حتى وإن لم يجتاز الدولار حاجز 6 آلاف جنيه في سوق تبادل العملات حتى الآن، فهو حتماً في طريقه لتخطي هذا الحاجز النفسي. فمنذ بداية الحرب لم يتوقف الدولار عن تسديد الضربات المتتالية للجنيه السوداني الذي لم يكن سعر تبادله في يوم 15 أبريل 2023 يتجاوز 470 جنيهاً ليصل اليوم إلى 5500 جنيه.
تدهور سعر العملة السودانية في مواجهة العملات الصعبة سيتواصل ما لم تتم معالجة الأسباب الرئيسية التي تدفعه إلى التراجع، وأولها العمل على وقف هذه الحرب اللعينة التي دخلت عامها الرابع.
الحرب قادت إلى توقف عجلة الإنتاج في البلاد، ودمرت البنيات الأساسية، وأجبرت الملايين على البقاء خلف جدران المنازل أو معسكرات اللجوء والنزوح داخل البلاد وخارجها، الأمر الذي يحرم البلاد من جهدهم الإنتاجي وقدراتهم الشرائية، وتوقف القطاعين الصناعي والزراعي عن العمل بنسبة تفوق 80%، ولن تجدي أي جهود لإعادة تشغيلهما دون توفر مدخلات الإنتاج بأسعار معقولة تسمح بتوفير عائدات متواضعة للمنتجين.
بجانب ذلك، يستنزف المجهود الحربي موارد البلاد التي يذهب جلُّها لشراء السلاح والمعدات العسكرية من الخارج وتمويل المليشيات في الداخل، وهو ما يمثل ضغطاً على سوق العملات الأجنبية، حيث تضطر حكومة بورتسودان لشراء الدولار من السوق السوداء لتغطية احتياجاتها.
أكثر من ذلك، أتاحت الظروف التي خلفتها الحرب لتجار الأزمات تهريب السلع التي كانت مصدراً للعملات الصعبة إلى دول الجوار التي أضحت المستفيد الأول من هذه الأوضاع.
ويأتي الفساد ثانياً في ترتيب مسببات الأزمة الممتدة منذ عهد النظام المباد. حث تحلقت مجموعات الفساد حول أركان سلطة قائد الجيش، فلول النظام السابق والانتهازيون الجدد من الطارئين على مجال الأعمال وكوادر الحركات المسلحة.
تستنزف هذه المجموعات موارد البلاد وفي مقدمتها الذهب الذي يتم تصديره خارج القنوات الرسمية ليمول شراء شحنات النفط لتحقيق أرباح مهولة لا تأخذ في الاعتبار حال البلاد والعباد.
دون اتخاذ خطوات جدية في اتجاه وقف الحرب ومحاصرة شبكات الفساد لن تحقق أي إجراءات تعلنها حكومة كامل إدريس أو بنك السودان النتائج المرجوة، ولن يتوقف الجنيه السوداني عن التدهور. فزيادة سعر الدولار الجمركي، أو إصدار قرارات تحد من استيراد السلع الاستهلاكية، أو حتى الإطاحة بمسؤول هنا أو هناك لتحميله المسؤولية لن تكون كافية لوقف تدهور الجنيه واستعادة الاقتصاد الوطني لعافيته.
المطلوب أن تتوقف الحرب فوراً، وأن تتخذ إجراءات فعلية لمحاربة الفساد حتى يمكننا أن نحلم بأن تستطيع عملتنا الوطنية الوقوف على أرجلها مرة أخرى واستعادة قيمتها وقدرتها الشرائية، الأمر الذي سينعكس حتماً على معيشة المواطن الذي يدفع الثمن مرتين؛ ثمن الدمار الذي أحدثته الحرب، وثمن الفساد الذي ينخر في جسد الاقتصاد.
لا للحرب.