كيف يُحسم الجدل؟

العلمانية والدولة المدنية في السودان.. ثلاثة اتجاهات في فهم العلاقة بين الدين والدولة

تقرير: إيمان فضل السيد

 

إن الجدل الذي أثاره بند “فصل الدين عن الدولة” في خارطة الطريق التي تبنتها القوى الموقعة على إعلان المبادئ في نيروبي لا يعكس انقساماً يسيراً بين مؤيدين ومعارضين، بل يكشف وجود ثلاث مقاربات فكرية وسياسية مختلفة لفهم علاقة الدين بالدولة ومستقبل النظام السياسي السوداني.

أعاد الجدل الذي أثاره بند “فصل الدين عن الدولة”، الوارد في خارطة الطريق التي طرحتها القوى الموقعة على إعلان المبادئ السوداني، فتح أحد أقدم وأعقد الأسئلة في الحياة السياسية السودانية: كيف ينبغي تنظيم العلاقة بين الدين والدولة؟.

ورغم أن النقاش يبدو في ظاهره خلافاً حول مصطلح العلمانية، فإن التمعن في مواقف القوى السياسية والفكرية المختلفة يكشف أن الأمر أكثر تعقيداً، إذ تتنافس ثلاث رؤى رئيسية لكل منها منطلقاتها الفكرية والسياسية الخاصة.

غير أن هذا الجدل ليس جديداً في الحياة السياسية السودانية، بل يمتد إلى السنوات الأولى للاستقلال. فمنذ خمسينيات القرن الماضي ظل سؤال الهوية الدستورية للدولة حاضراً في النقاش العام، ثم اكتسب أبعاداً أكثر تعقيداً مع الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب وما تبعها من خلافات حول موقع الشريعة الإسلامية في التشريع. وشكلت قوانين سبتمبر 1983 إحدى أكثر المحطات إثارة للجدل في هذا السياق، قبل أن تعيد اتفاقية السلام الشامل عام 2005 طرح قضية العلاقة بين الدين والدولة بصورة مختلفة. وبعد ثورة ديسمبر 2018 عاد النقاش مجدداً إلى واجهة المشهد السياسي، ليظل واحداً من أكثر القضايا حضوراً في مسارات البحث عن صيغة دستورية مستقرة للسودان.


الاتجاه الأول: العلمانية باعتبارها ضمانة للمواطنة المتساوية

يرى أنصار هذا الاتجاه أن الدولة يجب أن تكون محايدة تجاه الأديان والمعتقدات المختلفة، وألا تستمد شرعيتها من دين أو مذهب بعينه. وبحسب هذا الفهم، فإن العلمانية لا تعني محاربة الدين أو إقصاء المتدينين من الحياة العامة، وإنما تعني منع احتكار الدولة من قبل جماعة دينية، أو استخدام الدين أداة للتمييز بين المواطنين.

ويستند هذا الاتجاه إلى فكرة أن السودان بلد متعدد الأديان والثقافات والإثنيات، وأن تحقيق المواطنة المتساوية يتطلب فصل السلطة السياسية عن المرجعيات الدينية بما يضمن الحقوق والحريات لجميع المواطنين دون تمييز.

ويرى مؤيدو هذا الطرح أن التجارب السياسية السودانية أثبتت أن الخلط بين الدين والدولة أسهم في تعميق الصراعات والانقسامات، وأن بناء دولة ديمقراطية مستقرة يتطلب تأسيس نظام سياسي محايد تجاه الانتماءات الدينية.

ويجد هذا الطرح دعماً لدى عدد من القوى السياسية والحركات المسلحة التي ترى أن حياد الدولة تجاه الأديان يمثل شرطاً ضرورياً للحفاظ على وحدة البلاد وإدارة تنوعها الثقافي والديني، ومن بينها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، إلى جانب قطاعات من التيار الليبرالي واليساري السوداني.

الاتجاه الثاني: الدولة المدنية بديلاً عن العلمانية

يمثل هذا الاتجاه قطاعاً من القوى السياسية والفكرية التي تتحفظ على مصطلح العلمانية، لكنها لا تدعو في المقابل إلى إقامة دولة دينية أو ثيوقراطية. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الدولة المدنية القائمة على المواطنة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة قادرة على تحقيق العدالة والمساواة، دون الحاجة إلى تبني مفهوم العلمانية بصيغته الفلسفية أو التاريخية.

وفي هذا السياق تميز هيئة شؤون الأنصار وعدد من المفكرين الإسلاميين بين العلمانية باعتبارها مفهوماً نشأ في سياق أوروبي خاص ارتبط بصراع الكنيسة مع الدولة، وبين الدولة المدنية التي يمكن أن تستلهم القيم الإسلامية في الحرية والعدل والمساواة دون أن تتحول إلى دولة دينية.

كما يرى هذا الاتجاه أن أزمة السودان لم تكن في الدين نفسه، وإنما في توظيف الدين لتحقيق مكاسب سياسية أو احتكار السلطة باسم الدين. ومن هنا يدعو أنصار الدولة المدنية إلى الفصل بين الدعوة الدينية والعمل الحزبي المباشر، مع الحفاظ على حضور الدين بوصفه مصدراً للقيم والأخلاق في المجتمع.

وتتبنى هذا الفهم أطراف سياسية وفكرية متعددة، من بينها تيارات داخل حزب الأمة القومي وعدد من المفكرين الإسلاميين الإصلاحيين الذين يرون أن الدولة المدنية توفر مساحة مشتركة بين مقتضيات الديمقراطية الحديثة والمرجعية القيمية للمجتمع السوداني.

الاتجاه الثالث: نقد العلمانية من أساسها الفلسفي

يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن اختزال العلمانية في مجرد فصل الدين عن الدولة يمثل تبسيطاً لمفهوم أكثر تعقيداً. وبحسب هذا الفهم، فإن العلمانية ليست مجرد ترتيب سياسي أو دستوري، وإنما رؤية شاملة للإنسان والعالم نشأت في سياق فلسفي خاص يقوم على إبعاد المرجعية الدينية عن المجال العام وإحلال المرجعية الإنسانية أو العقلية محلها.
ويرى أنصار هذا الاتجاه أن العلمانية، خاصة في صورتها الشاملة، لا تقف عند حدود تنظيم السلطة السياسية، بل تمتد إلى إعادة تعريف القيم والمعرفة والمرجعيات الأخلاقية، بما قد يؤدي إلى تهميش البعد الروحي والديني في حياة المجتمع.

ولهذا يرفض هؤلاء التعامل مع العلمانية باعتبارها مفهوماً محايداً، ويعتبرونها مشروعاً فكرياً وثقافياً متكاملاً يتعارض مع المرجعية الدينية للمجتمع السوداني. كما يذهب بعضهم إلى أن الجدل الدائر حول العلمانية وفصل الدين عن الدولة لا يعالج جوهر الأزمة الوطنية السودانية المتمثلة في الحرب وأزمة الحكم والتنمية والعدالة، ويرون أن التركيز على هذه القضية يعكس صراعاً آيديولوجياً أكثر مما يعكس سعياً لإيجاد حلول عملية للأزمات الراهنة.

أين يقع الخلاف الحقيقي؟

المفارقة أن الاتجاهات الثلاثة قد تتفق على عدد من المبادئ الأساسية، مثل رفض الاستبداد، واحترام الحريات العامة، وضمان الحقوق المتساوية للمواطنين، ورفض استغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية. لكن الخلاف يظهر عند سؤال المرجعية: هل يجب أن تكون الدولة محايدة تماماً تجاه الدين؟ أم مدنية تستلهم القيم الدينية دون أن تخضع لها؟ أم أن العلمانية نفسها تحمل مضامين فلسفية تجعلها غير مناسبة للمجتمع السوداني؟.

التشريع.. العقدة الأساسية في النقاش

وربما يتمثل أحد أهم أوجه الخلاف في سؤال التشريع ومصدر المرجعية القانونية للدولة. فبينما يرى أنصار العلمانية أن القوانين ينبغي أن تستند إلى الدستور والإرادة الشعبية والمعايير الحقوقية المتوافق عليها، يرى أنصار الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية أن الشريعة يمكن أن تشكل مصدراً للقيم والمبادئ العامة، دون أن يؤدي ذلك إلى قيام دولة دينية أو احتكار تفسير الدين من قبل السلطة السياسية.

أما منتقدو العلمانية من منظور فلسفي فيعتبرون أن استبعاد المرجعية الدينية من المجال التشريعي لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي، بل يعكس تصوراً معيناً لطبيعة المجتمع ومصادر القيم التي تحكمه. ولهذا فإن الخلاف لا يدور فقط حول شكل الدولة، وإنما أيضاً حول السؤال المتعلق بمصدر الشرعية الأخلاقية والقانونية للتشريع.

هل الخلاف على المضمون أم على المصطلح؟

ربما ليست المشكلة الأساسية في كلمة “العلمانية” أو “الدولة المدنية” أو حتى “الدولة الإسلامية”، وإنما في تحول المصطلحات إلى هويات سياسية مغلقة. عندها يصبح الصراع حول الاسم أكثر من المضمون. فإذا سألت سودانيين من اتجاهات مختلفة عن الدولة التي يريدونها، فسنجد أن الأغلبية تتفق على أمور أساسية:

ألا يُضطهد أحد بسبب دينه أو عرقه.

أن يكون جميع المواطنين متساوين أمام القانون.

أن تكون السلطة منتخبة وخاضعة للمحاسبة.

أن تُصان الحريات العامة.

ألا يُستغل الدين للوصول إلى السلطة أو احتكارها.

أن تُحترم قيم المجتمع وثقافته وتنوعه.

لكن الخلاف يبدأ عند تسمية هذا النموذج؛ ففريق يسميه علمانياً، وفريق يسميه دولة مدنية، وفريق يسميه دولة مواطنة، بينما يفضل آخرون وصفه بالدولة الديمقراطية ذات المرجعية القيمية.
وهنا تصبح المعركة أحياناً حول المصطلح عوضاً عن أن تكون حول الواقع الذي يراد بناؤه.
كما أن التجارب العالمية نفسها لا تقدم نموذجاً واحداً جاهزاً يمكن استيراده. ففرنسا لديها فهم للعلمانية يختلف عن الولايات المتحدة، وكلتاهما تختلفان عن الهند أو تركيا، بل إن الدول التي توصف بأنها علمانية تختلف جذرياً في علاقتها بالدين والتعليم والتشريع والحياة العامة.

لذلك فإن السؤال الأهم للسودانيين قد لا يكون: هل نريد دولة علمانية أم لا؟ بل: ما هي الضمانات الدستورية والسياسية التي تجعل كل سوداني، مهما كان دينه أو عرقه أو منطقته أو معتقده، يشعر بأن الدولة دولته؟.

كيف يمكن تجاوز الاستقطاب؟

ربما لا يكون الطريق إلى حسم هذا الجدل عبر انتصار مصطلح على آخر، بقدر ما يكون عبر التوافق على المبادئ الدستورية التي تحكم الدولة. فالتجارب السياسية المعاصرة تشير إلى أن استقرار الدول لا يرتبط بالاسم الذي تحمله بقدر ارتباطه بقدرتها على حماية الحقوق والحريات وضمان المساواة بين المواطنين.

ومن هذا المنطلق، قد يكون من الممكن بناء أرضية مشتركة بين الاتجاهات المختلفة إذا جرى الاتفاق على مبادئ أساسية تشمل المواطنة المتساوية، وحرية الاعتقاد، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، والتداول السلمي للسلطة، ورفض استغلال الدين لتحقيق الهيمنة السياسية أو الإقصاء. وعندها يصبح الخلاف حول المصطلحات أقل حدة من الخلاف حول الضمانات الدستورية والمؤسسية التي تكفل هذه المبادئ على أرض الواقع.

ما بعد الجدل

قطعاً لا تكمن المعضلة السودانية في اختيار المصطلح المناسب بقدر ما تكمن في الاتفاق على المبادئ التي ينبغي أن تحكم الدولة. فالتجارب الإنسانية لا تقدم نموذجاً واحداً للعلمانية أو الدولة المدنية أو غيرهما من النماذج السياسية، وإنما تقدم تجارب متعددة تشكلت وفق خصوصيات كل مجتمع وتاريخه وثقافته.

ومن هذا المنظور، قد يكون السؤال الأهم أمام السودانيين اليوم ليس ما إذا كانت الدولة المقبلة ستوصف بأنها علمانية أو مدنية، وإنما ما إذا كانت قادرة على ضمان الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية لجميع مواطنيها.

فربما لا يكون السؤال الحاسم أمام السودانيين اليوم: هل نريد دولة علمانية أم دولة مدنية؟ بل: كيف نبني دولة يشعر فيها كل مواطن، أياً كان دينه أو عرقه أو منطقته، بأن الدولة دولته وأن القانون يحميه على قدم المساواة مع الآخرين؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *