الصمت أم كسر الاحتكار اللفظي؟ أسلحة السيطرة على الشارع الرقمي

اماني أبو سليم

 

في الآونة الأخيرة ​قرر كثير من المُستهدَفين بالإشاعات والتلفيق والألفاظ البذيئة، بأن يردوا الصاع صاعين بذات الأسلوب. الأكثر لفتاً للانتباه أن عدداً غير قليل من النساء خُضْن التحدي والإصرار على رد الشتائم بذات القسوة والبذاءة اللفظية لكسر احتكار الرجال لهذه اللغة في الفضاء العام.

​في المجتمعات الواقعية تعوَّدنا على مستويين من الخطاب مفصولين عن بعضهما:

​الخطاب العام: خطاب منضبط، تحكمه معايير الأدب، والمسؤولية، والتقاليد، وهو اللغة الرسمية للمجالس العامة، والأسواق، والصحافة.

​الخطاب الخاص: خطاب لا التزام فيه بحدود أخلاقية، ويُتساهَل فيه مع البذاءة، أو النكات الخارجة. هذا الخطاب كان محصوراً في السابق داخل مساحات خاصة معزولة بـساتر اجتماعي (كتجمعات الرجال المغلقة، أو جلسات النساء الخاصة)، حيث يُخجل من إظهار هذه اللغة أمام المجتمع العام.

​الذي استجد في المنصات الرقمية هو إلغاء العازل بين الحديث في المجتمعات الخاصة والحديث العام. شاشة الموبايل منحت مستخدمه شعوراً بساتر وخصوصية كأنه في مجتمع خاص به، فأعطته الشجاعة أن يقول ما يريد بالطريقة التي يريد، دون وازع أو خوف من المجتمع العام. النتيجة كانت اندلاق للخطاب الخارج عن الأدب العام الذي كان محصوراً في مجتمعات خاصة وضيقة إلى الفضاء العام، ولم يعد هناك تفريق بين فضاء عام أخلاقي وخاص مستتر.

​في الشارع الواقعي، يتخاشن الرجال مع بعضهم حين الاختلاف، ومسموح بتجاوز الأدب العام، ولا يقبل ذلك من النساء حتى وإن كان الخلاف بينهن.

في الشارع الواقعي تُحجَّم حركة المرأة، وتُحَدُّ بأسباب ووقت ملائم لخروجها، ومن العيب إذا تعرضت للتحرش أو التنمر اللفظي أن تقف للرد. بالتالي يمتلك الرجال المتنمرون والملفقون فيه حرية الحركة والحديث والونسة الخارجة، وحتى التلفيق دون رادع.

نقلت هذه الممارسات إلى الشارع الرقمي. حين يستهدف التلفيق الرجال، يكون له أن يأخذ حقه بيده، لإثبات قوته بذات السلاح وذات لغة الشارع الخشنة والخارجة.

مع خصوصية التعرض فيه للنساء، رغم غياب شرط السبب والوقت المفروضين في الشارع الواقعي، فإن اتخاذ التنمر والإرهاب النفسي بالبذاءة وتلفيق التهم يعتبر سلاحاً من العيب والصعوبة أن تقف الواحدة منهن للرد عليه، لإجبارهن على الانسحاب من الفضاء العام، ليخلو لهم الشارع الرقمي كما الشارع الواقعي.

​ ينجح الامر كثيراً لصعوبة توقيف الإشاعات والتهم الملفقة رسمياً وسرعة انتشارها. طبعاً، الإشاعة والبذاءة وتلفيق التهم أسلحة بأثر خاص حين توجه للنساء، لأنها تقفز فوق ما يطرحنه إلى الطعن الأخلاقي واستهداف الجسد والسمعة والعرض.

تبقى الأسئلة:

​هل من العدل أن نطلب من الضحية الصمت أو الصبر في بيئة رقمية تلتهم السمعة في ثوانٍ وتعتبر الصمت إقراراً بالتهمة؟.

هل من العدل، حين يقرر المستهدَف بالشتائم والتلفيق، رجلًا كان أو امرأة، أن يستخدم ذات اللغة، إن نطلب منه التوقف عن ذلك حتى لا يزيد من تلوث الفضاء العام؟.

​هل من العدل حماية نظافة الفضاء العام كهدف أسمى، والطلب من الضحايا التنازل عن حقهم الفوري في الرد بانتظار عدالة قانونية قد تأتي متأخرة أو لا تأتي؟.

ألا يعتبر ذلك نوعاً من المثالية الجامدة التي تترك المظلوم وحيداً يواجه الوصم والتشويه؟

هل نملك أخلاقياً حق لوم الضحايا أو مطالبتهم بالترفع وهم تحت مقصلة التشويه؟.

في ذات الوقت القبول والتشجيع على الرد بذات الأسلوب، هل يعني قبولنا بفضاء عام يغفل عن الأدب العام والتهذيب ويقبل انفلات البذاءة والأثر الكبير لذلك، والذي سيتضاعف مع مرور الزمن؟.

الوسائل المتاحة رقمياً لا تكفي للردع، مثلاً الحظر أو البلوك الضحية تحجب المشهد عن نفسها، لكن الجريمة تظل مستمرة ومتاحة للعامة. التقارير الجماعية أو البلاغات قد تغلق الحساب المسيء مؤقتاً، وحتى هذا الإغلاق قد يتم بعد زمن طويل من التضرر. تقييد التعليقات، يوقف الإساءة في المنشور ولا يوقفها في حساب المُسيء.

​هذا مع العلم أن اللجوء للقانون قد يعقِّد الأمر أكثر، البطء الإجرائي الشديد، وكلفة التقاضي، فضلاً عن غياب آليات رادعة وحاسمة في الجرائم عابرة الحدود عندما يكون الشاتم والمُلفق في بلد والمتضرر في بلد آخر.

هذا الواقع يضعنا جميعاً أمام تساؤل كبير وآثار مفتوحة حول شكل الفضاء الذي نصنعه بأيدينا.

​هل استسلمنا بالفعل لواقع اندلاق الحديث الخاص البذيء الخارج على فضاء العلن، ولم نعد نملك القدرة على فرز هذا السقوط الأخلاقي واللفظي وحجبه؟ وهل نقبل، كأمر واقع لا فكاك منه، أن يتحول الشارع التقليدي بكل ما فيه من ممارسات تحرش وتنمر، إلى شارع رقمي مستباح تسود فيه البذاءة المتبادلة بين الرجال والنساء علناً، ليموت أدب الحديث العام وتزول خصوصية التأدب والتهذيب إلى الأبد؟.

رغم صغر الشاشات إلا أن البذاءة تتسع، بأكثر مما اتسع لها الشارع الواقعي، والمعركة مستمرة، ولا أحد يملك اليوم إجابة قاطعة عن شكل الشارع الذي سنمشي فيه غداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *