محمد عبدالله
حين اندلعت الحرب في السودان، استعاد كثيرون تصريح الفريق أول عبد الفتاح البرهان الذي سبق اندلاعها بأشهر، حين أكد أنه لا يوجد أي خلاف بين الجيش وقوات الدعم السريع، وأن المؤسستين “على قلب رجل واحد”، وأن من يتوقع مواجهة بينهما إنما يعيش وهماً سياسياً. ولم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى انفجرت الحرب التي لا تزال تمزق السودان منذ أبريل 2023، لتصبح تلك التصريحات مثالاً صارخاً على الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع.
ويعيد ذلك إلى الأذهان المقولة الإنجليزية الشهيرة: “Don’t believe anything unless it’s officially denied”، أو “لا تصدق شيئاً حتى يتم نفيه رسمياً”. وهي عبارة ساخرة، لكنها تعكس، في كثير من الأحيان، طبيعة الخطاب السياسي في الدول التي تفتقر إلى الشفافية، حيث يصبح النفي الرسمي أحياناً مدعاة لمزيد من التساؤلات، بدلاً من أن يكون سبباً للاطمئنان.
ويبدو أن المشهد يعيد إنتاج نفسه اليوم، ولكن داخل المؤسسة العسكرية هذه المرة. فالخطاب الرسمي لا يزال يؤكد أن الجيش موحد في رؤيته للحرب، وأن قيادته تتحرك وفق موقف واحد. غير أن تطورات الأسابيع الأخيرة دفعت كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت الصورة أكثر تعقيداً مما يُعلن للرأي العام.
فالتحركات المنسوبة إلى الفريق أول شمس الدين كباشي، ولقاؤه بالمبعوث الأميركي في القاهرة، وما تردد عن مناقشات تتعلق بفرص وقف إطلاق النار، تزامنت مع مواقف صدرت عن الفريق أول البرهان بدت وكأنها تقلل من أهمية ما أثير بشأن تلك اللقاءات أو تنفي بعض ما نُسب إليها. وسواء كانت الروايات المتداولة دقيقة في كل تفاصيلها أم لا، فإن تباين الرسائل السياسية الصادرة عن قادة الصف الأول يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة بشأن طبيعة التوافق داخل القيادة العسكرية.
ومن جهة أخرى، جاءت تصريحات الفريق أول ياسر العطا، التي اتسمت في أكثر من مناسبة بنبرة تصعيدية، لتضيف بعداً آخر إلى المشهد. فقد قرأها كثير من المراقبين باعتبارها أقرب إلى خطاب القوى التي ترى أن الحرب يجب أن تستمر حتى تحقيق حسم عسكري كامل، وهو موقف يتقاطع، بحسب عدد من المحللين، مع رؤية التيارات الإسلامية التي تعارض أي تسوية سياسية في المرحلة الراهنة.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام توزيع أدوار داخل القيادة العسكرية، بحيث يخاطب كل جنرال جمهوراً مختلفاً ويؤدي وظيفة سياسية محددة؟ أم أننا أمام تباينات حقيقية يجري احتواؤها مؤقتاً، لكنها قد تبرز بصورة أوضح كلما اقتربت لحظة اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بوقف الحرب أو شكل التسوية المقبلة؟.
الإجابة ليست سهلة، ولا تتوافر معلومات كافية تسمح بالحسم. لكن التاريخ العسكري يعلمنا أن الحروب الطويلة نادراً ما تُبقي القيادات السياسية والعسكرية على قلب رجل واحد، خصوصاً عندما تتعاظم كلفتها البشرية والاقتصادية، وتتزايد الضغوط الإقليمية والدولية لإنهائها.
وفي المقابل، ظل الحديث عن تأثير الإسلاميين في القرار العسكري حاضراً بقوة في النقاش السياسي السوداني. ويذهب كثير من المحللين إلى أن بعض دوائر الحركة الإسلامية ترى في استمرار الحرب فرصة للحفاظ على نفوذها أو استعادته، بينما يرى آخرون أن حجم هذا التأثير لا يزال محل جدل، ولا يمكن الجزم به من دون معطيات قاطعة.
وسط هذا المشهد، تبدو القوى المدنية، للوهلة الأولى، وكأنها خرجت من دائرة التأثير. ففي ساحة يتحدث فيها السلاح أكثر مما تتحدث السياسة، تراجعت الأحزاب، وخفت صوت المبادرات المدنية، وأصبح ميزان القوة يميل بالكامل إلى أصحاب البنادق. غير أن هذا المشهد لا ينبغي أن يقود إلى استنتاج أن دور القوى المدنية قد انتهى.
فالتاريخ السوداني يقول غير ذلك. ففي ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985، لم يكن السلاح هو الذي رسم نهاية المرحلة، بل كانت الكلمة الأخيرة للحركة المدنية والنقابات والقوى السياسية. وقد أثبتت تلك التجارب أن الشرعية السياسية لا تُكتسب من فوهة البندقية، وإنما من القدرة على بناء توافق وطني واسع.
ولا شك أن ظروف السودان اليوم أكثر تعقيداً مما كانت عليه في تلك المحطات التاريخية، وأن انتشار السلاح وتشابك المصالح الإقليمية والدولية يجعل المقارنة محدودة. ومع ذلك، فإن الحروب، مهما طالت، تنتهي في نهاية المطاف إلى السياسة. وعندما يصل المتحاربون إلى قناعة باستحالة الحسم العسكري، يعود التفاوض ليصبح الطريق الوحيد الممكن، وعندها تستعيد القوى المدنية دورها الطبيعي بوصفها الحاضنة لأي مشروع وطني قابل للحياة.
ويبقى السؤال الأكبر: إلى أين يمضي السودان؟
إذا استمرت الحرب بالوتيرة نفسها، فإن المخاطر لن تقتصر على استمرار القتال، بل ستمتد إلى وحدة الدولة، وتماسك المجتمع، ومستقبل الاقتصاد، وإمكانات إعادة بناء المؤسسات. أما إذا بدأت التباينات داخل معسكر السلاح في الاتساع، فقد يشهد السودان إعادة اصطفاف سياسي وعسكري يفرض واقعاً جديداً، ويفتح الباب أمام تسوية تختلف عما كان مطروحاً في بداية الحرب.
وربما لا يكون السؤال الأهم اليوم هو ما إذا كان هناك صراع خفي بين الجنرالات، وإنما ما إذا كانت أي قيادة عسكرية، مهما بلغت قوتها، قادرة على إدارة دولة أنهكتها الحرب من دون مشروع سياسي جامع. فقد أثبتت التجربة السودانية، كما أثبتتها تجارب دول كثيرة، أن الانتصار العسكري قد يحسم معركة، لكنه لا يبني دولة، وأن السلام الدائم لا يصنعه السلاح وحده، بل يصنعه التوافق الوطني، وسيادة القانون، ومؤسسات تستوعب جميع السودانيين باستثناء من تورطوا في جرائم كبيرة ومن أشعلوا الحروب وولغوا في دماء الشرفاء من أهل السودان.
ولعل الدرس الأهم أن السياسة كثيراً ما تكشف ما تحاول البيانات الرسمية إخفاءه. فالتاريخ لا يكتبه النفي ولا التصريحات، وإنما تكتبه الوقائع. والوقائع التي تتشكل اليوم على الأرض ستحدد، في نهاية المطاف، ليس مآلات العلاقة بين الجنرالات فحسب، وإنما أيضاً مستقبل الدولة السودانية.