السودان.. غابة البنادق:  الدوران في حلقة الخراب المفرغة ومتاهة الاستسلام الملغوم!

بقلم/ نجلاء نورين

 

يواجه الإنسان السوداني اليوم فصلاً هو الأشد قسوة وبؤساً في تاريخه الحديث؛ حرباً عبثية أكلت الأخضر واليابس، هدمت مجهود السنين الطوال، ودمرت الحاضر والماضي، وتركت شعباً بأكمله – عُرف بالشهامة والعزة – هائماً على وجهه، نازحاً في الداخل ولاجئاً في الخارج، يطرق أبواباً أوصدت في وجهه، في ظل صمت دولي مريب وتخاذل إقليمي وعالمي غير مسبوق، مقارنة بحروب وصراعات أخرى مشابهة في المنطقة.

وسط هذا الركام، تبرز المفارقة الصادمة: كيف يفتح هذا الوطن الجريح أحضانه مجدداً لمجرمي “قوات الدعم السريع” الذين قتلوا الآلاف، واختطفوا الآلاف، وعذبوا، وشردوا الملايين، واغتصبوا الحرائر والرجال، ونهبوا البيوت والمقدرات؟ كيف يمكن لمن فرّق شمل الأسر ودمر هوية العاصمة والأقاليم أن يعود شريكاً في المشهد، ويتم تكريمه بالرتب العسكرية الرفيعة وشرف الوطنية والسيارات الرئاسية، ليعيد السودان ليس إلى نقطة الصفر، وإنما إلى ما دون الصفر، إلى “مرحلة الماينص”؟!.

إن الإشكالية الهيكلية في أزمة السودان تعود إلى تاريخ طويل من النهج العقيم لقيادة الجيش السوداني. هذا الجيش الذي بنى قيادته العامة على بُعد أمتار قليلة من القصر الرئاسي، والتأكيد يكمن في أن هذا القرب لم يكن لحماية الثغور في أطرافه البعيدة العديدة، وإنما للانقضاض على أحلام الشعب كلما حاول التحرر وبناء دولة القانون والديمقراطية والعدالة والمواطنة.

التاريخ الطويل يحدثنا بأن هذه القيادة العسكرية لم تحسم تمرداً واحداً عبر تاريخها الطويل في حروبها مع الشعب بالاعتماد على كفاءتها العسكرية الذاتية، فكانت دائماً تعجز عن أداء واجبها الدستوري، وتلجأ إلى حشد الشعب البسيط ليموت نيابة عنها في حروبها الداخلية مع شعبها!، أو تصنع المليشيات لتكون “بلدوزرات بديلة” لتقوم بمهمة القمع والتنكيل، ضرباً للشعب كلما رفع رأسه مطالباً بالحرية والديمقراطية والسلام والعدالة.

لقد أُريد لـ”الدعم السريع” أن يكون سوطاً أبدياً يحرس الديكتاتوريات العسكرية. ولكن، كما هي طبيعة المرتزقة، اشتد ساعد هذا الكيان بأمر الجيش نفسه، وعظم طموحه، واستكثر قدراته على حراسة نخب عسكرية لا تتفوق عليه في مؤهلات ولا مقدرات ولا في شيء سوى البندقية والبلطجة السياسية؛ – والدعم السريع هو سيّد البلطجة والأول فيها ولن يتفوق عليه أحد في هذا المضمار – فأراد “الدعم السريع” الحكم لنفسه، واندلعت الحرب التي سمّتها القيادة “حرب الكرامة”، وعملياً هي حرب أذلت الشعب السوداني وغررت به، وقللت من قيمته وقيمة الوطن، وكادت تزيله من الخارطة السياسية والجغرافية تماماً.

عندما بُحّت أصوات الشرفاء والوطنيين بالنداء للسلام والتفاوض، لم يكن ذلك إيماناً بـقوات “الدعم السريع” أو اطمئناناً لها ولجرائمها الطويلة التي لا تغتفر، وإنما كان انطلاقاً من إدراكٍ واعٍ لعقم تفكير القيادة العسكرية العاجزة عن الحسم، وخوفاً على هذا المدني الأعزل الذي مات منذ يومها الأول موتاً رخيصاً في حرب لا ذنب له فيها. كان نداء السلام محاولة حقيقية لتقليل الكلفة البشرية والمادية لبلد يتم تدميره بالكامل لصالح قلة قليلة تريد أن تحكم البلاد رغماً عن شعبها. لكن بؤس القائمين على الحكم اليوم وتواضع تفكيرهم وقدراتهم تجسد في تخوين كل من ينادي بوقف الحرب، وتحشيد البسطاء بمذكرات الاعتقال والاتهامات العشوائية بالعمالة، في محاولة بائسة لإخفاء عجزهم الإستراتيجي والعملياتي في الميدان والسياسة.

إن وجود “الدعم السريع” يمثل قنبلة موقوتة ومصيبة بكل المقاييس، سواء عادوا باتفاقية سلام وصفقة سياسية، أو استسلموا فرادى وجماعات. إن حل هذه المعضلة يكمن حصراً في إنهاء وجودهم كمجموعات مسلحة لا تعرف قانوناً ولا إنسانية. ولكن من يحسمهم والجيش عاجز عن ذلك، ولا زال يستجير بالمليشيات لحسم المليشيا؟ كيف يستقيم الحل والوطن يُساق نحو ذات الفخ القديم الذي دمر الدولة السودانية؟

فهل يعرف الشعب السوداني البسيط خطورة الغد الملغوم وسط غابة المليشيات المتنافرة هذه؟، أم أنه يحتفل بعودة المجرمين كما يريد منه البرهان وزمرته؟ إن العودة المرتقبة لـ”الدعم السريع” إلى المشهد القديم؛ مشهد المدن، بعرباتهم المدججة ومظاهرهم الحربية، لن تحل المشكلة، وإنما ستعيد إنتاج عهد الخوف والقلق والموت اليومي المجاني الذي دفع ثمنه الشعب السوداني ولا زال.

والمصيبة الأكبر هذه المرة هي “الإضافات” الجديدة على المشهد المسلح. فالساحة اليوم لم تعد حكراً على جيش ودعم سريع كما كان قبل الحرب، وإنما تفجرت غابة من المليشيات والحركات والحشود: من كيكل إلى البراء بن مالك، ومن مناوي وجبريل إلى عقار وترك وشيبة وغيرهم من قوات لا حصر لها ولا عدد، تتحرك خارج المنظومة العسكرية الرسمية. كل من هذه المجموعات يأتمر بأمر قائده، يظهرون اليوم متفاهمين ويقاتلون جنباً إلى جنب ضد عدو مشترك، لكن الكل يعلم أن قلوبهم شتى، وكل فصيل منهم يتحين فقط اللحظة المناسبة للانقضاض على الآخر وفرض أجندته الخاصة، وبلا أدنى شك فإن الضحية أيضاً هو الوطن والمواطن.

كيف تنتهي الحرب، والقادة العسكريون يفتحون حضن الوطن ضد رغبته للقادة الفعليين لهذه المليشيات، ويعلمون أنهم يهمسون في مجالسهم ويصرحون في العلن: “نحن يا دوب ابتدينا”؟ إنه الدوران في الحلقة المفرغة؛ إذ لا يمكن لبنادق البلطجة أن تبني دولة، ولا يمكن لعقليات الهيمنة العسكرية والمليشياوية أن تفتح حضناً لوطن معافى. إن طريق الخلاص للسودان واحد، ولن يمر عبر الصفقات التي تعيد تدوير القتلة، وإنما عبر تفكيك هذه البنية العسكرية العقيمة، وتأسيس جيش مهني وقومي واحد، وخروج العسكر تماماً من السياسة والاقتصاد، وإلا فإن هذه الحرب ليست سوى ديباجة وتمهيد لحروب قادمة ستأكل ما تبقى من رماد الوطن وسيكون الخراب كاملاً وشاملاً هذه المرة.. وعلى السودان السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *