شهادتي في بيوت الأشباح.. من عنف التعذيب إلى أمل العدالة الانتقالية

شيماء تاج السر، المحامية

 

أنا محمد إسماعيل إبراهيم القاضي من أبناء حي الخرطوم 3، ذلك الحي المحدود المكان ولكنه كثير الوعي. نشأت مع إخوتي وأخواتي، كلنا دراسون في الجامعات، وتلقينا تعليمنا في مدارس حكومية. كان والدي اتحادياً غرس فينا حب الوطن والانتماء إليه.

حصلت على منحة دراسية في كلية الزراعة بالقاهرة والتحقت بها مع عدد من الطلاب. كنا في تلك الفترة معارضين لحكم نميري، لكن المواطن كان يأخذ حقه، في ذلك الوقت تخرجت من الجامعة وعُدت إلى السودان عام 1976 وعملت في وزارة الزراعة، وتنقلت في عدة مناطق من ربوع السودان.

مع مرور الوقت انتبه نظام نميري إلى حملة ضدهم فتم فصلنا نحن العاملين. بعد ذلك التحقت بالقطاع الخاص. كنت قد تزوجت من ماجدة محمد علي وسكنا في الرياض، حيث كان لليسار دور كبير في المنطقة. كانت التحضيرات للانتفاضة تتم في بيوت سرية في المنطقة.

في عام 1989 قام انقلاب الجبهة الإسلامية (بعدما غيّر الإخوان المسلمون اسمهم). في اليوم التالي للانقلاب أصدر الحزب الشيوعي بياناً ضده. قررنا نحن المعارضين بناء فروع للتحالف الديمقراطي. وقتها بدأ ظهور أنباء عن التعذيب. كنت ضمن اللجنة السباعية المسؤولة عن مدينة الخرطوم، وتم بالفعل بناء ثلاثة وعشرين فرعاً للمقاومة السلمية ضد النظام في يوليو 1989.

أصدر الحزب الشيوعي بياناً في نصف صفحة حذر فيه من محاولات تصفية المدنيين، وذكر التعذيب المهين الذي تعرض له السيد الصادق المهدي، ووجّه رسالة للمجتمع الدولي حول محاولات قتل قيادات المدنيين.

 

أول ظهور لبيوت الأشباح

ظهرت أول بيوت الأشباح في أكتوبر حين كنا نبني فروع التحالف الديمقراطي في الخرطوم، سمعنا بوجود بيوت يُمارس فيها التعذيب. ورغم أنني كنت قائداً في منطقتي لم أصدق الأمر، لكن جاءتنا معلومة عن محامٍ اعتُقل ثم خرج من الاعتقال منهكاً، وأكد أنه لم يكن في سجن كوبر بل في أحد بيوت الحكومة وكان من شباك زنزانته يرى لافتة “سيتي بانك”. كُلفت بالبحث عن هذا البيت لكني لم أجده رغم المحاولات.

 

وقتها تم تكليف محمد عطا (رئيس جهاز الأمن لاحقاً) بمراقبة منازل قوى اليسار، بما في ذلك منزلنا، كما أخبرني صديق لنا من البعثيين قائلاً: “اعملوا حسابكم”. وعندما اعتُقلت تأكدت من صدق المعلومة.

 

التهديدات والاعتقال

أول اتصال من جهاز الأمن كان في 28 ديسمبر 1989. طلبوا مني العمل معهم ووعدوني بترتيب أموري وسفري للخارج في بعثات. في الزيارة الثانية كان هناك تهديد مباشر، حيث هددوني بطفلتي وبنات خالتها اللواتي كن يلعبن أمامي في الشارع، حينها جاءني عبدالله جابر فغيرت بيتي وصرت أنتقل من مكان لآخر .

جاءتني معلومة من النقابيين عن حملة وشيكة ونصحوني بعدم المبيت في بيتي، وعندما جاءوا إلى منزلي قاموا بعمليات إرهاب وصادروا بعض الأشياء ووجدوا نشرة للبروفيسور محمد محمود بعنوان “اليقظة”. أخذوا جواز سفري وأخبروا أهلي “قولوا له يجي لجهاز الأمن بكرة وحنرجع ليه له حاجاته”.

 

اجتماعنا الأخير

في آخر اجتماع للجنة السباعية للخرطوم شكك مسؤول التأمين في المكان فقررنا تغييره. وصلنا إلى منزل محمد عابدين وجاءنا بالشاي في الشارع.. وبينما كنا نشرب الشلي جاءت ثلاث عربات أمن ونزل منها عدد من الأشخاص وحاصرونا نحن مع بعض الجيران. أول من نزل من عربات الأمن عرّف بنفسه أنا الملازم أحمد شمس الدين (شقيق إبراهيم شمس الدين).

أركبوا الجميع في العربات. أنا كنت سائقاً فركب معي أحد رجال الأمن وكان يحمل مسدساً. توجهنا إلى رئاسة جهاز الأمن، لكن في الطريق توقفوا أمام بيت زميلنا الراحل أمين حسين محمد علي. دخلوا وفتشوا بيته.. وعندما جاء أمين مع طفله قالوا له: “شكراً يا أمين وكتَّر خيرك”. كان المشهد في الشارع والناس كلها تسمع.. كانت الرسالة واضحة: التشكيك في أمين وإيهام الحلة أنه هو من بلَّغ عن المجموعة، لكنني واثق من أمين كأخي، وفهمت اللعبة جيداً.

 

في رئاسة جهاز الأمن

أوصلونا إلى رئاسة جهاز الأمن. كنا ستة. اعتقلوا لاحقاً حوالي ستة إلى ثمانية أشخاص آخرين من المنطقة زعموا أنهم موجودون لتأمين الاجتماع. بينما كنا هناك جاء عدد من رجال الأمن. لاحظ أحمد شمس الدين قلم الباركر في جيبي وكان ثميناً فقال: “القلم دا سمح ما بتستاهله يا شيوعي يا كافر”.. ثم بدأ بضربي على صدري. كان الضرب مؤلماً جداً. كانت هذه بداية الحفلة كما يسمونها.

بدأ صراخ الجميع.. ضربونا بخراطيش وكرابيج، وأحدهم استخدم مرق عنقريب في تلك الحفلة. أهم شيء هو حماية رأسك، لأن المشاكل كلها تأتي من ضرب الرأس، حتى المشاكل النفسية. استمرت الحفلة حتى الساعة العاشرة.

جاء “سعادة المدير” وكان نافع علي نافع، دكتور بكلية الزراعة بجامعة الخرطوم، أعرف شكله جيداً. جلس وبدأ يبارك، ثم بدأ التعذيب المنفرد. أول شخص كان صديقي عوض هارون خرج من الغرفة يعرج والدم ينزف من وجهه. تهيأت للذي سيحدث لي. دخلت فوجدت شخصاً عرَّف نفسه: “أنا الرائد عادل عوض”.

دخل نافع بعد أن أنهى كلامه مع حسن عثمان وأعطى الأوامر، ومن ثم وقف نافع عند باب الغرفة مع مجموعة من الضباط منهم عبدالله جابر ووجه كلامه للرائد عادل عوض مهنئاً إياه بالانتصار الكبير بأنهم قبضوا على خلية كاملة.

 

نافع علي نافع

وقف التعذيب وذهبوا يتكلمون مع نافع علي نافع الذي قال: “أي مجموعة تعتقلوها عايزكم تركزوا مع الحلقة الضعيفة في المجموعة”، وأشار إليّ قائلاً: “بإذن الله تلقوا معلومات”. كان يفهم كلاب الأمن بقصد أن هذا، وأنني (وأعتذر عن استخدام الكلمة القبيحة) “حلبي” وبالتالي جبان وسنضربه ونطلع منه كل المعلومات.

أكثر اثنين في المجموعة تعرضوا للتعذيب الشديد كنت أنا ومصطفى زكي الحكيم، لكنهم لم يستطيعوا أخذ أي معلومة منا.

 

أساليب التعذيب

استمر الضرب والصفع المباشر بسرعة على الوجه. عادل عوض كان يمسك عصا ويضرب في أي مكان، كلما حاولت حماية منطقة يضربني في أخرى، حتى أصبح جسدي مليئاً بكدمات سوداء استمرت ثمانية أشهر حتى بعد أن خرجت وسافرت إلى اليمن ولاحظتها زوجتي.. أما الآثار النفسية فلا تزال تشعرني بالمهانة.

طريقة الصفع هذه تسمى “تلفونو” وهي وسيلة تعذيب موجودة في كولومبيا، وتسبب خرقاً في الأذن ودواراً، وما زلت أعالج من الدوار حتى اليوم. استخدموها مع العديد من الأشخاص. وسائل التعذيب كانت كثيرة حوالي 22 وسيلة تعذيب جسدي، و18 وسيلة تعذيب نفسي والأخير لا يقل سوءاً، فقد يكون التهديد باغتصاب زوجتك أو أخواتك أو أمك. الرائد عادل عوض كان لديه عداء غريب لعائلة القاضي والمعلومات كانت من السفاح محمد عطا الذي أصبح لاحقاً سفيراً في واشنطن.

أحد الجنود اسمه نور الدائم كان يستخدم وسيلة تعذيب معروفة: سلسلة فيها من الأمام شيء يشبه الرصاصة مربوطة بها، وبعد أن يرقد الناس في الطين يضربهم بها في نهاية الرأس.

 

التعذيب الجنسي والاغتصاب

من الوسائل التي حدثت في أبريل 1992 التعذيب الجنسي والاغتصاب، ورغم صعوبة الحديث عنه لكن لا بد من توثيق الحقائق. عادل عوض كانت أمامه أوراق منها أعداد من جريدة (الميدان)، وفي أحد الأعداد خبر عن طالب تعرض للاغتصاب أثناء الاعتقال، قال لي: “إنتو بتقولوا عننا كدا؟ إحنا الليلة حنوريكم كيف”. وكان معه ضابط طويل ممتلئ، قبيح الأخلاق والألفاظ وكان هائجاً.. قطع ملابسي ولم أشعر إلا بلزوجة جسده على جسدي، ثم حدث جرح في الشرج.. يكاد يغمى عليّ كنوع من الهروب جاءني صداع غريب شديد، شعرت أن شرياناً سينفجر في رأسي. عادل عوض كان واقفاً يضحك والضابط الآخر قال: “خليه نرسله للشماسة والكلاب”.

في تلك اللحظة انتهت فترة تعذيبي. جرّوني خارجاً مع المجموعة، كنت أسمع صراخ زملائي عوض هارون وحسن عثمان ومحمد عابدين والباقر إبراهيم.. أصبحت في حالة لا أريد أن أسمع، أحاول الهروب مما يحدث لي.

الاغتصاب لم يتم بإيلاج الذكر بل بإيلاج رجله أو إصبعه لكنه تسبب في جرح ونزيف في الشرج، أما التعذيب الجماعي فكنا نتعرض لنفس النوع من التعذيب.

 

بيت الأشباح

ساقونا في حافلة واحدة وغطونا بجوالات حوالي الساعة الثانية صباحاً وأوصلونا إلى بيت الأشباح في مشوار قصير. أدخلونا بالعربة وبدأوا يوقظون باقي الحرس حوالي خمسة عشر شخصاً.. ضربونا ضرباً شديداً وأوقفونا على الحائط بينما هم يجهزون الزنزانة رقم 5، حيث كنا نحن الستة، ثم عادوا ليضربونا بقوة. وقعت فجروني ورموني في الحوش على النجيلة. حين أفقت أرجعوني إلى الداخل. كنا نتكلم فيما سيحدث، وكان واضحاً أن القصد هو الكسر الجسدي والنفسي.

لم يسمحوا لنا بدخول الحمامات إلا في اليوم التالي الساعة الثانية ظهراً. لم نأكل أي وجبة حتى نهاية اليوم. كان التعذيب الجماعي في الحديقة ليلاً، ثم يعاد الناس إلى الزنازين. مساحة الزنزانة: 190 سم في 255 سم. طولي 175 سم، فعندما أرقد عرضياً لا تصل رجلي إلى الحائط الآخر.. كنا ستة شيوعيين أو “كفار”، كما يقولون، بالإضافة إلى اثنين من الحركة الشعبية أحدهما طفل عمره سبعة عشر عاماً كان يبيع الماء قبضوا عليه وقالوا له “أنت حركة شعبية”، وآخر بعثي، وآخر اتحادي.. كنا نرقد متلاصقين.

نحن كنا في الزنزانة رقم 5، وهناك زنزانة كان فيها العميد نصر حسن بشير نصر، وزنزانة فيها الحاج مضوي وكمال الجزولي.

 

التحقيق المنفرد والصعق بالكهرباء

ساقوني للتحقيق في رئاسة الجهاز ثم أعادوني إلى زنزانة منفردة صغيرة جداً، كنت منحنياً فيها، وكان فيها صوت مزعج ومستمر. كانوا يأتون بي إليها بعد كل عملية تعذيب ويشغلون الصوت المزعج مما يسبب تشويشاً على الذاكرة، لا أعرف إن كانت وسيلة لمسح الذاكرة أو تخليطها. بعد ثلاثة أسابيع عرفت أنني الوحيد الذي يساق إلى التعذيب أمام الرائد عادل عوض لاعتقاده أن لديَّ معلومات خطيرة وسيخرجها مني بالتعذيب.

 

من أشكال التعذيب

من أشكال التعذيب الطيارة قامت وست العرقي وأرنب نط. لكن أكثر شيء كان الضرب المبرح بالعصا والتلفون. أول من استخدم معي الصعق بالكهرباء كان عادل عوض عندما انتفضت ووقعت على المقعد وشبه مغمىً عليّ. وبعد فترة سمعت أصواتهم، ثم صُعقت بالكهرباء مرة أخرى وعادل عوض قال إنهم “بغمِّروا الزول بالكهرباء ويفيقوه بالكهرباء” .

مرة لم يكن عادل عوض متفرغاً فنقلوني إلى غرفة مكتوب عليها المدير. وطبعاً المدير لا يكون موجوداً بعد ساعات العمل الرسمية بعد الثالثة أو الرابعة. كان هناك رجل يحمل سيطان نيم أكتر من 15. قال لي: “أنا عايزك تحكي”. سألني عن الشفيع خضر والخاتم عدلان.. قال لي: “السيطان دي أنا حأكسرها فيك.. لكن أنا شايف إنك جبان وما حنلحق خمسة ستة حتتكلم”. طبعاً كسر السيطان كلها وأنا لم أقل شيئاً. كان يضرب بجنون وكأنه يتساءل كيف أتحمل، واعتبر صمتي استفزازاً له.

مرة أخرى جاءوا بي وعذبوني بواسطة ثمانية أشخاص. كنت أسمع صراخاً من غرف التعذيب الأخرى. عندما أذن أذان المغرب قاموا كلهم وغسلوا الدماء عن أيديهم وتوضأوا وصلوا ثم عادوا من الصلاة ليعذبوني. هذا هو المشروع الحضاري للإخوان المسلمين لقناعتهم بأن ما يفعلونه طبيعي، وكما قال إبراهيم السنوسي في حديثه لصحيفة (الصحافة): “التعذيب دا اجتهاد منا من أجل الإسلام والسودان.. إذا أخطأنا فلنا أجر الاجتهاد وإذا أصبنا فلنا أجران” .

 

النقل إلى البرنده

بعد حوالي 12 يوماً نقلوني إلى مكان آخر اسمه (البرندة). كنا حوالي سبعة عشر شخصاً من مختلف الجهات، بعضهم من حزب الأمة وشخص جزائري، ومن الجلادين هناك شخص اسمه حسين كان حاقداً جداً في التعذيب.

تم إطلاق سراحي في أغسطس بعد أن ألزموني بعدم الخروج من العاصمة ومنعوني من الذهاب إلى طبيب إلا بإذن، وقالوا: “لو مرضت أمشِ الصيدلية خذ علاجاً وخلاص”.. وذلك خوفاً من ظهور آثار التعذيب، وقالوا لي: “حدِّد مسجداً واحداً تصلي فيه”.

 

من أقبح الأشياء أن المهرب من التعذيب في بيوت الأشباح كان أن تصلي أو تجلس في حلقة قرآن، وهم يعتبرون أنهم بهذا قد كسروك.

فكرت في الانتحار ووضعت سيناريو باستخدام الكهرباء، وكنت أنتظر حتى أصل إلى مرحلة لا أستطيع تحملها لأنفذه. الناس الذين يخرجون من هناك يخرجون بصدمات وعصبيين جداً.

أول محاولة جادة لملاحقة كلاب جهاز الأمن كانت في يناير 2020 عن طريق مكتب الأستاذ وائل علي سعيد، وكانت الأستاذة شيماء تاج السر هي المتابعة الأساسية في رفع الدعوى حتى انتهاء التحقيق، وتم فتح البلاغ ضد المتهمين: نافع علي نافع، الملازم أحمد شمس الدين، الرائد عادل عوض وآخرين.

نعم شهدنا بدايات تحقيق العدالة حين تأكد العالم أجمع من صدق أقوالنا عن وجود بيوت الأشباح. وأثق في أن يكتمل تحقيق العدالة حين يدفع كل مشارك في هذه الجريمة الثمن. العدالة الانتقالية في السودان ستكون مختلفة عن العدالة في بقية الدول، لأنها سوف تشتمل على بند خاص بمصادرة أملاك المشاركين في التعذيب وحرمان ورثتهم من الانتفاع بأي أموال تحصلوا عليها من وظائفهم، والمثال هنا في الفلل والقصور التي يمتلكها نافع والعمارة التي يمتلكها عادل عوض في الديم.

أي إنسان تعرض للتعذيب أصيب بعاهة جسدية أو نفسية، وأنا أدعو إلى القضاء على هؤلاء الأشخاص الذين يسمون أنفسهم إسلاميين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *