محركات النزاع، المسؤولية، وأولويات استعادة الدولة
لواء شرطة (م) د.عصام الدين عباس أحمد
مستشار تكنولوجيا المعلومات ونظم تحليل البيانات
مدخل
إذا كانت الحلقة الأولى قد أثبتت، بالأرقام، أن السودانيين يجتمعون على مطلب السلام، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو: كيف يفسر السودانيون أسباب الحرب؟ ومن يحمِّلونه مسؤولية ما آلت إليه البلاد؟ وما الأولويات التي يرونها ضرورية لإعادة بناء الدولة؟.
كثيراً ما تُختزل الحرب في السودان في سرديات متنافسة، يطغى عليها الخطاب السياسي أو الإعلامي، حتى أصبح من الصعب التمييز بين الحقائق والانطباعات، وبين ما تعكسه مصالح الأطراف وما يعبّر عن رؤية المواطنين أنفسهم. ومن هنا جاءت أهمية أن يُطرح السؤال مباشرة على السودانيين، بعيداً عن المنابر السياسية والاستقطابات الآيديولوجية.
اعتمدت هذه الدراسة، التي شملت جميع ولايات السودان ومختلف الفئات الاجتماعية، على أدوات إحصائية علمية لتحليل تصورات المواطنين وترتيب أولوياتهم. فلم تكتفِ بقياس الآراء، بل سعت إلى الكشف عن الأنماط المشتركة التي تشكل فهم السودانيين لجذور الأزمة وآفاق الخروج منها.
تكشف النتائج عن صورة بالغة الدلالة، إذ يرى غالبية السودانيين أن جذور الصراع تكمن، قبل كل شيء، في التنافس على السلطة والثروة والموارد، بينما تتراجع العوامل الخارجية إلى مراتب متأخرة مقارنة بالأسباب الداخلية. كما تُظهر البيانات تقييماً واضحاً لمسؤولية الأطراف المختلفة عن اندلاع الحرب واستمرارها، وتسلط الضوء على توافق واسع حول مبادئ المواطنة المتساوية، وأولويات إعادة الإعمار، وكيف ينبغي أن تُدار مرحلة التعافي بعد الحرب.
ولعل الرسالة الأهم التي تحملها هذه النتائج هي أن السودانيين لا يبحثون فقط عن وقفٍ لإطلاق النار، بل عن معالجة جذرية للأسباب التي قادت البلاد إلى هذه الكارثة. فاستعادة الدولة، في نظرهم، لا تبدأ بتوقيع اتفاق سياسي فحسب، وإنما ببناء عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة، والمواطنة المتساوية، والتنمية المتوازنة، ومؤسسات قادرة على خدمة المواطنين وحماية حقوقهم.
من خلال العدسات الديموغرافية: كيف ينظر السودانيون إلى السلام؟
تكشف نتائج الدراسة عن وجود توافق وطني واسع حول ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار. إذ أيد 74.3% من المشاركين هذا الخيار، وهو ما يعكس رغبة مجتمعية قوية في إنهاء الحرب. ومع ذلك، تُظهر البيانات أن هذا الإجماع العام يخفي وراءه تباينات ديموغرافية وجغرافية مهمة، تسهم في تفسير اختلاف مواقف بعض الفئات تجاه السلام.
فعلى مستوى الفئات العمرية، سجلت الفئة التي تبلغ 65 عاماً فأكثر أعلى مستوى من التأييد لوقف إطلاق النار بنسبة 78.7%، بينما انخفضت نسبة التأييد إلى 64.7% بين الفئة العمرية 45 – 54 عاماً، وهي أدنى نسبة بين جميع الفئات العمرية. وقد يعكس ذلك الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تتحملها هذه الفئة، باعتبارها تقع في قلب سوق العمل وتتحمل مسؤوليات إعالة الأسر، الأمر الذي قد يجعل تقييمها للحرب والسلام أكثر ارتباطاً بحسابات الأمن المعيشي والاستقرار الاقتصادي.
أما من حيث النوع الاجتماعي، فقد أظهرت الإناث مستوى أعلى من التأييد لوقف إطلاق النار مقارنة بالذكور، وإن كانت الفروق بين الجنسين محدودة نسبياً، مما يشير إلى أن الرغبة في إنهاء الحرب تمثل موقفاً مشتركاً بين السودانيين بغضِّ النظر عن النوع.
وعند النظر إلى حالة الإقامة والاستقرار، يتضح أن الأشخاص الذين عاشوا التجربة المباشرة للنزوح أو اللجوء هم الأكثر إلحاحاً في المطالبة بإنهاء الحرب. فقد سجل النازحون داخلياً أعلى نسبة تأييد بلغت 77.3%، تلاهم اللاجئون بنسبة 76.2%، ثم المقيمون داخل السودان بنسبة 72.9%، بينما جاءت النسبة الأدنى بين المغتربين بنسبة 71.9%. وتشير هذه النتائج إلى أن المعاناة المباشرة الناتجة عن فقدان الاستقرار والسكن وسبل العيش تعزِّز الرغبة في التوصل إلى وقف عاجل للقتال.
وتبرز الفوارق الجغرافية بوصفها أحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل المواقف من السلام. فقد تراوحت نسبة التأييد لوقف إطلاق النار بين 94.7% في ولاية وسط دارفور و57.1% في ولاية سنار، بفارق بلغ 37.6% نقطة. كما أظهرت الاختبارات الإحصائية أن هذه الفروق ذات دلالة إحصائية قوية (X2 = 121.42)، (Cramér’s V = 0.268)، وهو ما يؤكد أن الموقع الجغرافي، وما يرتبط به من تجارب الحرب والسياقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يؤدي دوراً مهماً في تشكيل تصورات المواطنين تجاه إنهاء الصراع.
تقود هذه النتائج إلى دلالة مهمة تتمثل في أن الدعم لوقف إطلاق النار لا يرتبط فقط بدرجة التعرض المباشر للحرب، بل يتأثر أيضاً بالسياقات المحلية التي يعيشها السكان. ومن ثم، فإن بناء خطاب وطني داعم للسلام يتطلب مراعاة الخصوصيات الإقليمية والاجتماعية، بدلاً من الاعتماد على رسائل موحدة لجميع المناطق والفئات.
من المسؤول؟ كيف يوزع السودانيون المسؤولية عن الحرب؟
طلبت الدراسة من المشاركين تقييم مسؤولية الأطراف المختلفة عن اندلاع الحرب واستمرارها، باستخدام مقياس من خمس درجات، حيث تشير الدرجة الأعلى إلى تحميل الطرف مسؤولية أكبر. وقد أظهرت النتائج وجود توافق واسع على أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على الفاعلين الداخليين.
وجاءت المؤسسة العسكرية – ممثلة في القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع – في مقدمة الأطراف التي حملها المستجيبون المسؤولية، بمتوسط 4.27 من 5 درجات، حيث رأى 80.9% من المشاركين أنها تتحمل مسؤولية كبيرة عن الأزمة. وجاء النظام السابق في المرتبة الثانية بمتوسط 4.24، إذ حمّله 79.2% من المستجيبين مسؤولية كبيرة، وهو فارق محدود للغاية يعكس تقارباً واضحاً في تقييم الطرفين.
واحتلت الحركات المسلحة المرتبة الثالثة بمتوسط (73.7%)، تلتها التدخلات الإقليمية والدولية بمتوسط 3.79 (61.3%)، بينما جاءت الأحزاب السياسية في المرتبة الأخيرة بمتوسط 3.64، مع اعتبار 57.7% من المشاركين أنها تتحمل مسؤولية كبيرة.
تشير هذه النتائج إلى أن الرأي العام السوداني ينظر إلى الأزمة باعتبارها ذات جذور داخلية في المقام الأول، إذ يحمّل المسؤولية الأساسية للمؤسسة العسكرية والنظام السابق، مع الإقرار بأدوار متفاوتة للحركات المسلحة والتدخلات الخارجية والأحزاب السياسية.
كما تكشف البيانات عن اختلافات لافتة بين الفئات السكانية. فقد سجل النازحون داخلياً أعلى متوسط في تحميل النظام السابق المسؤولية (4.33) بينما منح المقيمون داخل السودان أعلى متوسط للمسؤولية تجاه المؤسسة العسكرية (4.34).
تعكس هذه الفروق اختلاف التجارب التي عاشتها الفئات المختلفة خلال سنوات الصراع. فمن المحتمل أن يكون النازحون، ولا سيما القادمون من المناطق التي شهدت موجات عنف ممتدة، أكثر ميلاً إلى ربط الأزمة بإرث السياسات والصراعات التي سبقت الحرب الحالية، في حين يركز المقيمون في المناطق التي تأثرت مباشرة بالحرب الأخيرة بصورة أكبر على دور الأطراف العسكرية في تطورات الأزمة الراهنة. وتظل هذه التفسيرات مؤشرات تستدعي مزيداً من البحث النوعي لفهم العوامل الكامنة وراءها بصورة أعمق.
قضية الهوية والمواطنة: مفتاح السلام المستدام
لطالما احتلت قضية الهوية والمواطنة موقعاً محورياً في الأدبيات الأكاديمية التي تناولت جذور الصراع في السودان. فقد خلصت العديد من الدراسات إلى أن الفشل في إدارة التنوع، والتهميش التاريخي، وتسييس الهويات الإثنية والجهوية، كانت من بين العوامل التي أسهمت في تعميق الانقسامات وإطالة أمد النزاعات. ومن هذا المنطلق، كان من الطبيعي أن تتناول هذه الدراسة تصورات السودانيين تجاه قضايا الهوية والمواطنة، باعتبارها أحد المحاور الرئيسة لفهم أسباب الأزمة واستشراف متطلبات السلام.
كشفت النتائج عن مستوى عالٍ من الوعي المجتمعي بطبيعة التحديات التي تواجه الهوية الوطنية. فقد صنف المشاركون الخطاب القبلي والجهوي باعتباره أكبر تهديد للوحدة الوطنية، محققاً أعلى وزن مرجِّح 10,400 نقطة، تلاه التهميش وعدم المساواة 9,6677 نقطة، بينما جاءت التدخلات الإقليمية والدولية في المرتبة الأخيرة 6,332 نقطة.
أشارت النتائج إلى أن غالبية السودانيين تنظر إلى أزمة الهوية باعتبارها أزمة داخلية في المقام الأول، ترتبط بطبيعة إدارة الدولة والعلاقات بين مكوناتها أكثر من ارتباطها بالعوامل الخارجية. كما تعكس إدراكاً متزايداً بأن معالجة الانقسامات المجتمعية تتطلب مواجهة أسبابها البنيوية، وفي مقدمتها الخطابات الإقصائية، والتفاوتات التنموية، وضعف العدالة في توزيع الفرص والموارد.
وفي المقابل، أظهرت الدراسة إجماعاً وطنياً واسعاً حول مفهوم المواطنة المتساوية بوصفه الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه الدولة السودانية. فقد أيد 93.4% من المشاركين مبدأ المساواة الكاملة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون أي تمييز، بمتوسط بلغ 4.72 من 5 ، وهي من أعلى نسب التوافق التي سجلتها الدراسة في مختلف محاورها.
تحمل هذه النتيجة دلالة مهمة، إذ تعكس وجود توافق مجتمعي يتجاوز الانتماءات الإثنية والجهوية والسياسية، ويؤكد أن غالبية السودانيين تتطلع إلى بناء دولة تستند إلى مبدأ المواطنة، لا إلى الانتماءات الضيقة أو الامتيازات المرتبطة بالهوية.
وتقود هذه النتائج إلى استنتاج بالغ الأهمية، وهو أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار أو توقيع اتفاق سياسي، وإنما يتطلب معالجة الجذور العميقة للأزمة، وفي مقدمتها سؤال الهوية وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ويستدعي ذلك إطلاق عملية سياسية شاملة تعزز العدالة وسيادة القانون، وتكفل المشاركة المتكافئة لجميع المواطنين، وتؤسس لمصالحة وطنية حقيقية.
كما تؤكد النتائج أن بناء الدولة في مرحلة ما بعد الحرب ينبغي أن يستند إلى مبدأ المواطنة المتساوية بوصفه أساساً دستورياً وقانونياً، مع تبني سياسات فاعلة لمكافحة الخطاب القبلي والجهوي، وتقليص الفوارق التنموية بين المركز والأقاليم، وضمان مشاركة جميع الفئات، بما في ذلك النازحون واللاجئون والمغتربون، في رسم مستقبل البلاد. فهذه ليست مجرد مطالب سياسية، بل تمثل – وفقاً لما تعكسه نتائج الدراسة – أحد أهم الشروط التي يراها السودانيون ضرورية لبناء دولة مستقرة، قادرة على حماية الحقوق، وتقديم الخدمات بعدالة، ووضع الأساس لتنمية مستدامة وإعادة إعمار شاملة.
البعد الاقتصادي: ليس هامشياً، بل جوهراً
يرى 82.5% من السودانيين أن العوامل الاقتصادية ساهمت في الحرب “بدرجة كبيرة أو إلى حد ما”، ويعتبرها أكثر من النصف (5307%) سبباً رئيسياً. وهذا ليس غريباً في بلد يعاني من تضخم منفلت وانهيار في قيمة العملة.
وعندما رتب السودانيون أولويات إعادة الإعمار باستخدام مؤشر الوزن المرجح (WRI)، كانت النتائج واضحة للغاية:
- استعادة الخدمات الأساسية (ماء، كهرباء، صحة).
- دعم عودة النازحين.
- الزراعة والإنتاج المحلي.
- محاربة الفساد.
- دعم الشباب والمرأة.
ما يعنيه ذلك هو أن المواطن السوداني الجائع والمريض والخائف، لا ينكر أهمية دور المرأة والشباب وقضايا حقوق الانسان ولكنه يريد أن تبدأ عملية إعادة الإعمار بحاجياته الأكثر إلحاحاً. فهو يريد أن يحتاج أولاً أن تعود الكهرباء إلى بيته والماء إلى حنفيته، وأن تبدأ المشافي في تقديم خدماتها العلاجية، وتباشر الشرطة مهامها في ردع المتفلتين والمجرمين، وترتفع حناجر الطلاب الأناشيد الوطنية في طوابير الصباح بالمدارس وغيرها من الخدمات الحياتية الضرورية. التحدي أمام أي حكومة قادمة هو معالجة الاحتياجات الأساسية قبل الشعارات السياسية. وإلا، فإن أي سلام لن يكون مستداماً.
كما كشف التحليل العنقودي (Clustering) عن وجود ست مجموعات تفضيلية من وجهة نظر المواطن، مما يعني أن سياسة “مقاس واحد يناسب الجميع” في إعادة الإعمار ستفشل. هناك من يريد الزراعة أولاً، وهناك من يريد مكافحة الفساد، وهناك من يريد عودة النازحين. إذن على أي خطة تعافٍ يجب أن تكون مرنة وقابلة للتكيف مع تفضيلات كل ولاية وفئة اجتماعية.
الختام
تقدم هذه الدراسة قراءة متماسكة لمحركات النزاع والمسؤولية وأولويات مرحلة ما بعد الحرب في السودان، مستندة إلى استطلاع علمي شامل غطى جميع ولايات السودان وشمل النازحين واللاجئين والمغتربين. تكشف النتائج أن السودانيين ينظرون إلى أزمتهم على أنها داخلية بالأساس، يحركها التنافس على السلطة والثروة، وإرث النظام السابق، والتهميش المزمن، وليس التدخلات الخارجية، كما يروج البعض. كما تؤكد الدراسة أن هناك إجماعاً وطنياً على ضرورة وقف الحرب، مع تباينات ديموغرافية وجهوية مهمة تعكس تنوع التجارب والتصورات داخل النسيج الاجتماعي السوداني. وتضع المؤسسة العسكرية والنظام السابق في مقدمة المسؤولين عن الأزمة، بينما ترى الأحزاب السياسية أقل مسؤولية، مما يعكس إحباطاً شعبياً من المؤسسة العسكرية كحامٍ للدولة، ومن النظام السابق كمحرك للصراع.
وتؤكد الدراسة أن معالجة أزمة الهوية والمواطنة هي جوهر الحل، وأن السودانيين يريدون دولة المواطنة المتساوية التي تتجاوز الهويات الضيقة، مع التركيز على الأولويات الاقتصادية الملحة كاستعادة الخدمات الأساسية وعودة النازحين، قبل الانشغال بالشعارات السياسية. وتمثل هذه النتائج خريطة طريق واضحة لصناع السياسات والقوى السياسية والمجتمع المدني، مفادها أن السلام المستدام في السودان يتطلب مقاربة شاملة تعالج الجذور العميقة للأزمة، وتشرك جميع السودانيين في العملية السياسية، وتضع احتياجات المواطن الأساسية في صميم أي عملية انتقالية، وإلا فإن أي سلام سيكون هشاً، وأي إعادة إعمار ستكون ناقصة.