ردود فعل رافضة للتمكين الجديد، ودعوات للتعبئة لمواجهة القرارات

تزايد المخاوف على مصير أموال المعاشيين بعد الخسائر الكبيرة لصندوق استثمار الضمان الاجتماعي

الخرطوم: (ديسمبر)

 

في خطوة أثارت ردود فعل غاضبة وواسعة، أصدر وزير الموارد والبشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، في 29 أبريل الماضي قراراً وزارياً بالرقم (22) لعام 2026 شكل بموجبه لجنة فنية بناءً على توجيهات رئيس مجلس الوزراء تتولى دراسة وحصر العاملين بالحكومة الاتحادية وتعمل تحت إشرافه مباشرة. ويرأس عمل اللجنة وزير الدولة بوزارة المالية، وتضم في عضويتها وكيل وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، مدير صندوق المعاشات والتأمينات الاجتماعية، مدير ديوان شؤون الخدمة، الأمين العام للمجلس الأعلى للأجور، بالإضافة إلى مديري الموازنة والشركات والمؤسسات في وزارة المالية.

وحدد القرار مهام اللجنة في حصر العاملين في الخدمة المدنية الاتحادية، فرز من لا تنطبق عليهم شروط المعاش المبكر، وضع تصور لتقليص العاملين ورفع توصيات بكيفية تخفيض العاملين، وخول القرار للجنة الاطلاع على كافة البيانات والمعلومات والاستعانة بمن تراه مناسباً لتنفيذ مهمتها.

تسريبات مقصودة

وكشفت تسريبات لم يتح لـ(ديسمبر) التحقق من صحتها بالكامل أن اللجنة أنهت أعمالها في زمن قياسي لم يتجاوز الأسبوعين، بالرغم من جسامة وحساسية المهمة الموكلة إليها. وتؤكد التسريبات أن اللجنة أوصت بإحالة 60% من جملة العاملين في الحكومة الاتحادية إلى التقاعد المبكر (حوالي 57 ألف موظف وعامل) من الدرجات الوظيفية المختلفة، مع التركيز على 11 هيئة حكومية تعاني من “ترهل وظيفي” من بينها الإذاعة والتلفزيون وهيئة البث والطيران المدني وسودانير والسكة الحديد والطرق والجسور والإمدادات الطبية والمصادقة الإلكترونية وأسواق المال.

وأوصت اللجنة بمنح المتقاعدين الذين تتجاوز أعمارهم 50 عاماً وأكملوا 20 عاماً في الخدمة حوافز تتراوح ما بين مرتب 5 سنوات وحتى مرتب سنة واحدة، وهي مبالغ هزيلة إذا قيست بالمرتب الأساسي الذي يتقاضاه الموظفون والعمال وبتقديرات كلية تتجاوز 350 مليار جنيه سوداني (حوالي 84 مليون دولار)، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على توفير هذا المبلغ في الظروف الحالية التي تمر بها البلاد.

مخاوف مشروعة

وأثار القرار، حتى قبل معرفة نتائج عمل اللجنة، مخاوف كثيرة لدى العاملين في الحكومة الاتحادية والمؤسسات التابعة لها، بالنظر إلى أنه اتخذ في غياب المعنيين بالأمر، في ظل الأوضاع الاستثنائية التي فرضتها الحرب، وتوقف أعداد كبيرة من العاملين عن العمل بسبب ظروف النزوح واللجوء وسياسات الإقصاء التي مورست في حق الموجودين من الرافضين للحرب، وإتاحة فرصة العمل لمناصري الحرب وفلول النظام السابق. كما أن القرار جاء متزامناً مع محاولات السلطة إعادة التنظيمات النقابية التابعة للفلول والتي تم حلها بقرارات من لجنة التمكين وتكوين لجان تسيير أو لجان نقابية بديلة لها تعبر عن قواعدها.

وتزداد المخاوف بالنظر إلى أن القرار يعيد التذكير بسياسات الفصل للصالح العام والتمكين التي مارسها النظام المباد، خصوصاً في ظل عودة الفلول للسيطرة على مواقع اتخاذ القرار في الحكومة وفي مؤسسات الخدمة المدنية والمؤسسات الحكومية المختلفة ومن خلف مبررات تتعلق بتأييدهم لاستمرار الحرب.

ورغم مسارعة المكتب الصحفي لرئيس الوزراء إلى نفي المعلومات المتداولة ببيان بثته وكالة السودان للأنباء، إلا أن ذلك لم يؤدِ إلى تراجع ردود الأفعال القوية، خاصة أن البيان لم ينفِ أن من مهام اللجنة تقديم توصيات بشأن تقليص العاملين في الخدمة الاتحادية.

الجانب الخفي في القرار

لكن مصدراً مطلعاً في وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية أكد لـ(ديسمبر) صحة كل هذه المخاوف، خصوصاً أن الوزير المعني وطاقمه هم أعضاء حركة العدل والمساواة المعروفة بارتباطاتها بالحركة الإسلامية وفلول النظام السابق. لكن المصدر نبه إلى أن “الكارثة” الحقيقية والتي لم يتحدث عنها القرار تتعلق بالخسائر الكبيرة التي تعرض لها “الصندوق الاستثماري للضمان الاجتماعي” كنتيجة للسياسات التي اتبعها مديره المقال؛ سيف الدولة كوكو، والتي قدرت بحوالي مليار دولار، والتي ستنعكس على قدرة صندوق المعاشات على تسديد التزاماته تجاه المعاشيين في المستقبل القريب. وطالب المصدر حكومة كامل إدريس بمزيد من الشفافية في هذا الملف الذي يتعلق بحياة ملايين من العاملين في الخدمة العامة والمعاشيين وأسرهم.

الجبهة النقابية ترفض

وتواترت ردود الفعل الرافضة بعد الكشف عن القرار. حيث أصدرت الجبهة النقابية بياناً بتاريخ 15 أبريل 2026 تدعو فيه لمناهضة قرار لجنة الحصر والفرز. ووصف البيان القرار بأنه خطير ويعيد إنتاج ذات السياسات التي ثار عليها الشعب، ويهدد لقمة العيش، ويستهدف العاملين تحت غطاء “إجراء إداري” بينما هو في الحقيقة تصفية سياسية مقنّعة. 

واعتبر البيان القرار يستهدف مباشرة العاملين غير المشمولين بالمعاش المبكر بشروط لم يوضح من وضعها ولا من أجازها، مما يجعلها أداة انتقام سياسي وليست سياسة خدمة مدنية، الأمر الذي يمثل نكوصًا واضحًا عن شعارات الثورة، وعودة صريحة لنهج التمكين الذي أسقطه الشعب.

وأضافت الجبهة النقابية أن القرار يمس حق العمل، ويهدد الأمن الوظيفي، ويعيد إنتاج سياسات التمكين، ما يجعله قراراً سياسياً بغطاء إداري.

وحذر البيان من أن القرار لن يمر دون مقاومة، ودعا كل العاملين والعاملات إلى تكوين لجان نقابية داخل المؤسسات لمقاومته، والعمل على تنسيق المواقف بين النقابات المهنية، إطلاق حملة مناهضة واسعة قبل بدء عمل اللجنة والتحرك القانوني والإعلامي لفضح القرار ووقفه.

واعتبرت الجبهة النقابية أن الدفاع عن العاملين هو دفاع عن الدولة نفسها، وأن حماية الخدمة المدنية من التسييس هي حماية لمستقبل البلد، ورفضت عودة سياسات الإقصاء تحت أي مسمى.

تنسيقية المهنيين والنقابات تطالب بالشفافية

على ذات الصعيد، أعلنت تنسيقية المهنيين والنقابات السودانية رفضها الكامل لهذا القرار، لما يحمله من تهديد مباشر للاستقرار الوظيفي للعاملين والعاملات بمؤسسات الدولة، ولما يثيره من مخاوف حقيقية بشأن العودة إلى سياسات التشريد والإقصاء الوظيفي التي أضعفت الخدمة المدنية السودانية لعقود طويلة.

وحذرت التنسيقية في بيان بتاريخ 16 مايو 2026 من أن استخدام شعارات “الإصلاح الإداري” و”إعادة الهيكلة” في الظروف الراهنة، دون ضمانات قانونية ومؤسسية واضحة، قد يفتح الباب واسعاً أمام إعادة إنتاج ذات السياسات القديمة بصورة جديدة، بما في ذلك إقصاء الكفاءات والتضييق على الأصوات المطالبة بالإصلاح، وإعادة توزيع الوظائف العامة وفق اعتبارات الولاء والشراكات السياسية.

وأضاف البيان أن هذا القرار في وقت يواجه فيه العاملون أوضاعاً اقتصادية ومعيشية بالغة القسوة بسبب الحرب والانهيار الاقتصادي وتدهور الأجور، الأمر الذي يجعل أي اتجاه نحو تقليص الوظائف تهديداً مباشراً لأمن واستقرار آلاف الأسر السودانية، وأكد أن حماية العاملين وحقوقهم ليست قضية فئوية، بل قضية ترتبط بمستقبل الدولة السودانية ومؤسساتها العامة. 

وطالبت تنسيقية المهنيين والنقابات السودانية: بالإلغاء الفوري للقرار ووقف كافة الإجراءات والترتيبات المترتبة عليه، وأعلنت رفضها لأي نتائج أو توصيات أو تدابير قد تتمخض عن اللجنة المشكلة بموجب هذا القرار، وأن أي إصلاح حقيقي للخدمة المدنية يجب أن يتم عبر عملية شفافة تشارك فيها النقابات والأجسام المهنية وممثلو العاملين.

لجنة المعلمين السودانيين تحذر

من جانبها، أصدرت لجنة المعلمين السودانيين بياناً بتاريخ 16 مايو 2026 أعلنت فيه رفضها لقرار وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، رقم (22) لسنة 2026م والقاضي بتشكيل لجنة لـ”دراسة وحصر العاملين بالحكومة الاتحادية” ووضع تصور لتقليص عدد العاملين ورفع توصيات بكيفية تخفيضهم.

واعتبر البيان هذا القرار امتداداً لسياسات الفصل التعسفي والتشريد للصالح العام التي مارستها الحركة الإسلامية عقب انقلاب يونيو 1989م، حين تم تدمير الخدمة المدنية وإقصاء آلاف العاملين تحت ذرائع إدارية وسياسية، تمهيداً لتمكين كوادر النظام داخل مؤسسات الدولة.

ورفضت لجنة المعلمين عودة ذات السياسات اليوم بأدوات جديدة، وتحت غطاء “الإصلاح الإداري” و”تقليص العمالة”، ولكن هذه المرة عبر السلطة القائمة التي تشكلت في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021م، وفي ظل الحرب المشتعلة منذ 15 أبريل 2023م، وبمشاركة القوى والحركات المسلحة المتحالفة مع السلطة، والتي أصبحت شريكاً مباشراً في إعادة إنتاج التمكين وتقاسم

مؤسسات الدولة ومواقع النفوذ

وأضاف البيان أن تكوين لجنة لتقليص العاملين بالوحدات الحكومية الاتحادية، في ظل غياب أي سلطة مدنية شرعية أو مؤسسات دستورية منتخبة، يكشف بوضوح أن الهدف الحقيقي ليس الإصلاح، وإنما فتح الطريق لمزيد من الإحلال والتمكين السياسي لصالح كوادر الحركة الإسلامية وحلفائها من قوى السلطة وحركات دارفور المشاركة في الحكم، إلى جانب استخدام هذه الإجراءات لإقصاء الخصوم وإسكات الأصوات التي تنادي بالإصلاح، وخلق جهاز دولة قائم على الولاء السياسي لا على الكفاءة والاستحقاق.

ونوهت لجنة المعلمين إلى أن هذا القرار يأتي في وقت يعيش فيه العاملون أوضاعاً مأساوية، بسبب الحرب والانهيار الاقتصادي وتدهور الأجور، الأمر الذي يجعل استهداف الوظائف ولقمة العيش جريمة اجتماعية وسياسية مكتملة الأركان.

وأعادت لجنة المعلمين إعلان تمسكها بحق العاملين في الأمن الوظيفي، ورفض استخدام الحرب والأزمة الاقتصادية كغطاء لتصفية الخدمة المدنية، ودعت إلى وحدة العاملين وكافة النقابات والأجسام المطلبية للتصدي لمحاولات التشريد والتمكين الجديدة. لأن الخدمة المدنية ملك للشعب السوداني، وليست غنيمة تتقاسمها قوى الحرب والسلطة.

نقابة الصحفيين تعلن تضامنها

وعلى ذات النسق، أعلنت نقابة الصحفيين السودانيين تضامنها الكامل مع العاملين المهددين بفقدان وظائفهم، وحمَّلت السلطة القائمة المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات اجتماعية أو إنسانية أو قانونية تنجم عن هذه السياسات، وأكدت أن العاملين بالدولة ليسوا مسؤولين عن الفشل الاقتصادي والإداري، وأن أي مساس بحقوقهم الوظيفية يمثل انتهاكًا لمبادئ العدالة والكرامة الإنسانية.

وكشف بيان النقابة، الصادر في 18 مايو 2026، عن اتجاه لفصل أكثر من سبعة وخمسين ألف عامل وموظف، بما في ذلك مقترحات بإعفاء 259 من العاملين بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون و75 من هيئة البث، تحت ذريعة مكافحة الترهل الوظيفي وتقليل النفقات العامة.

وجددت النقابة رفضها الكامل لهذا التوجه، الذي صدر دون أي حوار حقيقي مع ممثلي العاملين أو نقاباتهم المهنية، وفي ظل غياب الشفافية والعدالة. كما تم تجاهل مبدأ التقاضي والحقوق المكتسبة التي يكفلها قانون الخدمة المدنية، بينما تبدو المعايير المطروحة انتقائية وتعسفية.

وطالب البيان بإلغاء القرار وإيقاف أي إجراءات تنفيذية متعلقة به، ووضع آليات عادلة للتقاعد المبكر تشمل تعويضات وحزمًا اجتماعية مناسبة، عبر التفاوض مع أصحاب المصلحة، وصرف مستحقات العاملين المتأخرة ومراجعة الأجور بما يتناسب مع أعباء الحرب والمعيشة.

لجنة إعادة المفصولين

ومن المهم التذكير هنا بأن حكومة الفترة الانتقالية كانت قد وضعت قضية إعادة المفصولين للصالح العام في مقدمة أولياتها وكونت لجنة من وكلاء الوزارات للنظر في طلبات المفصولين. وتلقت اللجنة حينها ما يزيد عن 70 ألف طلب من المفصولين من مختلف الفئات، سواء جراء الفصل التعسفي لأسباب سياسية ونقابية أو سياسات الخصخصة والعمالة، فيما قدرت أعداد المتضررين من هذه السياسات بحوالي 110 ألف موظف وعامل على مدى 30 عاماً من حكم الإنقاذ.

وقامت اللجنة بدراسة الطلبات المقدمة بصورة فردية على ضوء الاستمارات التي تقدم بها المفصولون وقضت اللجنة بإعادة حوالي 28 ألف موظف وعامل للخدمة وإلحاقهم بالدرجة الوظيفية لرصفائهم وتسديد استحقاقاتهم المعاشية عن فترة الفصل.

بالمقابل أعادت اللجنة حوالي 36 ألف مفصول للخدمة وألحقتهم بالدرجات الوظيفية لرصفائهم ومن ثم أحالتهم إلى التقاعد بسبب تجاوزهم السن القانونية للتقاعد. ورفضت اللجنة حوالي 3 آلاف طلب لعدم استيفائها لشروط الفصل التعسفي والفصل للصالح العام التي كانت اللجنة قد حددتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *