رسالة في بريدك الخاص – أماني أبو سليم

 

في ليلتك الأولى بعد النزوح، ستكتشف أنك لا تملك خطة.

كنت قبلها تظن أنك كلما تسيطر على الأوضاع وتتحكم فيها بالتفكير وإعادة التفكير والبحث عن مفاتيح تحكم، كلما صنعت أمانك في العالم. تحيط عالمك بسياج يضمن فصله من المشاكل والمعوقات. تطمئن لمقدراتك على السيطرة، كنت تؤمن أن الأمان يأتي من السيطرة.

تتوالى الليالي والأيام لتجد نفسك في عالم غريب، لا القديم، و لا آخرٌ جديد. بينهما، تشاهدهما في ذات الآن؛ قديم تعرفه بدأ في الاختفاء شيئاً فشيئاً، وجديد يتخلق ما بانت ملامحه، لا مشاعر نحوه ولا شغف للتعرف عليه.

تنتبه إلى أن أدواتك للسيطرة ما عادت تعمل، كلما قاومت الفوضى، كلما زادت، كلما زدت من جرعة التحكم كلما قلت فاعليتها. تخاف وتكاد تنهار، تعجز عن السيطرة ومقاومة السيل الذي يهدم ما كنت تعرف كيف تتحكم فيه. كل الأشياء تتساقط من بين يديك. لوحة التحكم تتوقف ولا تستجيب لأصابعك المرتجفة.

تدعي التماسك، يكشفك قلقك الذي يصور لك طرقاً لسد الشقوق في الجدران القديمة، تستميت في الدفاع عن عالم بِتَّ تعرف أنه زائل. ولكن، من تصارع؟ بعقل أدمن الترتيب حتى في الظروف اللاعقلانية.

رحلة طويلة من تفاصيل صغيرة وإشارات متفرقة، لم تعطها حقها بالوقوف عندها ومحاولة إدراكها. كنت تلهث في الطريق الخطأ والأصعب. لم تستطع أن تدرك أن العالم بدأ يطلب أدوات غير تلك التي اعتدت عليها، وأن ما كان يفتح الأبواب بالأمس، لم يعد يفتحها اليوم.

 

وقعت الكارثة، لتجبرك على الوقوف عند تلك التفاصيل والإشارات.

غريب أن نتطور بالنقصان لا بالزيادة، أن نصحح الطريق بالفقد، مفهوم تحسه معكوساً، ما يُنْزع منّا لا ما يُضاف، يعمّق الإدراك.

أنت لا تتخلى عن السيطرة طواعية، تكابر بصمت، تخوض معركةً مع نفسك تدق طبولها  بعنف، يصيبك الإعياء لينفرط الأمر، تعترف بالعجز، تستسلم.

عندها تحدث المفاجأة، كتفاك وعضلاتك، تتوقف عن التشنج، ينسرب إلى داخلك شعور غامضٌ بالراحة. تكتشف أنه ما كنت تبحث عنه بمحاولات التحكم والسيطرة. كم كنت فاشلاً، حين كنت تظنه نجاحاً. حين كنت تظن أنك صانعٌ للأمان.

من صنع الشَقَّ لتنسرب الراحة؟ هل لأنك توقفت عن المقاومة؟ أم لأنك اكتشفت وهم الثقة بقدرتك على التحكم؟ من  أين ستستقي الثقة إذاً إن لم يكن من قدرتك؟.

 

كيف لكارثة جامعة كالحرب، توقع في بريد كل فرد رسالةً خاصة، تنزع لتقوّي، تؤلم لنستبين، تظلم لتنير الطريق. كيف لها أن تخاطبنا فرادى في كل هذه الفوضى؟.

تحاول أن تفهم الشعور الغامض، تظن أنك قادرٌ على تحويله لمرئي لتقبضه وتفسره بأدواتك القديمة، ترتبك وأنت لا تتعرف على الشفرات الجديدة.

يعاودك الشعور بالعجز، باليأس وأنت تكتشف أن الأدوات القديمة جُرِفت مع السيل، والأدوات الجديدة لم تتنزل بعد.

جزء أساسي من التجربة، أن تكون هنا ولا هنا، هناك ولا هناك. استقبال الرسالة، في لحظة يعطي إشارة الاستلام، ولكنها تدور وتدور في فلكك لزمن قد يطول أو يقصر حتى تتنزّل.

تتعلق بالقديم الذي تألفه، وتتهيَّب الجديد الذي تجهله. إذا كنت لا هنا ولا هناك، فأنت في المكان الصحيح. اصبر، استمتع بالانتظار وأنت تشاهد الرسالة وهي تكمل الدوران و تتنزل، افتحها بهدوء، استمده من ذلك الشعور الغامض، اقرأها، لا تستعجل فهمها، انتظر لتستوعبها.

معانٍ جديدة ستكون زادك في الطريق إلى عالم قادم، لا تهتدي إليه بخطوات الأمس، بل بخطوات تبدأ في جغرافيا تخصك قبل تضاريس الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *