الحق في الغذاء.. عندما يتحول الجوع إلى معركة يومية من أجل البقاء
بقلم: صفاء الزين
تبدأ بعض المآسي الكبرى بصمت الموائد الخالية، وبأطفال يخلدون إلى النوم دون وجبة تكفي أجسادهم، وبأسر تبحث كل صباح عما يسد رمقها، فلا تجد أمامها سوى ارتفاع الأسعار، وندرة السلع، وضيق الخيارات، والجوع يتسلل تدريجيًا إلى حياة الناس، حتى يصبح واقعًا يهدد الحياة ويقوض كرامة الإنسان.
والحق في الغذاء يتجاوز إشباع الجوع، ويمثل أحد الأسس التي تقوم عليها الحياة الكريمة، فالإنسان الذي يفتقد الغذاء الكافي يفقد قدرته على التعلم والعمل والإنتاج، وتتراجع صحته، ويصبح أكثر عرضة للأمراض وسوء التغذية، وتتقلص فرصه في بناء مستقبل مستقر، ولهذا اعترفت المواثيق الدولية بالغذاء حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان، يرتب على الدول واجبات واضحة لضمان توافره وإمكانية الوصول إليه دون تمييز.
وفي بلادنا فرضت الحرب تحديات قاسية على هذا الحق، فقد تضررت مساحات واسعة من الإنتاج الزراعي، وتعطلت حركة الأسواق، وانقطعت طرق الإمداد في مناطق عديدة، ووجد آلاف المزارعين أنفسهم بعيدين عن أراضيهم، فيما فقدت أعداد كبيرة من الأسر مصادر دخلها بسبب النزوح واتساع رقعة النزاع، وأصبح الحصول على الغذاء الكافي تحديًا يوميًا لملايين المواطنين، بعد ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية بصورة غير مسبوقة.
وتمتد آثار هذه الأزمة إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، فالجوع يدفع الأسر إلى اتخاذ قرارات قاسية، مثل تقليل عدد الوجبات، والاستغناء عن الأغذية ذات القيمة الغذائية، وإخراج الأطفال من المدارس للمساهمة في توفير الدخل. ومع استمرار هذه الظروف، تتسع دائرة الفقر، وتتراجع فرص التنمية، ويزداد اعتماد الأسر على المساعدات الإنسانية، الأمر الذي يضع المجتمع أمام تحديات تتجاوز آثار الحرب المباشرة.
ولذلك فإن قضية الغذاء تتصل بالأمن القومي، والاستقرار الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، فالمجتمع الذي يعاني من الجوع يواجه صعوبة في حماية بقية حقوقه، لأن البحث عن لقمة العيش يصبح الأولوية التي تطغى على ما سواها، ولهذا تمثل حماية الحق في الغذاء استثمارًا في الإنسان، وفي قدرة المجتمع على الصمود والتعافي وبناء السلام.
ويؤكد القانون الدولي لحقوق الإنسان حق كل إنسان في مستوى معيشي كافٍ يضمن له الغذاء المناسب، كما يحظر القانون الدولي الإنساني استخدام التجويع وسيلة من وسائل الحرب، ويحمي الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين. وتنطلق هذه المبادئ من حقيقة إنسانية راسخة، مفادها أن كرامة الإنسان ترتبط بحقه في الحصول على الغذاء الذي يحفظ حياته ويصون صحته.
ومع ندرة الطعام، يمتد أثر الأزمة إلى الاستقرار المجتمعي بأكمله، فالأسر التي تعجز عن تأمين احتياجاتها الأساسية تعيش تحت ضغط دائم، وتزداد هشاشة الفئات الأكثر ضعفًا، وتستشري الأمراض الاجتماعية “السرقة، تجارة الجنس، المخدرات، الجريمة”، وتتراجع قدرة المجتمع على التعافي من آثار الحرب. ولهذا تمثل حماية الحق في الغذاء خطوة أساسية في أي مشروع وطني يسعى إلى إعادة بناء السودان على أسس العدالة والكرامة الإنسانية.
الجوع.. عندما تمتد الحرب إلى أجساد المدنيين
يدفع الأطفال الثمن الأكبر مع انهيار الأمن الغذائي، لأن أجسادهم في مراحل النمو تحتاج إلى غذاء متوازن يحمي صحتهم ويضمن نموهم الجسدي والعقلي. ومع فقدان الطفل هذا الحق، تبدأ سلسلة من الآثار التي قد تمتد سنوات طويلة، فتتراجع قدرته على التعلم، وتضعف مناعته، ويصبح أكثر عرضة للأمراض، وتمتد الخسارة إلى المجتمع الذي يفقد جزءًا من طاقته البشرية ومستقبله، ونرى في السودان الآلاف من الأطفال صاروا أقزاماً.
وتواجه النساء، خاصة الحوامل والمرضعات، تحديات مضاعفة في ظل نقص الغذاء وارتفاع أسعار السلع الأساسية، فالتغذية السليمة خلال الحمل والرضاعة ضرورة لحماية صحة الأم والطفل معًا، وأي خلل في هذا الجانب ينعكس على الأسرة بأكملها، ولذلك تمثل حماية حق المرأة في الغذاء حماية لجيل كامل، تبدأ منذ المراحل الأولى للحياة.
وترتبط أزمة الغذاء ببقية الحقوق الأساسية ارتباطًا وثيقًا، فالأسرة التي تفقد مصدر دخلها تعجز عن توفير الطعام، وقد تضطر إلى التخلي عن تعليم أطفالها أو تقليل الإنفاق على العلاج من أجل تأمين احتياجاتها اليومية، وهكذا تتشابك الأزمات، فيقود الجوع إلى المرض، ويفاقم المرض الفقر، وتتسع دائرة الحرمان عامًا بعد عام.
ويفرض هذا الواقع مسؤولية كبيرة على مؤسسات الدولة، التي يقع على عاتقها وضع سياسات تكفل حماية الأمن الغذائي، ودعم الإنتاج الزراعي، وتأمين وصول الغذاء إلى جميع المواطنين دون تمييز، كما تضطلع المنظمات الإنسانية بدور مهم في الاستجابة للاحتياجات العاجلة، إلى جانب دعم المجتمعات المحلية لاستعادة قدرتها على الإنتاج، فالمساعدات تؤدي وظيفة إنقاذية أساسية، والاستقرار المستدام يحتاج كذلك إلى استعادة سبل العيش والإنتاج.
ويحظر القانون الدولي الإنساني استخدام التجويع وسيلة من وسائل الحرب، ويؤكد حماية المدنيين وضمان وصول الإغاثة الإنسانية وفق القواعد المنظمة لذلك، وتستند هذه الأحكام إلى مبدأ إنساني راسخ، فالغذاء ضرورة لبقاء الإنسان، وتحويله إلى أداة ضغط أو وسيلة لإيذاء المدنيين يمثل انتهاكًا بالغ الخطورة.
ومن هنا، تتجاوز قضية الغذاء بعدها الإنساني إلى العدالة والاستقرار والسلام. فالمجتمع الذي يعاني من الجوع يواجه صعوبة في بناء اقتصاده، وتزداد فيه معدلات الهشاشة الاجتماعية، وتتراجع فرص التنمية، لذلك تمثل حماية هذا الحق خطوة أساسية لحماية بقية الحقوق، وتمكين الإنسان من العيش بكرامة والمشاركة في بناء وطنه.
والأمن الغذائي يتجاوز توافر الطعام في الأسواق، ويشمل قدرة الإنسان على الحصول بصورة مستمرة على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ، وهذا المفهوم يضع الإنسان في مركز السياسات العامة، ويربط الزراعة، والتنمية الريفية، وحماية الأسواق، واستقرار سلاسل الإمداد ضمن منظومة واحدة ضرورية لبناء مستقبل أكثر استقرارًا للسودان.
ومع حرمان الإنسان من الغذاء، يدفع المجتمع كله الثمن، فالجوع يطال الصحة، والتعليم، والعمل، والإنتاج، والاستقرار الأسري، ويضعف قدرة الإنسان على المشاركة في الحياة العامة، ولهذا، فإن الدفاع عن الحق في الغذاء دفاع عن كرامة الإنسان، وعن قدرة السودان على تجاوز آثار الحرب والانطلاق نحو مستقبل يقوم على العدالة والتنمية والسلام.
الأمن الغذائي.. ركيزة للتعافي وبناء الدولة
يصعب الحديث عن تعافٍ وطني في مجتمع يعجز مواطنوه عن تأمين غذائهم. فالأمن الغذائي يقوم على منظومة متكاملة تضمن الإنتاج، والتخزين، والنقل، والتوزيع، وعدالة الوصول إلى الغذاء، واختلال إحدى هذه الحلقات يعرض حياة ملايين البشر للخطر، ويضعف قدرة المجتمع على النهوض من آثار الأزمات.
ويمتلك السودان مقومات تؤهله لتحقيق مستويات مرتفعة من الاكتفاء الغذائي، بما يملكه من أراضٍ زراعية واسعة، وموارد مائية، وتنوع مناخي، وخبرات متراكمة في النشاط الزراعي، وتحتاج هذه الإمكانات إلى بيئة مستقرة، وسياسات اقتصادية رشيدة، واستثمارات تعيد الحيوية إلى القطاع الزراعي، وتحمي المنتجين، وتوفر البنية التحتية التي تضمن وصول الغذاء إلى مختلف أنحاء البلاد.
وتبدأ رحلة التعافي بدعم المزارعين والرعاة والصيادين، باعتبارهم خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي، فتمكينهم من الوصول إلى الأراضي، والبذور، والمدخلات الزراعية، والتمويل، والأسواق، يسهم في استعادة الإنتاج، ويحد من الاعتماد طويل الأمد على المساعدات الإنسانية، ويخلق فرص عمل تعيد الحياة إلى المجتمعات المتأثرة بالحرب.
وتحتاج استعادة الإنتاج الزراعي إلى رؤية تتجاوز الاستجابة الطارئة، فالمساعدات الإنسانية تؤدي دورًا حيويًا في إنقاذ الأرواح خلال الأزمات، بينما يتطلب بناء الأمن الغذائي المستدام سياسات تعيد للمجتمعات قدرتها على الإنتاج، وتدعم صغار المزارعين، وتيسر الحصول على البذور والمدخلات الزراعية والتمويل، وتعيد تأهيل مشروعات الري والأسواق وطرق النقل. كما أن تمكين المرأة الريفية، التي تؤدي دورًا محوريًا في الإنتاج الزراعي وإدارة الموارد الأسرية، يمثل استثمارًا مباشرًا في استقرار الأسرة والمجتمع، فالأمن الغذائي الحقيقي يترسخ مع قدرة المجتمعات على إنتاج غذائها، وتنويع مصادر دخلها، وبناء قدرتها على مواجهة الأزمات المستقبلية.
كما ينبغي أن تحظى المناطق الريفية باهتمام خاص، باعتبارها القلب النابض للإنتاج الزراعي في السودان، فالاستثمار في الطرق، ومشروعات الري، ومرافق التخزين، والخدمات البيطرية، والإرشاد الزراعي، يعزز قدرة هذه المناطق على الإنتاج، ويقلل الفاقد، ويرفع مستوى الأمن الغذائي على الصعيد الوطني.
وفي الوقت ذاته، تظل العدالة في توزيع المساعدات الإنسانية ضرورة أخلاقية وإنسانية، حتى تصل إلى جميع المحتاجين دون تمييز أو إقصاء، وينبغي أن تخفف المساعدات آثار الأزمة، وأن تشكل جسرًا تعبر من خلاله المجتمعات نحو مرحلة تستعيد فيها قدرتها على الإنتاج والاعتماد على الذات.
إن بناء الأمن الغذائي مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمنظمات الإقليمية والدولية، ومع تكامل هذه الجهود، يصبح الغذاء عنصرًا للاستقرار، وتتحول الزراعة إلى قوة دافعة للتنمية، ويستعيد المواطن ثقته في إمكانية بناء مستقبل أكثر أمنًا.
