نهلة فاروق أبو عيسى
السؤال المحوري
كيف يمكن للقوى المدنية أن تجعل إيقاف الحرب، ومن ثم الاستقرار في السودان، مشروعاً جاذباً داخلياً وخارجياً؟، وكيف يمكن تحويل السلام من مطلب أخلاقي وسياسي إلى مصلحة عملية مشتركة للسودانيين وللأطراف الإقليمية والدولية المرتبطة بمسار الأزمة؟؟
مدخل
في ظل معطيات الحرب، يحتاج السودان اليوم إلى رؤية جديدة تتجاوز السؤال التقليدي: كيف نوقف الحرب؟، إلى سؤال أعمق: كيف نجعل السلام أكثر جدوى من استمرار الحرب، والاستقرار أكثر ربحاً من الفوضى؟. فالحرب لم تعد أزمة أمنية فقط، بل تحولت إلى واقع يعيد تشكيل المجتمع والدولة ومحيطها والاقتصاد والعلاقات الإقليمية. لذلك، لا يكفي تكرار الشعارات أو استدعاء المعالجات القديمة، بل المطلوب مشروع وطني يستصحب المستجدات ويوظف المعطيات ويضع حماية الإنسان السوداني وإشراكه، واستعادة الدولة، وبناء سلام مستدام في قلب الأولويات، والنظر لكل ذلك بعدسة المصالح الداخلية والخارجية والسيناريوهات الإيجابية.
أن تأتي الرؤية ضمن إطار وطني وإقليمي ودولي متكامل، لا بوصفها برنامجاً سياسياً محدوداً. فهي تنطلق من إدراك أن استمرار الحرب أوجد شبكات مصالح داخلية وأيضاً خارجية، لا يمكن تفكيكها بالخطاب السياسي وحده، ولا بتلبية المصالح الداخلية مع تجاهل المصالح الخارجية المؤثرة في القرارات المصيرية المرتبطة بوحدة السودان وبقائه. لذلك، ينبغي التوصل لطرح يجعل السلام أكثر جاذبية.. طرح يستصحب المستجدات ويوظف المعطيات بشكل يساعد على تحقيق الأهداف، ويصوّر بوضوح مكاسب السلام، ورسم سيناريوهات إيجابية تتحقق بعودة الأسواق، وتأمين أكثر للحدود، ومنع تعدد التدخلات في البحر الأحمر، وتأمين الملاحة وفتح طرق التجارة، وعودة النازحين واللاجئين، وتأمين حصص المياه وحمايتها واستعادة الخدمات، وضمان تدفق المساعدات والاستثمارات. عندها ينتقل السلام من مجرد شعار إلى مشروع عملي يحقق عائداً ملموساً للمواطن والدولة، وجاذباً للمجتمع الخارجي.
مفهوم الرؤية الاستراتيجية وجوهرها المقترح
تنطلق الرؤية الاستراتيجية المقترحة من أن استقرار السودان ووحدته وإنهاء الصراعات فيه تمثل مصلحة وطنية وإقليمية ودولية، وتحقق مكاسب متبادلة لجميع الأطراف. تُصاغ هذه الرؤية في وثيقة وطنية متكاملة يعدّها خبراء وممثلون للقوى السياسية، استناداً إلى تحليل شامل لتطورات الأزمة وأبعادها السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية. وتطرح الوثيقة وقف الحرب بوصفه مصلحة مشتركة، وتوضح مكاسب أصحاب المصلحة بما يجعل الاستقرار الخيار الأكثر جدوى وجاذبية، من خلال نهج قائم على المكسب المتبادل والإجابة عن سؤال: “ما الفائدة التي سيجنيها كل طرف؟What’s in it for me? “، ومفهوم ” موقف رابح للطرفين Win Win Situation”.
سودان مستقر خالٍ من الصراعات = المدخل الوحيد لحل الأزمات الداخلية والإقليمية والدولية
أولاً: داخلياً.. تطوير رؤية تجعل من الاستقرار خياراً جاذباً
حين تُترجم شعارات الحرية والسلام والعدالة إلى أمن وخدمات وحقوق ومشاركة، يصبح الاستقرار مطلباً شعبياً واسعاً يكسب الرؤية شرعية.
بعد سنوات من الحرب، لم تعد أولويات السودانيين محصورة في الشعارات العامة، وفي عمومياتها لا تمثل مطالبهم الآنية التي أصبحت مرتبطة مباشرة بالحياة اليومية: الأمن في الأحياء والقرى، العودة الآمنة للنازحين، حماية الممتلكات، استعادة المدارس والمستشفيات، وكل أشكال البنية التحتية، توفر الغذاء والدواء، ووجود سلطة مدنية عادلة وقادرة على إدارة الدولة. لذلك، يجب أن يخاطب مشروع السلام الناس بلغة احتياجاتهم لا بلغة النخب، بل بلغة ما يضمن لهم الحق في حياة كريمة، وتوضيح كيف سيغير الاستقرار حياة الأسر والمجتمعات فعلياً.. وبذلك تتسع رقعة المدافعين عن السلام وعن رؤية تخاطب مطالبهم الحالية والمستقبلية.
كيف نجعل وقف الحرب والاستقرار خياراً جاذباً، ونوسّع جبهة الوحدة المناهضة للحرب؟
ببناء كيان وطني مدني واسع، يُدار بشفافية وبعقلية متجددة، ويجمع القوى المدنية والسياسية والمجتمعات المحلية والمهنيين والشباب، والنساء، والنازحين، واللاجئين. ويمكن الاستفادة من تجارب وطنية سابقة في بناء العلاقات والتعبئة الشعبية، دون تكرارها كما هي، بل بتطويرها بما يناسب تحديات ما بعد الحرب.
بناء الثقة بكيان مدني ذو شرعية وقبول: كما تتطلب الرؤية اكتساب تضامن شعبي وشرعية شعبية حقيقية عبر إشراك المواطنين كشركاء في صناعة المستقبل. وفي هذا السياق، تُعاد قراءة شعارات «حرية، سلام، وعدالة» بوصفها مبادئ عملية تحتاج تفكيك بما يتناسب مع مستجدات الحرب.
التأكيد على استثنائية مرحلة ما بعد وقف الحرب: تتطلب هذه المرحلة انتقالاً استثنائياً لا يقوم على المحاصصة، بل على التغيير الحقيقي وإعادة بناء الدولة. وتشمل أولوياتها وقف التدهور الأمني، ومعالجة النزوح والفقر، واستعادة الخدمات والمؤسسات، وإصلاح التشريعات، وتهيئة بيئة لانتقال مدني ديمقراطي بكيانات تطور نفسها استعداداً لعملية مستمرة نحو التحول الديمقراطي خاضعه للقياس والمساءلة.
يصبح الاستقرار جاذباً عندما تقدم القوى المدنية نفسها كبديل موحد يمتلك رؤية واضحة وآليات عملية وقدرة على تحويل مطالب الناس إلى برنامج قابل للتنفيذ.
توظيف القدرات الفردية والقبول الشعبي: توظيف القدرات الفردية والقبول الشعبي أمر أساسي. إذ يمثل التعلم من التجارب السابقة، بنجاحاتها وإخفاقاتها، مدخلاً أساسياً لبناء مسار أكثر فاعلية في الأزمة السودانية الراهنة. فقد أظهرت تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، رغم تحدياتها، أهمية توظيف الكفاءات الفردية والمؤسسية في تشكيل كتلة سياسية واسعة، ذات امتداد داخلي وخارجي، قادرة على توحيد القواسم المشتركة وبناء علاقات دولية مؤثرة وإيصال صوت السودان إلى المنابر الإقليمية والدولية.
الكفاءة والقبول: استندت تلك التجربة إلى شخصيات ذات كفاءة ومصداقية وشبكات علاقات واسعة، وظّفت خبراتها وقبولها بين السودانيين وفي الخارج لحشد الدعم السياسي والحقوقي والإنساني، وتعزيز حضور المشروع كقوة مؤثرة. ويؤكد ذلك أن نجاح أي رؤية مدنية مستقبلية يتطلب قيادة ذات قبول عام وقدرة على تحويل العلاقات والخبرات إلى نفوذ داعم للسلام والاستقرار.
كما أن تعزيز فاعلية المشروع يتطلب توزيعاً ذكياً للأدوار يستثمر القبول الشعبي والكفاءة والخبرة، بما يمنح الخطاب مصداقية وشرعية وطنية. وعليه، ينبغي اختيار واجهات مدنية وسياسية ذات كفاءة وتأثير وقبول، وتكليفها بأدوار واضحة في مخاطبة الداخل وتمثيل المشروع. كما يتطلب ذلك تشكيل صف قيادي أول يتمتع بالمصداقية والقدرة على كسب ثقة الشارع وترجمة تطلعاته إلى برنامج عملي للسلام والاستقرار.
جعل السلام خياراً جاذباً إقليمياً ودولياً
السلام المستدام يبدأ من شرعية شعبية حقيقية، تُبنى عبر إشراك المواطنين والمتأثرين بالحرب في صناعة المستقبل
خارجياً، يجب أن تقوم الرسالة على سؤال واضح: ما الذي سيكسبه كل طرف من استقرار السودان؟. فالحرب لم تعد شأناً داخلياً، بل أصبحت مرتبطة بمصالح دول الجوار والمجتمع الدولي. لذلك، ينبغي تقديم السلام بوصفه استثماراً في الأمن والاستقرار والتنمية، وفي الموارد بشكل مستدام.. وأن لا يقدم السلام مجرد استجابة إنسانية أو موقف سياسي.
صياغة رؤية لوقف الحرب وبناء سلام مستدام من منظور المكاسب المشتركة عبر إيقاف الحرب واستقرار السودان يعزز أمن البحر الأحمر، ويحد من صراعات الوكالة، ويحوّل البلاد من ساحة تنافس إلى عامل توازن إقليمي، من خلال دولة قادرة على ضبط حدودها وموانئها والوفاء بالتزاماتها. كما تسهم الدولة المدنية المستقرة في تقليص التطرف والتجنيد والعنف وانتشاره، وترسيخ الأمن والعدالة وتوفير سبل العيش، بما ينعكس إيجاباً على الإقليم والمجتمع الدولي.
وعرض ما يثبت أن السودان المستقر يتحول من بؤرة صراع إلى منصة تعاون في ملفات الأمن الغذائي، والطاقة، والتجارة، وربط الأسواق، وإدارة الحدود. وهذا يفتح أمام دول الجوار والشركاء الدوليين مساراً أكثر أماناً واستدامة للتعاون، ويقلل أعباء النزوح واللجوء عبر تهيئة شروط العودة الطوعية الآمنة والكريمة.
وبذلك يصبح دعم السلام في السودان استثماراً مباشراً في أمن الإقليم، واستقرار الممرات البحرية، وتقليل كلفة الأزمات الإنسانية والأمنية الممتدة. وكلما قُدمت هذه المكاسب بلغة واضحة ومبنية على المصالح، أصبح الاستقرار خياراً عقلانياً وجاذباً للفاعلين الخارجيين.
الخلاصة
يتطلب وقف الحرب في السودان رؤية مدنية متجددة لا تكتفي برفض الصراع، بل تطرح السلام مشروعاً وطنياً وإقليمياً قابلاً للتنفيذ. ويستلزم ذلك كياناً مدنياً قوياً ومتزناً، يستوعب تطورات الأزمة، ويوظف المعطيات لخدمة الأولويات الداخلية والخارجية، ويقدم برنامجاً عملياً لإعادة بناء الدولة والمجتمع، مع الحفاظ على سيادة السودان ووحدته واستقلاله، بما يعزز الشرعية الداخلية والثقة الخارجية.
ورسم الحل والتسويق له من منظور أن الاستثمار في السلام ليس مكسباً للسودانيين وحدهم، بل أفضل سيناريو للأطراف الإقليمية والدولية أيضاً. السودان المستقر يمكن أن يتحول من مصدر قلق وتنافس وصراع بالوكالة إلى شريك موثوق في أمن الإقليم، وضبط الحدود، وتقليل اللجوء، وحماية البحر الأحمر، وفتح فرص التنمية والتبادل الاقتصادي. فالسلام ليس خياراً مثالياً فحسب؛ بل هو الخيار الأكثر جدوى، لأن كلفة الحرب على الجميع أكبر بكثير من تكلفة السلام.