الرئة التي حملتها الخرطوم إلى الملاجئ

كان قارئ الخرطوم يعرف أنه يستطيع أن يجد كتبه المفضلة قرب سور كمبوني، أو أن يقضي ساعة كاملة بين رفوف الدار السودانية للكتب. اليوم اختفت تلك الرفوف، وتبعثرت الكتب بين الحريق والنهب والنزوح.

المكتبات ودور النشر ومعارض الكتب هي الرئات الثقافية التي تتنفس بها المدن. وعلى قلة المكتبات الكبيرة والمعارض التي كانت بالخرطوم، وندرة كثير من العناوين العربية والأجنبية المعاصرة فيها، فإنها ظلت تؤدي دوراً مهماً في إبقاء الحياة الثقافية حية.

برندات شوارع الخرطوم كانت توسع من هذه الرئة وتضخّ أكسجيناً لطيفاً للمدينة، بكتبها المفروشة، على برندات شوارع القصر والبرلمان والبلدية والجمهورية، قرب الجامعات، عند سور مدرسة كمبوني. 

مع الفقد الكبير في الأرواح والممتلكات، بكت أيضاً الخرطوم كتبها ومكتباتها وما حاق بها بفعل الحرب.

الدار السودانية للكتب فقدت عدداً ضخماً من الكتب، ومعه ما تجاوز عمره قرناً من الزمان. وخسائر دار عزة للنشر لا تقل عن ذلك، فمع هذا الفقد، تبخرت مئات الأصول الرقمية المصممة وجاهزة على الحواسيب، لتُحرم الثقافة من ماضٍ ومستقبل بضربة واحدة. 

كما تعرضت دارا المصورات ومدارك للنشر أيضاً للحرق والنهب والإتلاف.

مكتبة مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية بجامعة أم درمان الأهلية تحولت مخطوطاتها وكتبها النادرة إلى رماد تذروه الرياح.

تحولت مئات المخطوطات والكتب النادرة والوثائق التاريخية التي جمعها البروفيسور الراحل محمد عمر بشير عبر عقود، والتي تؤرخ للحركة السياسية والثقافية والاجتماعية في السودان، إلى رماد كامل، وهي خسارة قومية وتاريخية فادحة لا يمكن تعويضها بأي ثمن.  

ولم تكن هذه سوى أمثلة من خسائر أوسع طالت عشرات المكتبات ومخازن الكتب ودور النشر ومكتبات الجامعات. 

في مقابل هذه الخسائر الفادحة يقوم الناشرون السودانيون بمحاولات لخلق رئة بديلة للثقافة السودانية، تساعدها على التنفس ومواصلة الحياة. 

استطاع بعضهم من دول اللجوء  ولضمان ألا تنقطع صلة القارئ السوداني والعربي بالمنتج الثقافي السوداني، نقل نشاطهم، مثل دار المصورات ودار عزة ومدارك، إلى عواصم عربية مثل القاهرة وأبوظبي والرياض. فأصبح متاحاً للكتب السودانية الجديدة أن تُطبع بمطابع عربية وتحصل على أرقام إيداع عربية. وقد سجلت هذه الدور حضوراً لافتاً ومؤثراً في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ومعارض الدوحة، وأبوظبي، والرياض. كانت هذه المعارض هي المنفذ لبيع إصداراتهم وحفظ توازن وجودهم الثقافي والمالي من الانهيار. 

ولم يقتصر الأمر على الورق، بل فتحت الكارثة آفاقاً للنشر الرقمي والصوتي الذي تميزت به دار مدارك، ليتجاوز الكتاب السوداني حدود الجغرافيا المقيِّدة.

وبحسب تقديرات عدد من الناشرين المشاركين، تجاوز عدد العناوين السودانية الجديدة أو المعاد طبعها خلال عامي 2025 و2026  نحو 600 عنوان، ظهرت في معارض القاهرة والدوحة.

هذا يظهر جهد المؤلفين والناشرين السودانيين في مواصلة نشر الكلمة السودانية، بتغيير مكان الطباعة والتوزيع والحفاظ على صناعة الكتاب السوداني، والتأقلم مع انتقال سوق الكتاب السوداني إلى الخارج. 

بعد استبسال الناشر والمثقف السوداني في دول اللجوء لئلا تموت الكلمة السودانية، شكلت مؤخراً عودة مكتبات ودور نشر إلى مواقعها بالخرطوم مثل الدار السودانية للكتب ودار المصورات ومدارك أملاً كبيراً لإنقاذ جانب مهم للحياة في الخرطوم. فالتحدي أن تُفتح دور، تعتمد على الورق، أبوابهافي مدينة لا تزال تلملم شظاياها. 

رغم ما يبدو عليه الأمر من ثانوية أو رفاهية أمام فقد الأرواح والممتلكات والبنية التحتية للمدينة، فإنه يمثل الروح والذاكرة لمدينة غادرها أهلها قسراً تحت وابل الرصاص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *