كرامة الوطن من كرامة معلميه
في ظل الظروف القاسية التي فرضتها الحرب على السودانيين، يواصل المعلمون السودانيون أداء مهمتهم المقدسة رغم التدمير الواسع الذي أصاب البنى التحتية للمدارس، وغياب الأمن، وتأخر المرتبات التي لم تعد تكفي لأيام معدودات. إن ما يتعرض له بُناة الأجيال وصُنّاع مستقبل هذه الأمة من انتهاكات مستمرة وممنهجة لحقوقهم الأساسية، لم يعد مجرد أزمة قطاعية عابرة، بل هو مؤشر خطير على انهيار المنظومة القيمية والتعليمية في بلادنا.
لقد تحول المعلم، الذي كان رمزاً للوقار والعيش الكريم، إلى ضحية أولى في الأزمات المتلاحقة التي تضرب البلاد. وتتعدد صور هذه الانتهاكات وتتنوع ما بين الاقتصادي والمعنوي والجسدي؛ فبينما يعاني المعلمون من حرمان ممتد من رواتبهم ومستحقاتهم المالية لأشهر طويلة في ظل تضخم طاحن، يُجبر الكثير منهم على النزوح والتهجير القسري بسبب الحروب والنزاعات، لتتحول المدارس التي كانت منارات للعلم إلى ثكنات أو مراكز إيواء، ويتحول حملة الأقلام إلى باحثين عن لقمة عيش تسد رمق أطفالهم في أسواق العمل الهامشية.
لذا كان من الطبيعي والمنطقي أن يطالب المعلمون بإصلاح البيئة الدراسية، وتوفير المعينات وتحسين الأجور ودفع متأخرات الرواتب. وبدأت تحركاتهم من ولاية كسلا، وامتدت لتشمل الولاية الشمالية والنيل الأبيض والجزيرة والخرطوم، وأخيراً ولاية النيل الأزرق، الأمر الذي يؤكد أن الأوضاع لم تعُدْ تحتمل التأجيل والتأخير والتسويف والمماطلة من قبل السلطات.
وكعادتها، لجأت سلطة الانقلاب إلى نهجها المعتاد، بمحاولة كسر تحركات المعلمين في الولايات المختلفة، عبر الاعتقالات التعسفية والملاحقات الأمنية للنقابيين والناشطين المطالبين بحقوق زملائهم، إلى الإيقاف التعسفي عن العمل والنقل التعسفي كعقوبات مبطنة لكل من يرفع صوته رافضاً لهذه الأوضاع المزرية. هذا الترهيب الممنهج يهدف إلى كسر شوكة المعلم وإسكات صوته، وهو طعنة في خاصرة الوطن، لكن هيهات أن يحقق أغراضه.. فقد ظل المعلمون السودانيون يتقدمون صفوف النضال الوطني والمطلبي في كل اللحظات الحرجة من تاريخ بلادنا، ويشهد على ذلك الدور المحوري للجنة المعلمين السودانيين في ثورة ديسمبر المجيدة.
إن المسؤولية الوطنية والمهنية تنادينا جميعا لدعم المعلمين في معركتهم عبر التأكيد على الآتي:
- أولاً: إن حقوق المعلمين في الرواتب المجزية والمستمرة، وبيئة العمل الآمنة، والرعاية الصحية، هي حقوق أصيلة غير قابلة للمساومة أو التأجيل تحت أي ذريعة.
- ثانياً: نطالب بالوقف الفوري لجميع أشكال الملاحقات والتضييق الأمنية والنقابية ضد المعلمين، وإطلاق سراح المعتقلين منهم فوراً، وإيقاف التنقلات التعسفية والتهديد بالفصل من الخدمة.
- ثالثاً: ندعو المنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني، المحلية والدولية، إلى تسليط الضوء على هذه الانتهاكات وتوثيقها وممارسة الضغط لمحاسبة المتسببين فيها.
إن الاستثمار في المعلم هو استثمار في أمن السودان ومستقبله، وإن استمرار تجاهل صرخاتهم والتهاون في حماية حقوقهم هو جريمة معجّلة النتائج بحق الأجيال القادمة. لقد آن الأوان لتستفيق الجهات المعنية من سباتها، وأن تدرك أن كرامة الوطن من كرامة معلميه، وأن قلم المعلم إذا انكسر، فلن تجد الأمة ما تكتب به مستقبلها المقبل سوى الدموع والجهل.
لا للحرب.