رؤية في بدائل الانتخابات لتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي في السودان

ضرورات الشرعية السياسية وتعقيدات ما بعد الحرب

د.محمد الواثق الجريفاوي

 

مدخل: سؤال الشرعية في مرحلة ما بعد الحرب

في الدول الخارجة من الحروب، لا تكون الأسئلة الدستورية مجرد قضايا قانونية مجردة، بل تتحول إلى قضايا وجودية تتعلق ببقاء الدولة نفسها وإمكانية إعادة بناء الشرعية السياسية. والسودان اليوم يقف أمام هذا النوع من الأسئلة المعقدة، وفي مقدمتها: كيف يمكن تشكيل مجلس تشريعي انتقالي في ظل واقع أمني هش، وانقسام سياسي واسع، وتفكك مؤسساتي عميق، دون أن يتحول ذلك إلى مدخل لصراع جديد أو إعادة إنتاج الأزمة؟

أزمة المجلس التشريعي: أكثر من مجرد تأخير إجرائي

لقد أظهرت التجربة السودانية خلال السنوات الماضية أن قضية المجلس التشريعي لم تكن مجرد مسألة إجرائية مرتبطة بالتأخير في التشكيل، بل كانت انعكاساً لأزمة أعمق تتعلق بثلاث معضلات رئيسية: آلية الاختيار، ونموذج التشكيل، وحدود الصلاحيات.

وهي ذات المعضلات التي تواجه غالبية الدول الخارجة من النزاعات المسلحة، حيث يصبح الانتقال الديمقراطي محكوماً بتوازنات الواقع أكثر من خضوعه للنماذج النظرية التقليدية.

الانتخابات المبكرة: بين المثال الديمقراطي ومخاطر الواقع

وفي هذا السياق، تبدو الدعوات لإجراء انتخابات عامة سريعة عقب الحرب، رغم جاذبيتها السياسية، أقرب إلى الطرح المثالي غير القابل للتطبيق في الحالة السودانية الراهنة. فالانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد عملية تصويت، بل هي نتاج لبيئة مستقرة تتوافر فيها شروط الحد الأدنى من الأمن، وحرية التنظيم، وحياد المؤسسات، والثقة في قواعد العملية السياسية. وهي شروط ما تزال بعيدة عن التحقق بصورة كاملة في السودان.

دروس التجارب الدولية في الدول الخارجة من النزاعات

كما أن التجارب الدولية أثبتت أن الانتخابات المبكرة في البيئات المنقسمة قد تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الصراع بدلاً من إنهائه. ففي العراق بعد عام 2003، وفي ليبيا بعد 2011، أفضت الانتخابات التي جرت في ظل هشاشة الدولة والانقسام المسلح إلى تعميق الاستقطاب السياسي، وإضعاف فرص الاستقرار طويل المدى. وفي المقابل، نجحت تجارب أخرى، مثل تجربة جنوب إفريقيا، في بناء مؤسسات انتقالية قائمة على التوافق السياسي المرحلي قبل الانتقال الكامل إلى الشرعية الانتخابية.

الشرعية التوافقية كبديل مرحلي

من هنا تبرز أهمية التفكير في آليات بديلة أو انتقالية لتشكيل المجلس التشريعي السوداني، تقوم على مفهوم “الشرعية التوافقية المؤقتة”، باعتبارها صيغة استثنائية تبررها ضرورات منع انهيار الدولة وإدارة الانتقال السياسي بصورة متوازنة.

النموذج المختلط: الصيغة الأقرب للواقع السوداني

ويبدو أن النموذج الأنسب للحالة السودانية هو النموذج المختلط أو الهجين، الذي يجمع بين التعيين التوافقي والتمثيل النسبي المتوازن، مع منح المجلس صلاحيات انتقالية محدودة ومقيدة بمهام واضحة. فالتعيين التوافقي يسمح بإشراك القوى السياسية والحركات المسلحة والمجتمع المدني والأقاليم المختلفة، بما يحقق الحد الأدنى من الشمول السياسي، ويقلل احتمالات الإقصاء. وفي الوقت نفسه، فإن التمثيل النسبي يمنع احتكار السلطة من قبل طرف واحد، ويعكس التنوع الاجتماعي والسياسي الذي يتميز به السودان.

التمثيل النسبي.. أم المحاصصة السياسية؟

غير أن نجاح هذا النموذج يظل مرهوناً بعدم تحوله إلى مجرد محاصصة سياسية جامدة تعيد إنتاج الأزمة بصورة جديدة. فالتمييز ضروري هنا بين “التمثيل النسبي” باعتباره وسيلة لتحقيق التوازن الوطني، وبين “المحاصصة” التي تقوم على تقاسم النفوذ والمغانم بين القوى السياسية. ولهذا ينبغي أن تستند عملية الاختيار إلى معايير شفافة وواضحة، تراعي الكفاءة والتمثيل الجغرافي والاجتماعي، مع استبعاد كل من تورطوا في انتهاكات جسيمة أو جرائم حرب.

