نحو وعي شبابي مؤسِّس: قراءة تقويمية في التجارب السابقة

نحو وعي شبابي مؤسِّس: قراءة تقويمية في التجارب السابقة

عروة الصادق

تكوّنت الحركة الشبابية السودانية خلال العقدين الماضيين في مناخ كثيف التحولات، اتسم بتسارع الوقائع، وتداخل السياسي بالأخلاقي، وتراجع الدولة بوصفها إطارًا ناظمًا للمجال العام. في هذا السياق، برز الشباب قوةً اقتحامية ذات طاقة رمزية عالية، حملت وجدان التغيير، وأسهمت في تفجير لحظات تاريخية فارقة. غير أن التجربة، حين تُقرأ بعين استراتيجية، تكشف عن فجوة بنيوية بين طاقة الفعل وإدارة المسار.

أغلب المبادرات الشبابية تشكّلت حول حدثٍ ضاغط، فغلب عليها منطق الاستجابة بدل منطق البناء. تشكّل الوعي السياسي عبر الاحتكاك المباشر بالشارع، بينما ظل التراكم المعرفي والتنظيمي في مرتبة لاحقة. هذا الاختلال أنتج حركية واسعة الأثر، محدودة الامتداد الزمني، حيث تتبدد القدرة على التحول من لحظة احتجاج إلى مشروع تاريخي ممتد.

في بنية التنظيم، سادت نزعة أفقية رفعت قيمة المشاركة، غير أن هذه الأفقية افتقرت إلى هندسة مؤسسية تضبط توزيع الأدوار وتُراكِم الخبرة. تحوّل الإجماع إلى غاية في ذاته، فصار القرار رهين المزاج الجمعي، وتراجعت القدرة على الحسم المرحلي. هذا النمط أضعف قابلية الاستمرار، وأرهق الفاعلين، وفتح المجال لتكرار الدورات ذاتها دون انتقال نوعي.

أما في مستوى الرؤية، فقد حضرت الشعارات الكبرى بقوة، بينما ظل التصور التفصيلي للدولة المؤسِّسة في طور الإشارات العامة. جرى التعامل مع السياسة بوصفها ساحة نقاء أخلاقي، أكثر من كونها حقل توازنات تاريخية. هذا الفهم أضعف مهارات التفاوض، وأربك العلاقة مع القوى الاجتماعية، وأنتج مسافة بين الخطاب والممكن السياسي.

تجربة الشباب كذلك عانت من انقطاع نسبي عن تراث الحركة الوطنية، ليس بوصفه نصوصًا مقدسة، وإنما كمخزون خبرة في إدارة التنوع، وبناء التوافق، وربط الأخلاق بالفعل العام. أدبيات مدرسة الوسط، كما تبلورت في فكر الإصلاح الوطني، قدّمت تصورًا للديمقراطية باعتبارها عملية تراكمية، تُدار بالصبر الإستراتيجي، وتستند إلى مؤسسات حية، وتوازن دقيق بين المبادئ والواقع. غياب هذا الاستلهام حرم التجربة الشبابية من أدوات قراءة الزمن الطويل.

في العلاقة مع المجتمع، برزت لغة طليعية افترضت تمثيلًا تلقائيًا لإرادة الناس، دون تأسيس قنوات مستدامة مع القواعد الاجتماعية. هذا الافتراض أضعف الجذور، وجعل الفعل السياسي معلقًا على لحظة التعاطف، أكثر من كونه امتدادًا لعقد اجتماعي متجدد.

تأسيس مرحلة جديدة يقتضي انتقالًا واعيًا من منطق الفورة إلى منطق المؤسسة، ومن السياسة بوصفها رد فعل إلى السياسة بوصفها مشروع بناء. يتطلب ذلك إعادة تعريف العمل الشبابي كرافعة وطنية تتغذى من المعرفة، وتنتظم في أطر تنسيقية مرنة، وتحفظ استقلال الفاعلين، وتنتج قرارًا جماعيًا قابلًا للتنفيذ. كما يستدعي وصل الراهن بجذور الفكر الوطني الإصلاحي، حيث تتجاور القيم مع البراغماتية، ويتحول الحلم إلى برنامج، والاحتجاج إلى تأسيس.

هذه القراءة تمهّد لأفق جديد، أفق يُدار فيه الخلاف بوصفه موردًا للفهم، وتُبنى فيه الوحدة على التنوع، وتُستعاد السياسة كفن لإدارة الممكن التاريخي، لا كمجرد تعبير عن الرغبة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *