من مسطبة المفقودين إلى ردهات السلطان

وضاح شرف الدين

 

كنتُ في زيارة خاطفة إلى السودان خلال أيام الحكومة الانتقالية التي ترأسها الدكتور عبدالله حمدوك. كان البلد يومها واقفاً على عتبة حلم مرتبك؛ يمد قدماً نحو الدولة المدنية، فيما ظلت القدم الأخرى عالقة في أوحال الدولة القديمة، بأجهزتها ومصالحها ومخاوفها وعاداتها الراسخة في احتقار الإنسان.

كان لديَّ موعد مع صديقي الأستاذ الرشيد سعيد يعقوب، وكيل وزارة الثقافة والإعلام آنذاك، في دار تجمع المهنيين السودانيين بقاردن سيتي. أوقفت سيارتي قريباً من الدار، وقبل أن أترجل لفتت نظري فتاة تجلس وحدها على المسطبة الخارجية.

كانت شابة مهندمة، ترتدي ملابس أنيقة وتحمل بين يديها أوراقاً رتبتها بعناية. بدت أناقتها غريبة وسط حرارة المكان وغباره وتوتره السياسي. لم تكن تعبث بهاتف، ولم تتطلع إلى الداخل، ولم تلتفت إلى حركة الداخلين والخارجين. كانت تحدق بعيداً، كأنها تنظر إلى نقطة لا يراها سواها، أو تنتظر شخصاً قد يأتي من جهة يستحيل أن يأتي منها أحد.

نزلت من السيارة ووقفت قبالتها لعلها تنتبه. بقيت غارقة في صمتها. اقتربت منها وسلمت، فردت بأدب واقتضاب. سألتها عن سبب جلوسها، وهل تنتظر مقابلة أحد.

قالت:
“اليوم عندنا وقفة هنا. نحن أسر المفقودين في فض اعتصام القيادة العامة. ابن عمي من المفقودين”.
ثم راحت تحكي بصوت تحاول أن تمنحه ثباتاً لا تملكه. قالت إن أفراد أسرتها من كبار السن، نساءً ورجالاً، وإنها وابن عمها كانا الشابين اللذين يتوليان رعاية العائلة وقضاء حوائجها. ذهب ابن عمها إلى الاعتصام، ثم جاء يوم الفض، وانقطعت أخباره. لا قبر تزوره الأسرة، ولا مستشفى يؤكد وجوده، ولا جهة رسمية تقول أين اختفى. تركت عملها وتفرغت للبحث عنه، وظلت تتنقل بين المؤسسات والمشارح والمستشفيات والمكاتب واللجان.

ثم قالت جملة لا تزال عالقة في ذاكرتي:

“ما دايرة أفقد الأمل. عندي إحساس إنه عايش”.

انزلقت دمعة ساخنة على وجهها، فشقّت طريقها وسط زينتها وأفسدت شيئاً من مكياجها. كانت دمعة واحدة، إلا أنها حملت ثقل بيت كامل معلّق بين الحياة والموت. لم أحتمل المشهد. غالبتني دموعي ومسحتها سريعاً، ثم تركتها ودخلت الدار وفي صدري حمل ثقيل، كأنني حملت معي جزءاً من انتظارها.

قيل لي إن الرشيد في اجتماع، وإن عليّ الانتظار. أُدخلت إلى مكتب أمجد فريد، وكانت تلك أول مرة ألتقيه فيها. أول ما لفت نظري أنه كان يدخن داخل المكتب. جلست منتظراً، وطال الانتظار، فخرجت إلى الخارج.

كان أهل المفقودين قد بدأوا يتجمعون. أمهات وآباء وأخوات وأقرباء يحملون صور الغائبين ولافتات تطالب بكشف مصيرهم. لم تكن هتافاتهم خطاباً سياسياً مجرداً، ولم تكن مطالبهم بنداً تفاوضياً يمكن تأجيله إلى اجتماع لاحق. كانوا يسألون الدولة سؤالاً بدائياً وفادحاً: أين أبناؤنا؟عدت إلى المكتب وقلت لأمجد فريد إن مظاهرة لأسر المفقودين تقوم في الخارج، وسألته إن كان من المناسب أن يخرج أحد من قيادة التجمع للتحدث إليهم، أو على الأقل للاستماع إلى مطالبهم.
لوّح بيده في ضيق وقال، بما معناه: “هؤلاء يأتون إلى هنا كل يوم، لا عليك بهم.”
صعقتني العبارة أكثر مما صعقني الدخان الذي ملأ المكتب.

لم أجد رداً فورياً. بقيت أمام ذلك التلويح القصير باليد، أحاول أن أفهم كيف يستطيع إنسان محسوب على الثورة أن يختصر مأساة أسر تبحث عن أبنائها في عبارة ضجرة. كيف يصبح حضور الضحايا المتكرر سبباً للملل؟ وكيف يتحول الإصرار على معرفة مصير إنسان مفقود إلى إزعاج يعكر صفو مكاتب الساسة؟.

خرجت مرة أخرى. كان عدد المحتجين قد ازداد، ولم يخرج إليهم أحد. وجدت نفسي أخاطبهم من دون صفة رسمية، ومن دون تفويض من تجمع المهنيين أو الحكومة. قلت لهم إن البلاد أصبحت تحت إدارة حكومة انتقالية، وإن تجمع المهنيين يمثل إحدى القوى السياسية الداعمة لها، وإن الطريق التنفيذي والقانوني يمر عبر النائب العام ووزارة العدل والجهات المختصة. كنت أحاول أن أمنحهم عنواناً يتوجهون إليه، مع أنني في داخلي كنت أعرف أن الدولة التي يحتاج فيها أهل المفقود إلى أن يسأل عابر سبيل عن باب العدالة، دولة لم تبدأ بعد في فهم معنى العدالة.

مرت السنوات، وانقلب الجيش على الحكومة الانتقالية في الخامس والعشرين من أكتوبر، ثم غرقت البلاد في حرب مدمرة. وفي مارس 2026 عُيّن أمجد فريد مستشاراً للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية لرئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان.

استقبل كثيرون الخبر بالدهشة. أما أنا، فقد أعادني التعيين فوراً إلى تلك المسطبة، وإلى الفتاة الأنيقة التي تركت عملها لتبحث عن ابن عمها، وإلى دمعتها التي شقت مكياجها، وإلى اليد التي لوّحت في ضجر قائلة “إن هؤلاء يأتون كل يوم”.

عندها أدركت أن المسافة بين تجاهل الضحية وخدمة السلطة أقصر مما نتصور.
فالانتهازية السياسية لا تبدأ دائماً عند باب القصر، ولا تولد لحظة توقيع قرار التعيين. تبدأ في لحظة صغيرة يعجز فيها المرء عن رؤية الإنسان الواقف أمامه. تبدأ حين يتحول المفقود إلى ملف، والأم الثكلى إلى مصدر إزعاج، والعدالة إلى عبء إداري، والاحتجاج إلى ضوضاء ينبغي إبعادها عن المكاتب المكيفة.

من يتدرب على تجاهل وجع الناس وهو في صف الثورة، يسهل عليه لاحقاً أن يجد لنفسه مقعداً في صف السلطة. ومن يرى الضحايا من نافذة المكتب أرقاماً متكررة، يستطيع أن يراهم من شرفة القصر خسائر جانبية في معركة السياسة.

كتب المفكر الفرنسي جوليان بندا عن «خيانة المثقفين»، قاصداً أولئك الذين يتخلون عن واجب الدفاع عن الحقيقة والعدالة، ويضعون مواهبهم في خدمة العصبية والقوة والمصلحة. الخيانة هنا ليست مجرد تغيير في الموقف السياسي؛ فالإنسان قد يراجع أفكاره، وقد تخطئ الأحزاب والتحالفات. الخيانة الأعمق تقع حين يتخلى المثقف عن ميزانه الأخلاقي، ثم يستخدم اللغة والمعرفة لتزيين الكفة التي تحمل السلطة.

ويقدم لنا التاريخ شخصيات مثل جوزيف فوشيه، الذي عبر الثورة الفرنسية والإرهاب والجمهورية والإمبراطورية والملكية، محتفظاً دائماً بموقع قريب من مركز القوة. لم يكن ولاؤه لنظام أو مبدأ، وإنما لقدرته المدهشة على شم اتجاه الريح قبل أن تتغير. كان يبدل أثوابه السياسية، بينما تبقى غريزته ثابتة: الوقوف إلى جوار الطرف الذي يملك السجن والختم والقرار.

أما تاليران، وزير العهود المتعاقبة، فقد صار مثالاً للرجل الذي ينجو من سقوط جميع الأنظمة لأنه لا يسكن أي فكرة بما يكفي ليموت معها. وهؤلاء لا ينتقلون من موقف إلى آخر نتيجة مراجعة فكرية شجاعة؛ إنهم يعيدون تعريف المبادئ كلما أعيد توزيع المقاعد.

في الفلسفة القديمة، جعل أفلاطون شخصية ثراسيماخوس تقول إن العدالة ليست سوى مصلحة الأقوى. وقد ظل هذا التصور حياً في عقول كثير من محترفي السياسة: الحق هو ما تقوله السلطة القائمة، والوطنية هي ما يخدم معسكرها، والخيانة هي كل اعتراض عليها، والضحايا المحترمون هم الذين يمكن استخدام صورهم في الخطابات. أما الضحايا الذين يطرقون الباب كل يوم، ويطالبون بإجابات محرجة، فسرعان ما يوصفون بأنهم مصدر إزعاج أو أداة في يد الخصوم.

المقزز في هذه الحالات ليس مجرد تقلّب المواقف. السياسة بطبيعتها مجال للمراجعة والتسويات والتحولات. المقزز أن يظل الشخص محتفظاً بكل مفردات الثورة بعد أن يغادر معناها؛ يتحدث عن الحرية وهو قريب من سلطة صنعتها القوة المسلحة، وعن العدالة بعدما ضاق يوماً بأهل المفقودين، وعن المدنية وهو يشن خصومته على القوى المدنية، وعن الضحايا حين تخدم ذكراهم حجته، ثم يدير لهم ظهره عندما يقفون أمام مكتبه.

إن أسوأ أنواع الوصوليين ليس ذلك الذي يعلن منذ البداية أنه يبحث عن المنصب. الأكثر خطراً هو الذي يتسلق على لغة المبادئ، ويستخدم دماء الضحايا سلماً، ثم يركل السلم بعد أن يبلغ الطابق الذي يريده. يرتدي في كل مرحلة القناع المناسب: ناشطاً حين تكون الشوارع مصدر الشرعية، خبيراً حين تصبح المنظمات الدولية باباً للنفوذ، ومستشاراً حين يعود القصر مركز توزيع الامتيازات.

هؤلاء لا يخونون رفاقهم وحدهم؛ إنهم يفسدون المعاني نفسها. يجعلون الناس يشكّون في كل حديث عن الثورة، وكل شعار عن المدنية، وكل مثقف يتحدث عن حقوق الإنسان. يتركون وراءهم مجتمعاً أكثر مرارة، يظن أن الجميع ينتظرون دورهم للدخول إلى القصر، وأن الاختلاف بين الخطيب والجنرال ليس سوى اختلاف في توقيت الوصول.

ومع ذلك، تظل هناك أشياء لا تستطيع المناصب محوها.

تظل تلك الفتاة جالسة على المسطبة.

تظل أوراقها في يدها، ونظرتها معلقة في الأفق، ودمعتها تشق زينتها في صمت. تظل تنتظر ابن عمها الذي خرج مطالباً بوطن أفضل، ثم ابتلعه مجهول كثيف. وتظل يد أخرى، في مكتب قريب، تلوّح في ضجر لأن أسر المفقودين “يأتون كل يوم”.

بين الدمعة وتلويحة اليد تتكشف سيرة سياسية كاملة.

فالسلطة لا تغيّر الناس دائماً؛ هي كثيراً ما تكشف ما كان كامناً فيهم. والمنصب لا يصنع الانتهازي من العدم؛ يمنحه فقط منصة أعلى ليعلن ما أخفاه المكتب الصغير. أما الامتحان الحقيقي للثوري فلا يقع حين تهتف له الجماهير، وإنما حين يقف أمامه إنسان ضعيف، بلا منصب ولا نفوذ ولا منفعة، ويسأله أن يصغي إلى ألمه.

في ذلك اليوم، لم تكن أسرة المفقودين تطلب امتيازاً، ولم تأتِ لتقتسم وزارة أو مقعداً في مجلس. جاءت تطلب خبراً عن أبنائها. ومن يعجز عن منح أمِّ مفقود دقائق من الإصغاء، يصعب أن نصدقه حين يحدثنا لاحقاً عن إنقاذ الوطن.

لقد تعلمت من تلك الواقعة أن المواقف الكبرى تُعرف أحياناً من حركات صغيرة: دمعة تنزل من عين فتاة، ويد ترتفع في الهواء لتصرِفَها. الأولى كانت تختصر إنسانية شعب يبحث عن أبنائه، والثانية كانت تنذر مبكراً بطريق ينتهي، عاجلاً أو آجلاً، في ردهات السلطان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *