المنسي في حرب منسية كردفان.. مركز الحرب الصامت في السودان

تقرير خاص: (ديسمبر)

 

في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، لم تعد الحرب حدثاً طارئاً. المدينة التي تحوّلت خلال الأشهر الأخيرة إلى نقطة ارتكاز عسكرية ومركز استقبال ضخم للنازحين، تعيش تحت ضغط متواصل من القصف والانهيار الاقتصادي والتدفق البشري الهائل من مناطق النزاع.

لكن الأزمة في كردفان لم تعد مجرد امتداد للحرب السودانية، بل أصبحت نموذجاً مكثفاً لانهيار مركّب: حرب مفتوحة، واقتصاد متداعٍ، ونزوح واسع، واستجابة إنسانية عاجزة عن الوصول إلى واحدة من أكثر مناطق السودان اشتعالاً وتعقيداً. ورغم ذلك، لا تزال كردفان خارج مركز الاهتمام الدولي مقارنةً بالخرطوم ودارفور، حتى مع تحوّلها تدريجياً إلى الجبهة الرئيسية للحرب.

انتقال مركز الحرب

منذ منتصف 2025، انتقل مركز الثقل العسكري تدريجياً إلى إقليم كردفان الكبرى، بعد تراجع حدة العمليات في الخرطوم ووسط السودان. أصبحت مدن مثل الأبيض والدلنج وبابنوسة وبارا وأبوزبد ساحاتِ مواجهة مفتوحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إلى جانب وجود الحركة الشعبية – شمال في أجزاء من جنوب كردفان.

دودي كجام، إعلامي متخصص في شؤون كردفان: “ما تشهده كردفان اليوم هو الأسوأ في تاريخ الإقليم على امتداد ولاياته الثلاث. غرب كردفان تعاني من انفلات أمني حاد بسبب انتشار السلاح، ووجود مجموعات مسلحة غير نظامية على طريق سوق النعام، فيما تتبادل الأطراف المتحاربة السيطرة على كادوقلي والدلنج، بينما تحوّلت محلية القوز إلى شبه منطقة خالية من السكان”.

هذا التداخل العسكري خلق واقعاً أكثر تعقيداً من مجرد خطوط تماس تقليدية. وتقول راوية كمال، مفوض العون الإنساني السابق بولاية جنوب كردفان، إن الإقليم يواجه “أزمة إنسانية مركّبة” نتيجة تداخل الحرب والحصار وتعدد القوى المسيطرة على الأرض، مما أدى إلى عرقلة وصول المنظمات الإنسانية وانسحاب عدد كبير منها بسبب الوضع الأمني. هذا التعدد في السلطات لا ينعكس فقط على العمليات القتالية، بل يمتد إلى الحياة اليومية للمدنيين، وحركة الإغاثة، والوصول إلى الغذاء والدواء.

الأبيض: مدينة تتجاوز قدرتها على الاحتمال

وفق تقديرات محلية وإنسانية، تستضيف شمال كردفان نحو 1.2 مليون نازح يمثلون قرابة 149 ألف أسرة، يعيش معظمهم خارج مراكز الإيواء الرسمية، داخل الأحياء الطرفية أو مع الأسر المستضيفة. وخلال أقل من عامين، تحوّلت الأبيض من مدينة متوسطة الحجم إلى مركز نزوح ضخم يواجه ضغطاً متصاعداً على المياه والخدمات الصحية والتعليم والأسواق.

لكن الضغط لا يقتصر على الخدمات وحدها. تلفت الباحثة سوسن جمعة إلى بُعد اجتماعي مضافٍ كثيراً ما يُغفَل في التحليلات: “فرغم أن بعض المناطق حافظت على تماسكها واستضافت النازحين بتضامن لافت، شهدت مناطق أخرى توترات وصدامات بين المجتمعات المستضيفة والوافدين”.

سوسن جمعة، باحثة في قضايا النزاعات: “حرب أبريل أحدثت تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقات المجتمعية التي كانت تاريخياً صمام أمان في الإقليم. المناطق التي تتقاسم فيها السيطرة القوات المسلحة والدعم السريع والحركة الشعبية، كما في هبيلا، باتت تشهد انقساماً مجتمعياً وسياسياً دفع نازحين كثيرين إلى قطع مسافات طويلة بحثاً عن أمان نسبي”.

ورغم تدخلات محدودة دعمت أكثر من 42 مركزاً صحياً والمستشفى الكويتي بمدينة الأبيض، فإن حجم الاحتياجات لا يزال يفوق بكثير قدرة الاستجابة الحالية.

حرب تستنزف الغذاء والزراعة

في إقليم يعتمد تاريخياً على الزراعة والرعي، أدى استمرار القتال إلى تعطيل المواسم الزراعية، وإغلاق الأسواق، ونهب المحاصيل والثروة الحيوانية. غير أن الأزمة أعمق مما تكشفه أرقام الإنتاج.

تكشف الباحثة جمعة أن مستويات الجوع في كردفان بلغت المرحلة الرابعة وفق تصنيفات الأمم المتحدة. ويوضح كجام أن أزمة الغذاء ليست نتاج عجز الزراعة وحدها: “فمن تمكّن من الزراعة رغم الحرب واجه نهب محاصيله بواسطة مجموعات مسلحة، وهو ما يُفرغ أي جهد إنتاجي من مضمونه”.

النتيجة انهيار تدريجي في الأمن الغذائي وصل إلى حد الوفيات. تشير تقارير محلية إلى تسجيل 46 حالة وفاة مرتبطة بسوء التغذية في جنوب كردفان وحدها خلال يوليو وأغسطس 2025، تركّزت بين النساء والأطفال. وترى راوية كمال أن الأسر التي تعيلها النساء “أصبحت من أشد الفئات هشاشةً، بعد فقدان مصادر الدخل وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية”.

أما الوصول إلى الغذاء المتاح، فيزيده تعقيداً استمرار المعارك على طرق الإمداد الرئيسية، مما يدفع السكان والتجار إلى طرق ريفية غير رسمية للتحايل على نقاط التفتيش والاستهداف.

اقتصاد الحرب.. واقتصاد البقاء

في ظل انهيار الاقتصاد الرسمي، تشكّل في كردفان نظامان متوازيان: اقتصاد حرب قائم على النهب والإتاوات والسيطرة على الموارد، واقتصاد بقاء تقوده المجتمعات المحلية للحفاظ على الحياة.

في أحياء الأبيض والرهد وأم روابة، تحوّلت المنازل إلى وحدات إنتاج صغيرة للخبز والطعام والسلع الأساسية، فيما برزت المطابخ الجماعية والتكايا عموداً فقرياً في منظومة البقاء اليومية. وتشير إفادات محلية إلى نحو 150 تكية تعمل يومياً في شمال كردفان وحدها.

لكن هذه التكايا ذاتها تعاني من استنزاف مواردها بصمت. يوضح كجام أن المطابخ الجماعية اضطرت إلى تقليص وجباتها من اثنتين يومياً إلى واحدة فحسب — وهي مفارقة صارخة في إقليم تزخر أرضه بالصمغ العربي والنفط والثروة الحيوانية والزراعية والغابية.

في كثير من الأحياء، أصبحت غرف الاستجابة الطارئة والمبادرات المحلية الجهةَ الوحيدة التي تنظم توزيع الغذاء أو تساعد المرضى أو تربط النازحين بالمجتمعات المضيفة. لكن هذه الشبكات، رغم فعاليتها، تعتمد على موارد محدودة وتبرعات متقطعة، مما يجعل استمرارها هشاً وغير مضمون.

جنوب كردفان: الحرب داخل الحرب

في جنوب كردفان، تبدو الأزمة أكثر تعقيداً. الاشتباكات المستمرة وإغلاق الطرق وتعدد القوى المسيطرة جعلت الوصول الإنساني أعسر، فيما تواجه مدن كادقلي والدلنج نقصاً حاداً في المواد الغذائية والدوائية.

ويضيف كجام بُعداً صحياً خطيراً إلى هذه الصورة، مشيراً إلى ظهور وباء الكوليرا في منطقة فوجة في ظل غياب الأدوية والمساعدات الطبية، فضلاً عن تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة التي وصفها بـ”الموت الطائر”، مؤكداً أن غالبية ضحاياها من المدنيين.

وعلى الصعيد السياسي، ترصد سوسن جمعة تحولاً طرأ منذ يوليو 2024، حين أسهمت الشراكة بين الدعم السريع والحركة الشعبية عبر حكومة “تأسيس” في تقليص التوترات المجتمعية. غير أن الأشهر الأخيرة شهدت اندلاع صراعات داخلية دامية داخل هذه الكتلة ذاتها، مما يُعيد رسم خريطة التحالفات على الأرض ويُضاف إلى تعقيد مشهد بالغ التشابك أصلاً.

سوسن جمعة: “الألم جمعهم في مرحلة، لكن الصراعات الداخلية تكشف أن المصالح المتباينة لا يطويها أي تحالف طويلاً”.

كما استقبلت مناطق في جنوب كردفان آلاف اللاجئين القادمين من جنوب السودان عبر معبر الأميرة ومناطق أبونورة والمقينص والتضامن، في وقت تعاني فيه الولاية أصلاً من نقص حاد في الموارد والخدمات.

غرب كردفان: الأزمة الأقل ظهوراً

إذا كانت الأبيض تمثّل مركز الضغط الإنساني، فإن غرب كردفان تبدو المنطقة الأكثر تهميشاً والأقل حضوراً في التغطية والاستجابة. في مدن المجلد والسنوط وأبوزبد، تعرّضت المرافق الصحية للقصف المباشر، وخرج بعضها عن الخدمة بالكامل.

مستشفى السنوط توقف كلياً إثر تعرّضه للقصف، في حين عاد مستشفى المجلد للعمل جزئياً بمجهودات محلية بعد أشهر من خروجه عن الخدمة. ويلفت كجام إلى كارثة بيئية مضافة: تسرّبات نفطية من بعض الآبار أدت إلى تلوّث يزيد من تعقيد الوضع الصحي والإنساني في منطقة تفتقر أصلاً إلى أدنى مقومات الاستجابة.

ورغم وجود تدخلات محدودة لبعض المنظمات في مجالات التغذية والمياه والحماية، فإن حجم الاحتياجات يفوق بكثير حجم التمويل والقدرة التشغيلية المتاحة.

أزمة معلومات.. وأزمة وصول

إحدى أكبر مشكلات كردفان اليوم ليست فقط نقص المساعدات، بل نقص المعلومات نفسها. تعدد السلطات واستمرار المعارك والمخاطر الأمنية تجعل من الصعب جمع بيانات دقيقة حول أعداد النازحين وحجم الاحتياجات الفعلية.

يُرجع كجام هذا الفراغ جزئياً إلى نزوح الإعلاميين أنفسهم من مناطق الأزمة، مما جعل التغطية رهينة منصات التواصل الاجتماعي وبعض المبادرات المحلية كمنصة “جيناكي”. وتُضيف جمعة بُعداً آخر: “حالة التخوف والتخوين التي يتعرض لها المدافعون عن حقوق الإنسان من طرفي الحرب، وهو ما يُقيّد الأصوات المدنية ويُضيّق هامش الرواية المستقلة”.

ويرى كجام أن تعقيد المشهد في كردفان — بوجود ثلاثة أطراف رئيسية متصارعة بدلاً من طرفين كما في دارفور أو الجزيرة — يجعله “أصعب تأطيراً إعلامياً”، فيما تبقى أجزاء واسعة من الإقليم خارج نطاق التقييم المنتظم بسبب صعوبة الوصول. والنتيجة أن كردفان تواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في السودان دون أن تحظى بالمستوى ذاته من الاهتمام الدولي.

مجتمع يحاول النجاة

في ظل هذا المشهد، لم يعد السؤال في كردفان: كيف يمكن تحسين الحياة؟، بل: كيف يمكن منع الانهيار الكامل؟. المجتمعات المحلية تحاول بناء شبكات بديلة للبقاء: تكايا ومطابخ جماعية وإنتاج منزلي وطرق إمداد غير رسمية واستضافة جماعية للنازحين.

لكن هذه الشبكات تعمل عند حدودها القصوى. وتحذر راوية كمال من أن استمرار الحرب وتعطّل المواسم الزراعية قد يدفع الإقليم إلى مستويات أخطر من الجوع والانهيار خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع ضعف التمويل الإنساني وتراجع وصول المساعدات.

النقطة العمياء

بينما يتركز الاهتمام الدولي على جبهات أكثر ظهوراً، يتحول كردفان تدريجياً إلى المركز الصامت للحرب السودانية: إقليم تتداخل فيه الجبهات العسكرية والانهيار الاقتصادي والنزوح الواسع وغياب الدولة، فيما تعتمد مجتمعاته على جهودها الذاتية للبقاء.

قدرة هذه المجتمعات على الصمود ليست بلا حدود. يحذر كجام من “الموت الطائر” الذي يعبر كل المناطق دون تمييز، بينما تدعو جمعة إلى تكاتف المدافعين عن حقوق الإنسان والإعلاميين لإعادة كردفان إلى دائرة الضوء. وفي ظل استمرار الحرب وضعف الاستجابة وتعقيد الوصول، قد تتحول هذه الأزمة المهمّشة إلى بؤرة انفجار إنساني أوسع، في بلد يقترب أصلاً من حافة الانهيار الكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *