خارج مظلة النفوذ: إمبراطوريات تسليع التعليم تصطدم بسيادة القانون

صدر مؤخراً بالجيزة بمصر حكم بحبس وتغريم صاحب مدارس سودانية بمصر والسودان ومعه آخرون. تتعلق القضية بأخذ أموال ووعود بجلوس لأداء امتحانات الشهادة الثانوية المصرية حيث فشل في الحصول على أرقام جلوس لعدد 480 طالباً، بما يعني ضياع عام دراسي، مع الأثر المادي والمعنوي من بذل الجهود للأسر السودانية للاستمرار في تعليم الأبناء في ظروف الحرب واللجوء وشح الموارد والصعوبات. 

من شروط ترخيص الاستثمار في مجال التعليم بالسودان ومصر الأهلية القانونية والأخلاقية للمتقدم، أي حسن السير والسمعة، وألا يكون قد صدر بحقه حكم نهائي في جريمة مخلة بالشرف، أو الأمانة، أو الآداب العامة. ولترجمة هذا الشرط إجرائياً يُطلَب شهادة خلو صحيفته من أي أحكام قضائية بالإدانة. 

​اللوائح في مرحلة ما بعد الترخيص، توضح أنه إذا صدر حكم قضائي نهائي بالإدانة ضد صاحب المدرسة في جريمة تمس الأمانة، أو التحايل، أو الآداب​ يُسحب الترخيص ويُلغى تلقائياً. 

​في الحالات التي يُخشى فيها على مصير الطلاب، قد تتدخل الوزارة بوضع المدرسة تحت إشراف مالي وإداري مباشر مؤقت لحين توفيق أوضاع الطلاب ونقلهم، مع منع المدان من التدخل في الإدارة أو جني الأرباح. 

من المتوقع أو المفترض أن تسير الأمور على هذا النحو لمجموعة المدارس التي تضمها المؤسسة التي أُدين صاحبها ومعه آخرون بالنصب والاحتيال. 

هذا الشرط، خلو الصحيفة من الإدانة، طبيعي باعتبار أن المستثمر في التعليم لا يُنظر إليه في القانون كصاحب متجر أو مصنع، بل يعتبر ولي أمر اعتبارياً، يمتد نفوذه وسلطانه وأثره وبالتالي قراراته إلى صياغة بيئة تضم معلمين وطلاباً، وحتى أسرهم، وعليه كل ما يمس أمانته أو نزاهته المالية والقانونية يُسقط عنه هذه الولاية التربوية. هذا الشرط القصد منه حماية الطلاب والأسر من الهزات المفاجئة بسبب مثل هذه الإدانة وما يترتب عليها من إغلاق للمدرسة. 

​ربما من زمن طويل لم نسمع بإجراءات قانونية حاسمة تجبر ضرر متضررين من مثل هذا الحدث، أو حتى الوصول للتقاضي نفسه. كان بالسودان دائماً ما يكون هناك مخرج للمشكو منهم من الملاحقة القانونية والعقوبة، باعتبار أن صاحب المؤسسة من النافذين، أو يرتبط بدوائرهم بطريقة أو بأخرى. لكن المواجهة تمت بدولة أخرى لا يمتلكون فيها ذات النفوذ والأثر على الإجراءات القانونية، فهل نتوقع السيناريو كما نصت عليه القوانين واللوائح وبالتالي إغلاق هذه المدارس وتوفيق أوضاع طلابها؟. 

التساهل الرسمي لقيام مؤسسات تعليمية خاصة تعتمد التربح المادي وتسليع التعليم كأي بضاعة أخرى في العقود الأخيرة، أخرج الاستثمار في التعليم من القيمة التربوية وفتح الباب أمام رؤوس أموال لاستغلال الأهالي، والعمل على تعظيم أرباحهم، مهما كانت أوضاع التعليم وأوضاع الأسر نفسها. يشهد بذلك، مع ثبوت الشواهد بالسودان قبل الحرب، قطاع التعليم الخاص، بالذات في دول اللجوء بعد الحرب باستغلال واضح لوضع التعليم في أول سلم أولويات الأسر وتخصيصها معظم دخلها، على شحه، لتعليم أبنائهم. 

واضح في هذه الحالة استغلال فرصة فتح خط بذات المدرسة السودانية للتحويل من الشهادة السودانية، التي تأجلت امتحاناتها عدداً من المرات، إلى اللحاق بالشهادة المصرية. كان ذلك سيُدِر أرباحاً كبيرة على صاحب المدرسة، مستغلاً لهفة أولياء الأمور إكمال العام الدراسي بشهادة تمكن أبناءهم من اللَّحاق بالجامعة في العام الدراسي اللاحق. وهو أمر مؤسف تعودت عليه الأسر، مع تعرضهم لضغوط الأوضاع بعد الحرب، بالذات مع عدم وجود حماية قانونية واضحة من الجهات الرسمية السودانية. 

نتمنى أن يجعل هذا الحكم أصحاب المدارس السودانية بمصر يراجعون مواقفهم وطريقة إدارة استثمارهم في التعليم، وأن يشجع أولياء الأمور للوقوف على حقوقهم ومغالبة الضغوط. 

من الغريب للمتابع للقضية، منذ إثارتها العام الماضي وحتى صدور الحكم النهائي بالإدانة خلال هذا الشهر، محاولات الكثيرين تبرير الأمر وكأنه استهداف لصاحب المؤسسة بأن الناجحين دائما مستهدفون من منافسيهم. طبعاً هناك من يبررون ويدافعون بحكم المصلحة. لكن هناك من يبرر بالذات من أولياء الأمور، غير المتضررين طبعاً، إنكاراً أن يعترف بتقييمه الخاطئ للمؤسسة وصاحبها وائتمانه على أبنائه، حمايةً لتوازنهم النفسي من صدمة الاختيار الخاطئ والخسارة المادية والمعنوية المتوقعة.  

نكرانهم للإدانة بالنصب والاحتيال لصاحب المؤسسة التعليمية المذكورة، يذكِّر بمن ينكرون اتهامات الفساد حين تطول من بدائرتهم من أبناء المنطقة مثلاً، فما أن يذكر فسادهم حتى يتصدوا للأمر، بأنه من موّل مدرسة أو مستشفى المنطقة، ويعددون مساهماته في كفالة أسر وعلاج أعداد من أهل المنطقة، بما لا يمكن أن ينطبق مع اتهامات فساد. 

العطاء وتمويل أعمال طوعية، وإحراز نجاح مادي وأكاديمي في نتائج مدرسية، محاولات تجميل وتركيب صورة جميلة على صورة الفساد القبيحة، وهي محاولات لن تصمد أمام الحقائق، لأنها لن تطهر أموال التحايل والفساد. 

إذا كان تسويف وتعليق الإدانات القانونية في السودان، في مثل هذه الحالات، يخلق ضباباً في الرؤية ويترك باباً للوهم أن يُصدَّق أمثال هؤلاء أنهم اهل خير وعطاء، فإن صدور هذا الحكم بمصر بهذا الوضوح ربما يساعد في إزالة الضباب ورؤية هذا النوع على حقيقتهم. لأن مثل هذا الحكم يحرق الصورة المُخْتَلقة ويُبقي على الصورة الحقيقية القبيحة، فبالله عليكم كفى تبريراً. التبرعات السخية ونسب النجاح العالية لا تغطي ولا تجُب أعمال الفساد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *