بروفيسور/ نعمات الزبير
هل تساءلت يوماً لماذا تشعر بانقباض مفاجئ في صدرك؟
أو رغبة في العزلة؟
أو توتر دائم دون وجود سبب “منطقي” في حاضرك؟.
بسمع كتير جملة
“أنا لا أتذكر صدمات كبيرة في حياتي، لكنني حاسة دوماً أني لست بخير”.
الحقيقة العلمية هي أن الذاكرة لا تسكن في العقل وحده. فعندما نتعرض لضغوط تراكمية في مرحلة مبكرة، أو مواقف لم نجد لها مخرجاً.. فإن دماغنا لا يقوم بأرشفتها كذكرى من الماضي، بل يقوم “بـتجميدها” في مكان آخر في جسدك.
تتحول هذه الصدمات الصامتة إلى: هويتك، فيصبح “الحذر المفرط”، أو “الخوف من المبادرة” جزءاً من شخصيتك، بدلاً من أن تكون رد فعل لحدث قديم.
تتحول الذكريات الصادمة إلى خريطة حسية
ستلاقي أن جسمك يعيد تمثيل التوتر في شكل ضيق تنفس، أو آلام عضلية مزمنة، لتكون هي لغتك الوحيدة في التعبير عن الألم.
والأمر لا يتوقف عند الشعور الجسدي العصبي فقط.. بل يمتد إلى (إجبار التكرار – Repetition Compulsion).
كثيراً ما نستغرب لمَ نقع دائماً في علاقات مؤذية مشابهة لوقائع في الماضي؟
أو لماذا أضع نفسي في مواقف تعيد لي نفس شعور العجز الذي شعرت به وأنا طفل؟
من الناحية العصبية، جهازك العصبي
يحاول يائساً “حل” الصدمة القديمة عبر إعادة تمثيلها في الحاضر،
على أمل أن تنتهي هذه المرة نهاية مختلفة.
ولكن لأنك تعيد تمثيلها بنفس الخريطة الجسدية القديمة التي تحملها على جسدك.. فأنت تعيد تكرار النتيجة.
أنت لا تختار هذا الألم،
بل إن “دماغك العاطفي” يمارس ما يشبه “التجربة المكررة” لعل وعسى أن يسيطر هذه المرة على الموقف.
لكن الطريق للتحرر ليس في تكرار السيناريو، بل في إدراك أن جسدك يعيد تمثيل الماضي، وأن بإمكانك بتقنيات الوعي الجسدي أن تتدخل في هذه الحلقة لتقطع التكرار، وتكتب نهاية جديدة للقصة..
لأن نهاية القصة لا تكمن في أفكارك الحالية،
بل في “ذاكرة جسدك”
التي كتبت صفحاتها الاولى وأنت لا تزال رضيعاً.
وعشان تكتب قصة جديدة لازم ترجع للأمان تاني.
الأمان ليس فكرة.. الأمان ملمس ونبرة صوت
وحكاية بتبدأ من بدري
في الطفولة الأولى.. لا يملك الرضيع “لغة”
ليفهم بها العالم، لكنه يملك جهازاً عصبياً حساساً جداً.
الأمان الجسدي في هذه المرحلة يتشكل من خلال الأم.
إذا كان لديك جهاز عصبي هادئ، يتعلم جسدك “إيقاع الهدوء”.
دقات قلبه المنتظمة تصبح هي الموسيقى التي تضبط دقات قلبك.
اللمس الاحتوائي من الأم للجلد هو أول وسيلة تواصل مع الحياة.
اللمسة الحانية تخبر جهازك العصبي
أنت لست وحدك، العالم مكان آمن لتعيش فيه.
في علم النفس العصبي والنمو، الأمان هو ليس نتيجة بنوصل لها، بل هو التربة التي لابد منها
عشان تبدأ بذرة النمو.
بدون الأمان، يتوقف “النمو” (Growth) ويحل محله “البقاء” (Survival).
1- من منظور البيولوجي:
الجهاز العصبي للإنسان لا يمكنه القيام بوظيفتين متناقضتين في آن واحد بكفاءة عالية.
في حالة التهديد:
يوجه الجسم كل طاقته (الأكسجين، الدم، الجلوكوز) إلى العضلات والأطراف للهرب أو القتال.
هنا تتوقف عمليات الهضم، المناعة، وترميم الخلايا، وحتى نمو الفص الجبهي المسؤول عن التفكير المنطقي.
وفي حالة الأمان: عندما يرسل العصب الحائر إشارة نحن في أمان
يفتح الجسم “بوابات النمو”.
الخلايا تبدأ في الانقسام والترميم، والدماغ يبدأ في بناء وصلات عصبية جديدة (Neuroplasticity).
2- ونفسياً
لماذا وضع عالم النفس الأمريكي ماسلو الأمان في قاعدة الهرم؟
عشان لا يمكن لشخص أن يفكر في “تقدير الذات” أو “تحقيق الذات”
وهو يشعر بتهديد جسدي أو عاطفي.
الأمان هو “الوقود” اللازم للصعود لأعلى الهرم، وكتابة قصة جديدة.
وكمان جون بولبي أكد أن الطفل الذي يمتلك “تعلقاً آمناً” هو فقط من يمتلك الجرأة على “الاستكشاف”.
الطفل الخائف يظل ملتصقاً بمكانه.. أما الطفل الآمن فيتحرك بحرية لأنه يعلم أن هناك قاعدة آمنة تحميه.
النمو هو نتيجة مباشرة للاستكشاف، والاستكشاف هو ابن الأمان.
والأمان الأصل فيه الجسد،
وتغيير قصتك الأصل فيها الجسد.. وعشان كده مهم جداً يبقى عندنا وعي جسدي.
ستيفن بورجس (Stephen Porges) بيقول “جهازنا العصبي لا يحتاج لتعلم الأمان، هو يعرفه غريزياً. نحن نولد مزودين بكشاف الإدراك الحسي (Neuroception) الذي يميّز بين الأمان والتهديد قبل أن ينطق عقلنا بكلمة واحدة.
أنطونيو داماسيو (Antonio Damasio)، عالم الأعصاب الشهير، بيقول “نحن لسنا آلات تفكر وتشعر، بل نحن كائنات تشعر أولاً. ثم تفكر. الوعي الجسدي هو المادة الخام التي يُبنى عليها العقل.”
وبالتالي الوعي الجسدي هو المادة الخام لقصتك أنت.
مشكلتنا ليست في نقص الوعي، بل في أننا تعلمنا إغلاق الوعي بالجسد لنتجنب الشعور بالألم.
وبيتر ليفين بيقول
“نحن نولد ولدينا القدرة الفطرية على العودة إلى التوازن، وكل ما نحتاجه هو تعلم كيفية الاستماع إلى ذكاء الجسد مرة أخرى”.
وكل ذلك يوضح لنا حاجة مهمة جداً، وهي أن
الوعي الجسدي ليس مجرد محطة نصل إليها، لكن هو لغتنا الأم التي نسيناها في زحام الكلمات،
هو رحلتنا للأمان،
هو طريق العودة لتلك اللغة،
هو رحلتنا الحقيقية لكتابة قصة جديدة.