حدود الصلاحيات في المرحلة الانتقالية

وفي السياق السوداني تحديداً، فإن أي مجلس تشريعي انتقالي يجب ألا يُنظر إليه باعتباره برلماناً دائماً أو بديلاً عن الإرادة الشعبية، بل بوصفه مؤسسة انتقالية مؤقتة هدفها الأساسي إدارة مرحلة ما بعد الحرب، ودعم عملية السلام، ومراقبة الأداء التنفيذي، وتهيئة البلاد لانتخابات حرة في المستقبل. ولذلك فإن من الحكمة أن تُحدد صلاحياته بصورة دقيقة، بحيث تقتصر على التشريعات الانتقالية الضرورية، والرقابة على الحكومة، والمساهمة في بناء الإطار الدستوري للانتقال، دون التوسع في صلاحيات سياسية قد تحوله إلى ساحة جديدة للصراع بين القوى المتنافسة.

الضمانات المطلوبة لإنجاح المرحلة الانتقالية

كما أن نجاح هذا المسار يتطلب وجود ضمانات داخلية وخارجية تعزز الثقة في العملية الانتقالية، بما في ذلك إشراك مراقبين إقليميين ودوليين، وتوفير دعم فني وقانوني لعملية التشكيل، إضافة إلى عقد مؤتمر وطني تشاوري واسع يضع الأسس العامة للمرحلة الانتقالية ويحدد خارطة الطريق نحو الانتخابات النهائية والدستور الدائم.

 

مقترحات عملية لآلية تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي
نموذج مختلط يوازن بين الاستقرار والشرعية

ولكي لا يبقى الحديث عن المجلس التشريعي الانتقالي في إطار التصورات النظرية العامة، فإن الواقع السوداني يقتضي التفكير في آلية عملية وقابلة للتنفيذ، توازن بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات الشرعية السياسية. ويمكن أن تقوم هذه الآلية على نموذج مختلط يجمع بين التعيين التوافقي والتمثيل النسبي، بحيث يتم توزيع مقاعد المجلس بصورة تعكس التنوع السياسي والاجتماعي والجغرافي في السودان، مع مراعاة تمثيل النساء والشباب والأقاليم المتأثرة بالحرب.

لجنة وطنية مستقلة للإشراف على التشكيل

وقد يكون من المناسب أن يتم تشكيل لجنة وطنية مستقلة تضم شخصيات قانونية وقومية مشهوداً لها بالكفاءة والاستقلال، تتولى الإشراف على عملية الترشيح والاختيار وفق معايير معلنة وشفافة، بعيداً عن الهيمنة الحزبية أو الاعتبارات الجهوية الضيقة.

تمثيل شامل يمنع الاحتكار السياسي

كما ينبغي أن تُخصص نسب محددة للقوى السياسية، والحركات الموقعة على اتفاقات السلام، ومنظمات المجتمع المدني، والإدارات الأهلية، والمهنيين، بما يمنع احتكار المجلس من قبل أي طرف سياسي منفرد.

ميثاق انتقالي يحدد الصلاحيات والمدة

ومن الضروري كذلك أن يقترن تشكيل المجلس بميثاق سياسي انتقالي يحدد بوضوح صلاحياته ومدته الزمنية وآليات اتخاذ القرار داخله، مع النص على انتهاء ولايته فور قيام انتخابات عامة حرة وتشكيل مؤسسات دستورية منتخبة.

آليات توافقية لاتخاذ القرارات المصيرية

كما يمكن اعتماد نظام الأغلبية الموصوفة في القرارات المصيرية، بما يضمن التوافق الوطني ويحول دون استخدام الأغلبية العددية لفرض توجهات أحادية في مرحلة تتطلب أعلى درجات التوازن السياسي.

الضمانات الإقليمية والدولية لدعم الانتقال

وفي ظل هشاشة الوضع الأمني والمؤسسي، فإن نجاح هذه الآلية يتطلب أيضاً دعماً فنياً ورقابياً من المؤسسات الإقليمية والدولية، بما يعزز الثقة في العملية الانتقالية، ويمنح المجلس قدراً من الشرعية السياسية داخلياً وخارجياً، إلى حين الوصول إلى مرحلة الاستقرار الدستوري الكامل.

خاتمة: المجلس التشريعي كجسر نحو الدولة والاستقرار

إن جوهر الأزمة السودانية اليوم لا يكمن فقط في غياب المؤسسات، بل في غياب التوافق على كيفية بنائها وإدارتها. ولذلك فإن بناء مجلس تشريعي انتقالي عبر توافق سياسي، بتمثيل نسبي متوازن وصلاحيات محدودة، قد يكون الخيار الأكثر واقعية وعقلانية في هذه المرحلة الحساسة. فهو لا يمثل بديلاً دائماً للديمقراطية، وإنما جسراً ضرورياً للعبور من حالة الحرب والانقسام إلى حالة الاستقرار والدولة المدنية.

وفي النهاية، فإن نجاح أي صيغة انتقالية في السودان سيظل مرهوناً بقدرتها على تحقيق معادلة دقيقة بين الشرعية والاستقرار، وبين التمثيل السياسي ومنع الانقسام، وبين ضرورات السلام ومتطلبات التحول الديمقراطي. وهي معادلة صعبة، لكنها ليست مستحيلة إذا ما توفرت الإرادة الوطنية والرؤية الواقعية لإدارة ما بعد الحرب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *