مجلس حقوق الإنسان يتبنى قراراً بشأن الأبيض المجلس يحذر من جرائم إبادة وشيكة تحت حصار الدعم السريع

جنيف: (ديسمبر)

 

اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، خلال جلسة نقاش عاجلة الاثنين الماضي، مشروع قرار بشأن “حالة حقوق الإنسان في مدينة الأبيض ومحيطها في سياق النزاع الدائر في السودان”، وذلك بتوافق الآراء ومن دون تصويت. وأدان القرار تصاعد أعمال العنف المنسوبة لقوات الدعم السريع، في ظل تزايد القلق الدولي حيال تدهور الأوضاع الإنسانية مع دخول الحصار المفروض على المدينة شهره الثامن عشر، ووسط تحذيرات من تكرار سيناريو الفاشر التي شهدت انتهاكات جسيمة العام الماضي. وكلّف المجلس “البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان” بإجراء تحقيق عاجل في انتهاكات القانون الدولي الإنساني والجرائم الدولية ذات الصلة التي يُشتبه في ارتكابها.

 

500 ألف مدني في خطر

وقد عُقدت الجلسة العاجلة- ضمن فعاليات الدورة الـ62 للمجلس في جنيف- استجابة لطلب رسمي تقدمت به مجموعة من الدول تضم ألمانيا، وأيرلندا، وهولندا، والنرويج، والمملكة المتحدة و10 دول أخرى. وقالت المجموعة في طلبها إن “هذا الإجراء أصبح ضرورياً بسبب خطر التصعيد المحتمل على الأرض، إذ يواجه نحو 500 ألف مدني خطر التعرض لانتهاكات واسعة النطاق ترقى إلى مستوى الفظائع الجماعية. كما أدت الزيادة في هجمات الطائرات المسيّرة إلى تدمير البنية التحتية المدنية، ما تسبب في نقص حاد في الوقود والمياه وسقوط ضحايا مدنيين، في ظل ظروف أشبه بالحصار لآلاف الأشخاص داخل مدينة الأبيض وقطعت عنهم الخدمات الأساسية”.

وقد تحفظ وفد السودان على الفقرات المتعلقة ببعثة تقصي الحقائق، وأعلن انضمامه إلى التوافق على القرار مع الإبقاء على تحفظاته، في خطوة مماثلة لما جرى عند اعتماد القرار الخاص بمدينة الفاشر، حيث انضم إلى التوافق مع تسجيل ملاحظاته على بعض النصوص التي تساوي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

 

أنماط متعددة من الانتهاكات

ويسلط القرار الضوء على أنماط متعددة من الانتهاكات بينها الإعدامات الميدانية والاختطاف والاستخدام الواسع النطاق للاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي كوسيلة من وسائل الحرب، بما في ذلك في أماكن الاحتجاز وكشكل من أشكال التعذيب. وكذلك استخدام التجويع كسلاح من خلال عرقلة وصول المساعدات الإنسانية واستهداف البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك مرافق المياه والوقود. كما يدين القرار الهجمات الجوية على المدنيين والاستهداف غير القانوني للبنية التحتية المدنية من جانب طرفي الحرب، ولا سيما الهجمات التي تستهدف المستشفيات والمرافق الصحية وتسفر عن خسائر في أرواح المدنيين وحرمانهم من الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وشدد القرار على أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة في السودان، داعياً إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار وإنشاء آلية مستقلة لمراقبته، وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية الحيوية، والتوصل إلى تسوية سلمية وتفاوضية للنزاع وإطلاق عملية انتقال سياسي شاملة وذات مصداقية تقود إلى حكومة وطنية منتخبة ديمقراطياً بعد فترة انتقالية بقيادة سلطة مدنية، وبما يتماشى مع “مبادئ برلين بشأن السودان” و”الدعوة المشتركة لإنهاء الحرب والمضي قدماً في عملية سياسية يملكها السودانيون”.

 

إنهاء الإفلات من العقاب

كما أكد القرار على ضرورة ضمان المساءلة عن جميع انتهاكات القانون الدولي الإنساني، وانتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان المزعومة من قبل جميع أطراف النزاع عبر تحقيقات مستقلة وذات مصداقية لإنهاء الإفلات من العقاب ومحاسبة المسؤولين عنها من خلال عمليات عدالة جنائية قوية وذات مصداقية، مع الإقرار بالدور المهم الذي يمكن أن تؤديه المحكمة الجنائية الدولية في هذا الصدد.

وأدان القرار جميع أشكال التدخل الخارجي التي تسهم في تأجيج النزاع، بما في ذلك توريد الأسلحة والمعدات العسكرية، مع تزايد الانتقادات لعدم تسمية الأطراف الداعمة بشكل صريح. ودعا القرار كذلك الجهات الفاعلة الخارجية، سواء كانت دولاً أو كيانات أخرى، إلى الالتزام باحترام قرارات مجلس الأمن ذات الصلة والامتثال لها، بما في ذلك حظر الأسلحة المنطبق على دارفور. كما دعا جميع الأطراف والدول إلى احترام وحفظ وحدة السودان وسلامته الإقليمية، ورفض إنشاء سلطة حكم موازية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

 

كارثة إنسانية وشيكة

وحذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، خلال الجلسة، من خطر ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في مدينة الأبيض ومحيطها، مشيراً إلى أن المعطيات الميدانية تنذر بكارثة إنسانية وشيكة. ولفت إلى توثيق انتهاكات جسيمة، بينها إعدامات ميدانية واختطاف وتعذيب وعنف جنسي في إقليم كردفان، داعياً إلى تحرك دولي عاجل لوقف القتال ومنع تكرار سيناريو الفاشر. كما شدد على ضرورة اضطلاع مجلس الأمن بمسؤولياته في منع الفظائع وتعزيز المساءلة، وقال إن “الأبيض تمثل حالة كلاسيكية تُظهر لماذا ينبغي تقييد استخدام حق النقض”. وشدّد على أهمية تحقيق المساءلة عن الجرائم المرتكبة، مرحباً باستمرار انخراط المحكمة الجنائية الدولية في السعي لتحقيق العدالة لضحايا حرب السودان.

وفي التحديث الشفهي الذي قدمته أمام النقاش العاجل، قالت منى رشماوي، عضو بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة للسودان، “إنه لأمر محزن أن نجتمع مجدداً لمناقشة الوضع في مدينة أخرى من مدن السودان”. وأضافت “لقد تحدثنا إلى سكان المدينة. الخوف منتشر في كل مكان. خوف على مصيرهم ومصير مدينتهم”. وقالت إن البيانات ومقاطع الفيديو المتداولة “أظهرت حشوداً عسكرية تابعة لقوات الدعم السريع حول الأبيض واستعدادات لدخول المدينة”. وشددت على أنه يجب على قوات الدعم السريع التوقف فوراً عن شن هجمات تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك مستودعات الوقود ومرافق المياه وطرق النقل والمستشفيات والأسواق والمدارس والمناطق السكنية. وطالبت القوات المسلحة السودانية وحلفاءها بتجنب تمركز الأفراد والمعدات العسكرية داخل المناطق المدنية أو بالقرب منها والتوقف عن ترهيب المدنيين.

 

تقويض مصداقية منظومات الأمن الجماعي

بدوره أعرب رئيس لجنة تنسيق الإجراءات الخاصة، جورج كاتروغالوس، عن قلقه إزاء التدهور السريع للأوضاع في مدينة الأبيض، محذراً من أن استمرار الصراع وتفاقم الأزمة الإنسانية يقوضان مصداقية النظام متعدد الأطراف ومنظومة الأمن الجماعي التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة. وأشار إلى أن خطورة النزاع لا تكمن فقط في حجم الانتهاكات، بل في تكرارها وتحولها إلى نمط ممنهج خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس تداعيات الإفلات من العقاب. وشدد على أن تحقيق المساءلة يعد شرطاً أساسياً لتحقيق سلام مستدام وضمان إنصاف الضحايا، وقال “لا يمكن للسلام أن يدوم في ظل بقاء الانتهاكات الجسيمة دون معالجة، وحرمان الضحايا من الحقيقة والعدالة وجبر الضرر”.

وشارك في الجلسة محيي الدين سالم، وزير الخارجية السودانية، وأعلن في كلمته استعداد الحكومة للانخراط في مبادرات جادة لإنهاء الحرب استناداً إلى خريطة الطريق التي طُرحت أمام الأمم المتحدة في 2025. وأكد أن أي تسوية يجب أن تشمل حل قوات الدعم السريع ونزع سلاحها وتنفيذ ترتيبات أمنية وإطلاق عملية سياسية بقيادة وطنية بدعم دولي. كما جدد الدعوة إلى تصنيف هذه القوات كجماعة إرهابية، مطالباً بوقف إمدادها بالسلاح والطائرات المسيّرة، مؤكداً انفتاح الحكومة على أي جهود حقيقية لإنهاء ما وصفه “بالحرب بالوكالة”.

وجدد المندوب الدائم المصري دعوة بلاده لهدنة إنسانية عاجلة في السودان ووقف شامل لإطلاق النار بكامل الأراضي السودانية، وأكد أن الأولوية القصوى هي الوصول لهدنة حقيقية تمهد لوقف العمليات العسكرية، مع إطلاق عملية سياسية سودانية خالصة دون إملاءات خارجية. وشدد على ضرورة تعزيز المؤسسات الوطنية كركيزة أساسية لتحقيق العدالة وحماية الحقوق في ظل تصعيد خطير بالأبيض واستخدام مسيرات من قبل الطرفين.

وأدان مندوب إيران الدائم لدى جنيف في كلمته “استمرار الدعم العسكري واللوجستي الخارجي لقوات الدعم السريع”، محذراً من أن التدخل الأجنبي يفاقم الأزمة الإنسانية في السودان. وشدد على ضرورة محاسبة جميع الأطراف الخارجية التي تغذي النزاع، ودعا إلى تطبيق القانون الإنساني الدولي دون ازدواجية في المعايير. وأكد المندوب الإيراني رفض بلاده لأي شكل من أشكال التدخل الخارجي، بما في ذلك فرض سلطة موازية ودعمها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه، معتبراً أن الحل الوحيد هو عملية سياسية سودانية خالصة، وحذر من أن الفشل الدولي يسمح بانتقال الكارثة من مدينة إلى أخرى، مكرراً القلق من تكرار انتهاكات الفاشر في الأبيض.

وتحدث مندوب الإمارات، وقال “إن استمرار التصعيد في السودان يثبت عدم وجود حل عسكري للأزمة”، ودعا لوقف فوري لإطلاق النار وهدنة إنسانية عاجلة، وجدد إدانة أبو ظبي لاستهداف المدنيين والبنية التحتية، كما طالب بتوسيع حظر الأسلحة الأممي ليشمل كل السودان وضمان وصول المساعدات دون عوائق. ورحب مندوب الإمارات في كلمته بمخرجات برلين، وأكد دعم بلاده لجهود الرباعية والخماسية لتعزيز المشاركة المدنية في العملية السياسية، وشدد على أن الهدف الأساسي يبقى دعم عملية سياسية شاملة بقيادة مدنية مستقلة عن طرفي النزاع لتحقيق أمن واستقرار السودان.

 

ضرورة الالتزام بالقانون الدولي

وأعربت مندوبة قطر عن قلق بلادها العميق إزاء تدهور الأوضاع الإنسانية في السودان، ولا سيما الهجمات المتكررة على البنية التحتية المدنية في الأبيض ومحيطها، داعية جميع الأطراف إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والتحذير من تداعيات كارثية على المدنيين. كما شددت على ضرورة إطلاق حوار شامل بين الأطراف السودانية للتوصل إلى تسوية سلمية مستدامة مع رفض أي تدخلات خارجية، مؤكدة دعم قطر لوحدة السودان وسيادته.

وشدد سفير الصين في كلمته على أن أي تسوية يجب أن تحترم سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، وأن تكون بقيادة سودانية، مع رفض تحويل البلاد إلى ساحة صراع جيوسياسي أو فرض حلول من الخارج. كما دعا إلى زيادة المساعدات الإنسانية ودعم جهود الوساطة، محذرًا من تكرار مأساة الفاشر.

أما مندوب روسيا، فقد رفض في كلمته التدخل الخارجي في السودان، مشدداً على التمسك بوحدته، ودعا إلى وقف القتال فوراً وإطلاق عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون، مع رفض أي هياكل حكم موازية. وأكد أن الأزمة لا تُحل إلا عبر حوار وطني يراعي مصلحة السودان، لا عبر إملاءات أو اصطفافات خارجية.

وشدد مندوب تركيا على ضرورة الحفاظ على وحدة وسلامة أراضي السودان، وقال إن أي مسار سياسي لا بد أن يكون بقيادة سودانية وبعيداً عن الإملاءات الخارجية. كما شدد على دعم الجهود الرامية إلى وقف القتال وحماية المدنيين، ورفض أي ترتيبات أو سلطات موازية قد تقوض الدولة أو تعمّق الانقسام.

وقالت ممثلة بريطانيا في المجلس، إليانور ساندرز، إن مدينة الأبيض باتت على شفا فظائع واسعة النطاق، وإن ما جرى في الفاشر العام الماضي لا يجوز أن يتكرر. وأضافت أن مجلس حقوق الإنسان يجب أن يتحرك سريعاً لحماية المدنيين، وأن بعثة تقصي الحقائق تظل أساسية لإنهاء الإفلات من العقاب ومحاسبة المسؤولين.

أما سفير جنوب أفريقيا، زاهير لاهر، فقال إن الوضع في الأبيض يمثل “إنذاراً أحمر”، محذراً من أن قوات الدعم السريع تعيد استخدام “النهج الإبادي نفسه” الذي اتبعته في الفاشر، ومؤيداً للتحرك الدولي العاجل لمنع فظائع جديدة.

وأجمعت بقية الوفود في كلماتها على خطورة تدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في السودان، لا سيما في مدينة الأبيض ومحيطها، مؤكدة ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. كما شددت على أهمية التوصل إلى حل سياسي شامل ينهي النزاع، مع الدعوة إلى تعزيز آليات المساءلة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ورفض التدخلات الخارجية التي تسهم في تأجيج الصراع بما يدعم استقرار السودان ويحفظ وحدته وسيادته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *