تقرير أممي: الطاقة الشمسية في السودان – ركيزة الأمن الغذائي والصحي في زمن الحرب

بالألواح والبطاريات.. السودانيون يكسرون ظلام الحرب بشمس لا تنطفئ

تقرير: (ديسمبر)

 

في بلد مزقته الحرب وأثقلت كاهله الأزمات الاقتصادية والانهيار المتسارع للخدمات الأساسية، برزت الطاقة الشمسية باعتبارها واحدة من أهم قصص الصمود السوداني خلال السنوات الأخيرة. فبينما تهاوت أجزاء واسعة من شبكة الكهرباء الوطنية، وتوقفت محطات التوليد وخطوط النقل عن العمل في مناطق عديدة، وجد ملايين السودانيين أنفسهم مضطرين للبحث عن بدائل تحفظ الحد الأدنى من الحياة اليومية وتضمن استمرار الإنتاج الزراعي والخدمات الصحية والأنشطة الاقتصادية.

دراسة حديثة أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في 18 مايو 2026 بعنوان “سلاسل قيمة الطاقة الشمسية في السودان” تقدم قراءة معمقة للتحولات التي شهدها قطاع الطاقة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وتكشف كيف أصبحت الطاقة الشمسية عنصراً محورياً في بقاء المجتمعات المحلية وقدرتها على التكيف مع ظروف الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي. وتؤكد الدراسة أن الطاقة الشمسية لم تعد مجرد خيار تقني أو مصدر بديل للكهرباء، بل تحولت إلى ركيزة أساسية للأمن الغذائي والصحي والاقتصادي في السودان، مع إمكانية أن تلعب دوراً أكبر في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار إذا توفرت البيئة المناسبة للاستثمار والدعم المؤسسي.

ضربة قاصمة لقطاع الكهرباء

عندما اندلعت الحرب، كانت البنية التحتية للكهرباء من أوائل القطاعات التي تعرضت لأضرار جسيمة. وتشير تقديرات الدراسة إلى أن الخسائر التي لحقت بمنظومة إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء بلغت نحو ثلاثة مليارات دولار. هذا الدمار لم يقتصر على المنشآت الفنية فحسب، بل انعكس مباشرة على حياة المواطنين، فقد غرقت أحياء ومدن بأكملها في الظلام، وتعطلت خدمات المياه والصحة والتعليم، بينما توقفت آلاف المشروعات الزراعية والصناعية الصغيرة التي تعتمد على الكهرباء في تشغيل معداتها.

وفي الوقت نفسه، واجهت البلاد أزمة حادة في الوقود بسبب تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والتخزين، وأصبح الحصول على الديزل أمراً بالغ الصعوبة في كثير من المناطق، فيما قفزت أسعاره إلى مستويات غير مسبوقة لتتجاوز في بعض الحالات عشرة أضعاف التكلفة التشغيلية للطاقة الشمسية. كما أن مضخات الديزل كانت تعاني من حدوث الأعطال والانقطاعات المتكررة في إمدادات المياه.

ووسط هذه الظروف، بدأت ملامح تحول كبير تظهر في سوق الطاقة السوداني، حيث اتجه المواطنون والمزارعون وأصحاب الأعمال الى استغلال مورد متاح مجاناً في معظم أنحاء البلاد وهو أشعة الشمس.

انقلاب في معادلة الطاقة

قبل الحرب، كان انتشار الطاقة الشمسية محدوداً نسبياً، فالكهرباء المدعومة من الشبكة القومية والديزل منخفض التكلفة كانا يوفران بدائل أرخص وأيسر في معظم المناطق. ولذلك انحصرت استخدامات الطاقة الشمسية في بعض المناطق الريفية النائية، أو في مشاريع زراعية محدودة. لكن الحرب غيرت هذه المعادلة بالكامل. فمع تدهور الشبكة الكهربائية وندرة الوقود، أصبحت الطاقة الشمسية أقل مصادر الطاقة تكلفة وأكثرها استقراراً، وارتفعت واردات الألواح الشمسية بصورة ملحوظة، كما ظهرت عشرات الشركات الصغيرة العاملة في الاستيراد والتركيب والصيانة والتدريب.

وتصف الدراسة هذه الظاهرة بأنها واحدة من أبرز الاستجابات الاقتصادية التلقائية للأزمة، حيث تكيَّف القطاع الخاص المحلي بسرعة مع الواقع الجديد رغم التحديات الأمنية والاقتصادية الكبيرة. غير أن هذا النمو لم يسلم من العديد من العقبات والمعوقات.

أزمة الأسعار والتمويل

وعلى الرغم من الانخفاض العالمي الكبير في أسعار الألواح الشمسية خلال السنوات الأخيرة، فإن المواطن السوداني لم يَستفِد من هذا التراجع. فالانهيار المستمر في قيمة الجنيه السوداني أدى إلى ارتفاع الأسعار المحلية بشكل حاد. وتشير الدراسة إلى أن سعر اللوح الشمسي بقدرة 550 واط ارتفع من نحو 75 ألف جنيه قبل الحرب إلى أكثر من 330 ألف جنيه حالياً، بينما ارتفعت أسعار البطاريات إلى أكثر من ثلاثة أضعاف مستوياتها السابقة. وأصبحت تكلفة شراء منظومة شمسية متكاملة تفوق قدرة معظم الأسر والمزارعين وأصحاب المشروعات الصغيرة. كما أن ضعف قطاع البنوك وانحسار التمويل المصرفي وصعوبة الحصول على القروض أدى إلى حرمان شرائح واسعة من الاستفادة من هذه التكنولوجيا رغم الحاجة الملحة إليها. وترى الدراسة أن مشكلة التمويل أصبحت اليوم أكبر عقبة أمام انتشار الطاقة الشمسية في السودان أكثر من التحديات التقنية نفسها.

القطاع الزراعي المستفيد الأكبر

ومن بين جميع القطاعات الاقتصادية، يبدو القطاع الزراعي الأكثر استفادة من التحول نحو الطاقة الشمسية. ففي ظل ارتفاع أسعار الوقود وتعطل الإمدادات، أصبحت المضخات العاملة بالطاقة الشمسية تمثل طوق نجاة حقيقياً للمزارعين. وتوضح الدراسة أن العديد من المشروعات الزراعية كان مهدداً بالتوقف الكامل لولا اعتمادها على أنظمة الري الشمسية. وفي ولاية القضارف وولايات النيل الأزرق ونهر النيل والجزيرة وغيرها، أصبحت الطاقة الشمسية جزءاً أساسياً من عمليات الإنتاج الزراعي.

وتورد الدراسة نماذج لمزارعين تمكنوا من مواصلة الزراعة طوال العام بعد التحول إلى الطاقة الشمسية، بعدما كانوا مضطرين للتوقف خلال مواسم معينة بسبب ارتفاع تكاليف الديزل. وفي منطقة قوبراب قرب مدينة عطبرة، ساهم مشروع لمضخات المياه الشمسية في مضاعفة إنتاج محاصيل البامية والبرتقال والبصل، وخفض تكاليف التشغيل بصورة كبيرة كما تم تركيب أنظمة مماثلة في نحو 300 مزرعة بتمويل من جمهورية كوريا.

وتشير الدراسة إلى أن الطاقة الشمسية أصبحت مرتبطةً مباشرةً بالأمن الغذائي في السودان، إذ تساعد على استقرار الإنتاج الزراعي وتقليل تكاليفه، في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أخطر أزمات الغذاء في تاريخها الحديث.

المياه مورد حيوي تحميه الشمس

لا تقل أهمية الطاقة الشمسية في قطاع المياه عنها في الزراعة. ففي العديد من المناطق المتأثرة بالنزوح والصراع، أصبحت محطات ضخ المياه الشمسية المصدر الرئيسي للمياه النظيفة. ومع تراجع إمدادات الوقود وصعوبة تشغيل المضخات التقليدية، وفرت الأنظمة الشمسية حلاً أكثر استدامةً وأقل تكلفةً.

وتشير الدراسة إلى أن عشرات الآلاف من الأسر أصبحت تعتمد على محطات مياه تعمل بالطاقة الشمسية لتلبية احتياجاتها اليومية. وفي ولاية الجزيرة، جرى تشغيل 37 محطة مياه بالطاقة الشمسية لتوفير المياه الآمنة لنحو 180 ألف شخص من السكان المحليين والنازحين والعائدين.

ولم يقتصر الأثر على توفير المياه فقط، بل امتد إلى الحد من انتشار الأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا والإسهالات، وتقليل الوقت الذي تقضيه النساء والفتيات في البحث عن المياه من مصادر بعيدة.

إنقاذ القطاع الصحي

وفي بلد يعاني نظامه الصحي من ضغوط هائلة بسبب الحرب والنزوح ونقص التمويل، لعبت الطاقة الشمسية دوراً محورياً في الحفاظ على الخدمات الصحية الأساسية. فالمستشفيات والمراكز الصحية التي كانت تعتمد على الكهرباء العامة أو المولدات، أصبحت تواجه صعوبات متزايدةً في تأمين الطاقة اللازمة لتشغيل المعدات الحيوية. ولهذا عمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على تزويد أكثر من 110 مرافق صحية بأنظمة طاقة شمسية. ساعدت هذه الأنظمة في تشغيل ثلاجات حفظ اللقاحات والأدوية الحساسة للحرارة، وضمان استمرار خدمات الطوارئ والعمليات الليلية، وتقليل الاعتماد على الوقود الذي أصبح مكلفاً ونادر التوفر. وتخلص الدراسة إلى أن الاستثمار في الطاقة الشمسية داخل القطاع الصحي أصبح ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار تنموي.

الاتصالات والاقتصاد الرقمي

ومن الجوانب اللافتة التي تناولتها الدراسة، الدور المتنامي للطاقة الشمسية في دعم قطاع الاتصالات. فشركات الاتصالات التي تغطي نحو 80% من البلاد تعتمد بصورة متزايدة على أنظمة هجينة تجمع بين الألواح الشمسية والبطاريات ومولدات الديزل. وساهم ذلك في الحفاظ على استمرارية شبكات الهاتف المحمول وخدمات الإنترنت التي أصبحت شرياناً حيوياً للاقتصاد ولحياة المواطنين. كما ساعد استمرار خدمات الاتصالات في دعم التحويلات المالية وخدمات الدفع الإلكتروني التي اكتسبت أهمية متزايدة بعد أزمة السيولة النقدية والتغييرات النقدية التي شهدتها البلاد.

سوق واعدة لكنها هشة

ورغم النمو الملحوظ في قطاع الطاقة الشمسية، إلا أن الدراسة تحذر من هشاشة السوق الحالية. فالعديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة فقدت العاملين ذوي الخبرة بسبب النزوح والهجرة، فيما دخل السوق مستوردون وتجار يفتقر بعضهم إلى الخبرة الفنية المطلوبة. كما تعاني السوق من غياب أنظمة فعالة لضمان الجودة وانتشار بعض المنتجات منخفضة الكفاءة. وتشير الدراسة إلى أن استمرار هذه التحديات قد يحد من قدرة القطاع على التوسع ويؤثر على ثقة المستهلكين.

خارطة طريق للمستقبل

تقترح الدراسة مجموعة من الإجراءات العاجلة والمتوسطة المدى لتطوير قطاع الطاقة الشمسية. وتشمل التوصيات إعفاء مكونات الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية والضرائب، وتسهيل إجراءات الاستيراد، وتوفير تمويل ميسر للأسر والمزارعين والشركات الصغيرة، وإنشاء صندوق طوارئ لدعم الوصول إلى الطاقة الشمسية. كما تدعو إلى إنشاء هيئة وطنية للطاقة المتجددة تتولى تنسيق السياسات ووضع المعايير الفنية وتطوير التشريعات اللازمة لجذب الاستثمارات.

وتوصي الدراسة كذلك بتوسيع برامج تدريب الفنيين والمهندسين وإنشاء نظم لضمان الجودة وتطوير نماذج للطاقة المجتمعية تسمح للأحياء والقرى بامتلاك وتشغيل شبكات شمسية صغيرة بصورة جماعية.

فرصة للتعافي وإعادة الإعمار

تخلص الدراسة إلى أن الطاقة الشمسية تمثل اليوم أكثر من مجرد مصدر للكهرباء في السودان، فهي أداة مهمة لدعم الإنتاج الزراعي وتأمين المياه وحماية الخدمات الصحية وتعزيز النشاط الاقتصادي في ظل الحرب. وفي وقت تواجه فيه البلاد تحديات غير مسبوقة، تبدو الطاقة الشمسية واحدة من الفرص القليلة المتاحة لبناء نموذج أكثر استدامة واستقلالية لقطاع الطاقة.

وبينما يترقب السودانيون نهاية الحرب وبدء مرحلة إعادة الإعمار، تشير تجربة السنوات الأخيرة إلى أن أشعة الشمس قد تكون أحد أهم الموارد القادرة على دعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي وإعادة الأمل إلى ملايين المواطنين الذين أنهكتهم سنوات الصراع الطويلة.

وتعليقاً على نتائج هذه الدراسة المهمة، قال لوكا رندا، الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الخرطوم “إن الطاقة الشمسية صارت اليوم من مقومات البنية التحتية الضرورية في السودان. إنها تمكِّن الزراع من سقي الحقول، والعيادات من حفظ اللقاحات، والمشاريع الصغيرة من البقاء مفتوحة، حتى في أوقات الحرب. غير أن هذا المصدر النقي الموثوق من الطاقة إنما يقوم على مؤسسات صغرى منهكة تعمل في ظروف بالغة الصعوبة. فإن لم يقدَّم دعم موجه للموردين والمستهلكين، فلن يبلغ ما له من طاقة كامنة.” وأضاف الممثل المقيم: “الطاقة الشمسية أرخص مصادر القدرة في السودان بفارق واضح، لذلك فهي الأنسب، ولكنها تحتاج الآن إلى بيئة مواتية للتوسع تشمل جمارك محددة وتيسير التمويل وتوفير فنيين مدربين وضمانات الجودة. فإذا استقام ذلك، فيمكن للطاقة الشمسية أن توفر قدرة مأمونة لملايين من السودانيين ليقودوا بأيديهم تعافيهم الكريم السريع.”

المصدر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – دراسة:

“Solar Energy Value Chains in Sudan”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *