د.العبيد أحمد العبيد
في المقالات السابقة تناولنا القيود القانونية والمؤسسية التي تحد من حرية الرأي والتعبير في السودان، وتوقفنا عند الرقابة، وتدخل الأجهزة الأمنية، وضعف استقلال الإعلام، والحاجة إلى مؤسسات مستقلة تحمي هذا الحق بدلاً من أن تصادره. غير أن النقاش حول حرية التعبير لا يكتمل إذا ظل محصوراً في القوانين والسلطات والأجهزة الرسمية وحدها. فالمشكلة في السودان ليست فقط في الدولة القمعية أو النصوص القانونية الرديئة، وإنما أيضاً في ضعف الثقافة الحقوقية داخل المجتمع نفسه، وفي غياب قدر كافٍ من التسامح مع الرأي المختلف وتراجع القدرات والكفاءة المهنية لدى المشتغلين بالمهنة بسبب سنوات طويلة غياب الحريات.
فحتى لو ألغينا القوانين المقيدة، وأنشأنا مؤسسات مستقلة، وأوقفنا الرقابة القبلية، ستظل حرية التعبير ناقصة إذا بقي المجتمع يعامل الاختلاف باعتباره إساءة، والنقد باعتباره قلة أدب، والسؤال باعتباره تمرداً، والرأي المخالف باعتباره خيانة أو خروجاً على الجماعة. فالقانون وحده لا يصنع الحرية، بل يحتاج إلى ثقافة اجتماعية تحميه وتمنحه معنى عملياً في الحياة اليومية.
في كثير من المجتمعات، ولا سيما المجتمعات الخارجة من الاستبداد والحروب، توجد فجوة بين الاعتراف القانوني بالحق وبين القدرة الفعلية على ممارسته. فقد ينص الدستور على حرية الرأي، لكن الطفل لا يستطيع أن يسأل في البيت، والطالب لا يستطيع أن يعترض في الجامعة، والمرأة لا تستطيع أن تنتقد في المجال العام، والصحفي لا يستطيع أن يسائل المسؤول، والمواطن لا يستطيع أن يطلب معلومة من جهة حكومية دون أن يُعامَل كمتهم. هنا تصبح المشكلة أعمق من القانون؛ تصبح مشكلة ثقافة سياسية واجتماعية كاملة.
أولاً: حين تتحول العادات إلى رقابة
ليست كل العادات والتقاليد معادية للحرية. ففي السودان، كما في غيره، توجد قيم اجتماعية عظيمة مثل التضامن، والكرم، واحترام الكبير، ومساعدة المحتاج، وحماية الروابط الإنسانية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول بعض العادات إلى أدوات لإسكات الناس، أو تبرير التمييز، أو منع الفئات الأضعف من التعبير عن نفسها.
في هذا السياق، يجب التمييز بين احترام الخصوصية وبين استخدام فكرة “الخصوصية” أو “الستر” لإخفاء الظلم. فالحق في الخصوصية حق أصيل يجب احترامه كاملاً، ولا يجوز للدولة أو المجتمع انتهاكه. لكن حماية الخصوصية لا تعني حماية العنف، ولا تعني منع الضحايا من الكلام، ولا تعني إسكات النساء أو الأطفال أو الفئات الضعيفة باسم السمعة أو العائلة أو “الفضيحة”.
في السودان وفي دول أخرى كثيرة توجد، للأسف، مسافة غير صحية بين المجال العام والمجال الخاص. فبعض القضايا تُطرد من النقاش العام بحجة أنها “أمور أسرية” أو “مسائل داخل البيوت”. ويظهر ذلك بوضوح في قضايا العنف المنزلي والعنف الجنسي. كثيراً ما تُدفع النساء إلى الصمت حتى لا “تتضرر سمعة الأسرة”، أو حتى لا “ينفتح باب الفضيحة”، أو حتى لا يُقال إن الأسرة لم تحسن تربية بناتها. النتيجة أن الضحية تتحمل العبء الأخلاقي والاجتماعي، بينما يفلت المعتدي من المساءلة.
هذه الثقافة لا تؤذي النساء وحدهن، بل تؤذي المجتمع كله. فهي تسمح لأشخاص يمارسون العنف داخل بيوتهم بأن يواصلوا الظهور في المجال العام كرجال سياسة أو مثقفين أو كتاب أو قيادات اجتماعية، دون مساءلة حقيقية. وفي مجتمعات ديمقراطية أكثر نضجاً، قد يكون العنف المنزلي أو الاعتداء الجنسي سبباً كافياً لإنهاء الحياة العامة لشخصية سياسية أو فكرية. أما عندنا، فكثيراً ما يُقال: “هذه مسألة خاصة”، أو “لا تخلطوا العام بالخاص”. وهذا خلط خطير؛ فالخصوصية تحمي الحياة الشخصية، لكنها لا تحمي انتهاك الحقوق.
ثانياً: الطاعة بدلاً من المساءلة
من أكبر العوائق الثقافية أمام حرية التعبير في السودان النظرة الهرمية للسلطة. فالمسؤول لا يُسأل، والكبير لا يُراجع، والزعيم لا يُنتقد، ورجل الدين لا يُناقش، والمدير لا يُحاسب، والأب لا يُعارَض. هذه الثقافة تجعل المجال العام امتداداً للبيت السلطوي، لا مساحة للمواطنة المتساوية.
في كثير من الأحيان، لا يُنظر إلى السؤال باعتباره حقاً، بل باعتباره سوء أدب. عبارات مثل “يا ولد عيب”، “خلي عندك أدب”، “ما تتكلم قدام الكبار”، “إنت لسه صغير”، “دي مواضيع ما بتخصك”، ليست مجرد تعبيرات اجتماعية عابرة؛ إنها أدوات تربية على الصمت. وحين ينشأ الطفل على أن السؤال وقاحة، يكبر المواطن وهو يعتقد أن مساءلة الدولة خطر، وأن نقد المسؤول خروج عن النظام، وأن طلب المعلومة نوع من التحدي.
هذه الثقافة، التي حافظت عليها كل الأنظمة المتعاقبة على الحكم، لا تنتج مواطنين أحراراً، بل تنتج رعايا مطيعين. وهي تخدم الاستبداد حتى من دون أن تقصد ذلك، لأن النظام القمعي لا يحتاج فقط إلى قوانين تمنع الكلام، بل يحتاج أيضاً إلى مجتمع يعتبر الكلام نفسه مشكلة.
ولهذا فإن بناء ثقافة للتسامح يبدأ من التربية. يجب أن يتعلم الأطفال في البيت والمدرسة أن السؤال ليس وقاحة، وأن الاختلاف ليس عداء، وأن احترام الكبير لا يعني إلغاء عقل الصغير، وأن الأدب لا يعني الصمت. فالمجتمع الذي يمنع أبناءه وبناته من الكلام في صغرهم لا يستطيع أن يطلب منهم ممارسة الديمقراطية في كبرهم.
ثالثاً: النساء والشباب بين التهميش والتأديب الاجتماعي
أكثر الفئات تضرراً من ضعف ثقافة التسامح هي النساء والشباب. فالرجل الكبير في السن، أو صاحب المنصب، أو المنتمي إلى جماعة نافذة، يستطيع غالباً أن يتحدث بصوت أعلى. أما المرأة أو الشاب أو الشخص القادم من هامش اجتماعي أو جغرافي، فيُطلب منه غالباً أن يخفض صوته.
في حالة النساء، لا يتعلق الأمر فقط بالاختلاف السياسي أو الفكري، بل بالسيطرة على الحضور ذاته: ماذا تلبس؟ أين تذهب؟ كيف تتكلم؟ هل تضحك بصوت عالٍ؟ هل تظهر في الإعلام؟ هل تناقش الدين أو السياسة أو الحرب؟ هل تنتقد رجلاً مشهوراً؟ هل تتحدث عن العنف الذي تعرضت له؟ وهكذا تتحول حرية التعبير إلى معركة يومية حول الحق في الوجود العلني.
وقد أظهرت الثورات السودانية العكس لهذه الصورة النمطية تماماً. فالنساء كن في مقدمة الاحتجاجات، في الشوارع، والهتافات، والخطابة، والتنظيم، والعمل المدني. لكن بعد كل موجة حضور نسائي قوي، يعود المجتمع المحافظ لمحاولة “إعادة النساء إلى مكانهن”. ويحدث ذلك عبر التخويف، والتشهير، والسخرية، والتحرش اللفظي، والاتهام في السمعة والدين والأخلاق.
أما الشباب، فيواجهون احتقاراً من نوع آخر. فهم يُمدحون عندما يموتون في المواكب أو يدفعون ثمن التغيير، لكنهم يُستبعدون عندما يأتي وقت اتخاذ القرار. يُطلب منهم أن يكونوا وقوداً للثورة، لا شركاء في الحكم. وهذه مفارقة لا يمكن أن تبني ديمقراطية. فمن دفع ثمن الحرية يجب أن يكون شريكاً في صياغة مستقبلها.
رابعاً: الدين والتقاليد بين الإيمان والرقابة
الدين عنصر أساسي في حياة السودانيين، ولا يمكن لأي مشروع ديمقراطي أن يتعامل معه باستخفاف أو عداء. لكن المشكلة تظهر عندما يتم استخدام الدين كأداة لإغلاق النقاش العام. فكل رأي في قضايا المرأة، أو القوانين، أو التعليم، أو الحريات، أو العلاقة بين الدين والدولة، يمكن أن يُتهم بأنه إساءة للدين أو خروج على المجتمع.
هذا الخلط بين الإيمان والرقابة يضر بالدين نفسه قبل أن يضر بحرية التعبير. فالإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى أجهزة قمعية تحميه من السؤال، ولا إلى حملات تشهير ضد من يفكرون بطريقة مختلفة. والمجتمع المتدين يمكن أن يكون متسامحاً إذا فرّق بين احترام المقدسات وبين منع التفكير.
في السودان، استُخدمت مفاهيم مثل “النظام العام” و“الآداب العامة” و“القيم الدينية” لتقييد النساء والفنانين والكتاب والطلاب والصحفيين. ورغم إلغاء قوانين النظام العام بعد الثورة، إلا أن الثقافة التي صنعتها لم تختفِ تماماً. فما زال كثيرون يعتقدون أن للدولة أو المجتمع الحق في مراقبة أجساد النساء وأصوات الشباب وآراء المختلفين.
ولهذا يجب أن تكون القاعدة واضحة: لا يجوز تقييد حرية التعبير إلا وفق معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبصورة ضرورية ومتناسبة ومحددة. أما العبارات الفضفاضة مثل “إهانة المجتمع” أو “مخالفة العادات” أو “إثارة الجدل” فلا تصلح أساساً لمنع الرأي. كما يجب أن تبقى الدولة على مسافة واحدة من كل الأديان.
خامساً: المعلومات كملكية خاصة للسلطة
من أخطر مظاهر الثقافة السياسية السودانية منذ الاستقلال أن المعلومات تُعامل كملكية خاصة للسلطة، لا كحق عام للمواطنين. فالمسؤول غالباً لا يرى نفسه خادماً عاماً ملزماً بالشفافية، بل حارساً لوثائق ومعلومات لا يجوز الاقتراب منها. ومن يطلب معلومة قد يُعامل كخصم سياسي أو عميل أو صاحب أجندة.
هذه الثقافة أنتجت ثلاثة أمراض خطيرة.
الأول هو نظرية المؤامرة. فبدلاً من اعتبار طلب المعلومات ممارسة طبيعية للمواطنة، يتم تصويره كعمل مشبوه. من يسأل عن الميزانية، أو العقود، أو قرارات التعيين، أو الإنفاق الأمني، أو أرقام الضحايا، قد يُتهم بأنه يعمل ضد الدولة أو يخدم الخارج.
الثاني هو الفساد. فحجب المعلومات هو البيئة المثالية للفساد. كلما قلّت الشفافية، زادت قدرة المسؤولين على التصرف في المال العام دون رقابة. ولهذا فإن حق الحصول على المعلومات ليس مسألة إجرائية، بل أداة أساسية لمحاربة الفساد.
الثالث هو تضخم سلطة الأجهزة الأمنية. ففي السودان، أصبحت الأجهزة الأمنية عبر عقود طويلة ليست فقط حارسة للأسرار، بل مالكة واسعة للمال والنفوذ والاقتصاد والمعلومات. وهذا “الفساد الأمني” أو “فرط الفساد” أخطر من الفساد الإداري العادي، لأنه يجمع بين المال والسلاح والسرية والحصانة.
ولهذا فإن بناء ثقافة حرية التعبير يتطلب بناء ثقافة حق المعرفة. فالمواطن لا يستطيع أن يكوّن رأياً حراً إذا كان محروماً من المعلومات. والرأي العام لا يستطيع مراقبة السلطة إذا كانت الوثائق مغلقة والأرقام مخفية والقرارات تُتخذ في الظلام.
سادساً: القوانين الرقمية واستمرار عقلية القمع
أضاف نظام البشير، ثم السلطات اللاحقة، طبقة جديدة من القيود عبر قوانين الجرائم المعلوماتية. فبدلاً من أن يُنظر إلى الإنترنت كمساحة لتوسيع المشاركة، جرى التعامل معه كخطر يجب ضبطه. وهكذا انتقلت عقلية الرقابة من الصحف الورقية إلى الفضاء الرقمي.
المشكلة ليست في وجود قوانين تعالج الجرائم الإلكترونية الحقيقية، مثل الاحتيال أو الاختراق أو الابتزاز. المشكلة هي استخدام هذه القوانين لمعاقبة النقد السياسي، أو تخويف الصحفيين، أو ملاحقة المواطنين بسبب منشوراتهم. وعندما تستخدم الدولة مفاهيم فضفاضة مثل “الأخبار الكاذبة” أو “الإساءة للسلطات” أو “تهديد النظام العام”، تصبح القوانين الرقمية امتداداً حديثاً لقوانين النظام العام القديمة.
وهنا يتلاقى القانون مع الثقافة. فالمجتمع الذي لا يتسامح مع النقد يسهل على السلطة أن تجرّمه. والمجتمع الذي يعتبر مساءلة المسؤول إساءة يسهل عليه قبول سجن من يكتب منشوراً ناقداً.
سابعاً: القبيلة والجماعة والخوف من الخيانة
في مجتمع متعدد مثل السودان، تلعب القبيلة والعشيرة والجماعة المحلية أدواراً اجتماعية مهمة، أحياناً في الحماية والتضامن وحل النزاعات. لكن هذه الروابط قد تتحول أيضاً إلى قيود على حرية التعبير عندما يصبح نقد الزعيم أو الشيخ أو القائد أو الجماعة خيانة.
في بعض السياقات، لا يُسمح للفرد بأن يتحدث بصفته مواطناً حراً، بل يُطلب منه أن يتحدث بصفته ممثلاً لقبيلته أو منطقته أو أهله. وإذا انتقد ممارسات داخل جماعته، اتُهم بأنه “يفضح أهله”. وإذا دافع عن ضحايا من جماعة أخرى، اتُهم بأنه تخلى عن جماعته. وفي زمن الحرب تصبح هذه الظاهرة أكثر خطورة، لأن الكلام عن الانتهاكات أو الهوية أو العنصرية أو التعاون مع هذا الطرف أو ذاك قد يعرض صاحبه للتخوين وربما للخطر.
والحل ليس إلغاء الانتماءات الاجتماعية، فهذا غير ممكن ولا مطلوب، بل تحويلها من أدوات صمت إلى فضاءات حوار. فالانتماء الحقيقي للجماعة لا يعني تبرير أخطائها (مسلك القطيع)، بل مساعدتها على تصحيحها.
ثامناً: كيف نبني ثقافة للتسامح؟
بناء ثقافة التسامح لا يتم بالشعارات. يحتاج إلى مشروع طويل يبدأ من الأسرة والمدرسة والإعلام والقانون والمؤسسات السياسية.
أولاً، يجب ترسيخ الحدود القانونية الواضحة لحرية التعبير وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان. فالأصل هو حماية الرأي، بما في ذلك الرأي المزعج أو غير الشعبي أو النقدي. ولا يجوز التقييد إلا في حالات محددة، مثل التحريض المباشر على العنف أو الكراهية التي تهدد حقوق الآخرين، وبقرار قانوني ضروري ومتناسب.
ثانياً، يجب إصلاح التعليم بحيث يشجع التفكير النقدي لا الحفظ والطاعة. فالمدرسة التي تعاقب على السؤال لا يمكن أن تخرج مواطناً ديمقراطياً.
ثالثاً، يجب فتح المجال العام أمام النساء والشباب والمجموعات المهمشة، لا كزينة تمثيلية، بل كشركاء حقيقيين في اتخاذ القرار. ويجب أن تصبح مشاركة النساء في الإعلام والسياسة والإدارة أمراً طبيعياً، لا استثناء يحتاج إلى تبرير.
رابعاً، يجب حماية الحق في الوصول إلى المعلومات، وتغيير عقلية “المعلومة ملك للسلطة” إلى “المعلومة حق للمواطن”. وهذا يتطلب قوانين شفافية قوية، ومفوضية مستقلة، ونشراً استباقياً للبيانات العامة.
خامساً، يجب دعم الإعلام المستقل ومنظمات المجتمع المدني والنقابات الحرة، لأنها المدارس العملية للتعدد والاختلاف. فالمجتمع لا يتعلم التسامح في الفراغ، بل عبر مؤسسات تتيح النقاش والمساءلة.
سادساً، يمكن للسودان أن يستفيد من تجارب قريبة في أفريقيا والعالم العربي، خاصة التجارب التي حاولت بعد الثورات أو النزاعات إدماج النساء والشباب في المجال العام، ووضع مواثيق إعلامية ضد خطاب الكراهية، وإنشاء هيئات مستقلة للمعلومات والإعلام. لكن الاستفادة لا تعني النسخ، بل اختيار ما يناسب السياق السوداني.
خاتمة
إن حرية الرأي والتعبير في السودان لن تتحقق بمجرد إسقاط نظام أو تعديل قانون. هذه خطوات ضرورية، لكنها غير كافية. فالمعركة الأعمق هي بناء إنسان ومجتمع يقبلان بأن الاختلاف ليس خطراً، وأن النقد ليس خيانة، وأن السؤال ليس قلة أدب، وأن النساء والشباب ليسوا ضيوفاً في المجال العام، بل أصحابه وشركاؤه.
نحتاج إلى دولة لا تخاف من المواطن، ومجتمع لا يخاف من الرأي، وأسرة لا تخاف من سؤال أبنائها وبناتها، ومدرسة لا تعاقب التفكير، وإعلام لا يستجدي الإذن من السلطة أو المجتمع كي يقول الحقيقة.
فالحرية لا تُبنى فقط في الدساتير، بل في اللغة اليومية، وفي طريقة تربيتنا لأطفالنا، وفي موقفنا من المرأة التي تتكلم، والشاب الذي يعترض، والصحفي الذي يسأل، والمواطن الذي يطلب معلومة. وعندما يصبح الاختلاف أمراً عادياً لا فضيحة، والسؤال حقاً لا تمرداً، يمكن عندها أن نقول إن السودان بدأ فعلاً في بناء ثقافة حرية لا مجرد نصوص عن الحرية.