إلى جانب انحيازات وسائل الإعلام التقليدية وفوضى المحتوى الرقمي.
تبنّت (ديسمبر) سياسة تحريرية تقوم على الدقة ومجابهة التضليل والتشويه الإعلامي، بما يسهم في تقويض شرعية السرديات المعطوبة، ويعزّز من حضور الحقيقة، مع التمسك بأخلاقيات المهنة ودقة التحقق لحماية المجال العام من الانزلاق إلى فوضى الإدراك.
ومع تهاوي السرديات التي روّج لها صحفيو الحرب وانكشاف هشاشتها، تبدّلت الاصطفافات بسرعة لافتة، وتحول التماسك الظاهري إلى صراع مفتوح بين أطراف كانت تتبنى خطاباً مشتركاً. وقد اتجه بعضهم إلى إعادة تموضعه عبر التقرب من مراكز النفوذ، ومهاجمة شركاء الأمس، ونزع الشرعية عن سرديات كانوا جزءاً من صناعتها، بما يؤكد أن تلك الخطابات لم تكن قائمة على أسس مهنية راسخة، بل على توازنات ظرفية سرعان ما انهارت أمام الحقيقة.
بالتوازي، حافظت الصحافة المسؤولة على استقلاليتها ومهنيتها، ملتزمة بتفكيك خطاب الحرب وطرح أسئلة جوهرية حول شرعيتها وتداعياتها، مقدّمة محتوى يضع مصلحة المجتمع وحقه في المعرفة الدقيقة في المقام الأول.
خلال عام، استطاعت (ديسمبر) ترسيخ حضورها كمنصة صحفية جادة أسهمت في بناء وعي نقدي، من خلال تقديم تحليل متماسك يربط الوقائع بسياقاتها، ويميّز بين الخبر والدعاية. وبهذا الدور، لم تكتفِ بنقل الأحداث، وإنما أعادت الاعتبار للصحافة كسلطة رابعة مسؤولة، قادرة على مساءلة الخطاب السائد وكشف تناقضاته، في زمن تكاثر الزعازع وتناقض الأوتاد وخلط الحقائق.
التحية للقائمين على صحيفة (ديسمبر)، مع التمنيات بمزيد من التقدّم والنجاح.