والدفاع عن الحق في الغذاء دفاع عن كرامة الإنسان، وعن حق الطفل في النمو، وحق الأسرة في الاستقرار، وحق المجتمع في التنمية، فالمجاعة تهدد الأجساد، وتضعف الاقتصاد، وتضغط على منظومات التضامن الاجتماعي، وتوسع دوافع الهجرة والنزوح وعدم الاستقرار.
والسودان اليوم في حاجة إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للأرض، ويحمي المنتج، ويصون سلاسل الإنتاج والإمداد، ويضمن وصول الغذاء إلى كل مواطن، فبناء السلام يرتبط ببناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ بصون حقوقه الأساسية وقدرته على العيش الكريم.
وتكمن الرؤية الأبعد في الانتقال بالأمن الغذائي من ملف لإدارة الأزمات إلى أحد أعمدة إعادة تأسيس الدولة، فالسودان الذي يستطيع حماية مواسمه الزراعية، وتأمين طرق الإنتاج والتجارة، وبناء مخزون استراتيجي، وربط مناطق الإنتاج بالأسواق، وتمكين مجتمعات الريف من مواردها، سيكون أقدر على حماية سيادته واستقلال قراره الاقتصادي. وفي هذا المستوى، تصبح مكافحة الجوع جزءًا من بناء السلام، وتتحول الزراعة من قطاع اقتصادي إلى ركيزة للاستقرار الوطني، ويصبح وصول الغذاء إلى المواطن معيارًا لفاعلية الدولة وعدالة مؤسساتها.
ولا تُقاس قوة الأوطان بحجم ما تختزنه أرضها من ثروات، وإنما بقدرتها على تحويل مواردها إلى أمن وكرامة وفرص حياة لمواطنيها، ومع صيانة حق كل سوداني في الغذاء، يبدأ الانتقال الحقيقي من اقتصاد الحرب والندرة إلى اقتصاد الإنتاج والتعافي، ومن إدارة الجوع إلى بناء القدرة على منعه، وهناك يبدأ السلام في اكتساب معناه الإنساني الأعمق: أن يأمن الإنسان على حياته، وغذائه، وكرامته، ومستقبل أطفاله.
ختاماً..
في الأفق الأبعد، ينبغي أن يتحول الحق في الغذاء إلى أحد مرتكزات العقد الاجتماعي السوداني الجديد، بحيث تصبح قدرة الدولة على حماية الإنسان من الجوع معيارًا لشرعيتها وكفاءة مؤسساتها وعدالة سياساتها. فالسودان الذي عانى من مفارقة الجوع، مع وفرة الأرض والمياه، يحتاج إلى إعادة صياغة علاقته بالإنتاج والموارد، عبر توزيع عادل للاستثمار الزراعي بين الأقاليم، وحماية المنتجين، وتأمين مسارات الرعي ومناطق الزراعة والأسواق، وبناء مخزون وطني استراتيجي، وتحصين سلاسل الإمداد من آثار النزاعات والتقلبات الاقتصادية والمناخية.
ومن هذه الزاوية يصبح الأمن الغذائي جزءًا من الأمن الوطني، وتغدو حماية موسم زراعي في الجزيرة أو دارفور أو كردفان أو القضارف، وتأمين حركة الرعاة والمنتجين، ووصول الحبوب إلى أسواق المدن، حلقات في منظومة واحدة تحفظ تماسك الدولة وسيادتها. إن السلام الذي يبقي المواطن أسير الجوع يظل سلامًا هشًا، أما السلام القادر على إعادة الأرض إلى الإنتاج، والإنسان إلى العمل، والطفل إلى غذائه ومدرسته، والأسرة إلى قدرتها على إعالة نفسها، فهو الطريق الذي ينقل السودان من النجاة اليومية إلى التعافي، ومن اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الحياة، ومن إدارة الكارثة إلى تأسيس دولة تصون كرامة مواطنيها وتملك أسباب بقائها ومستقبلها.