تقارير – (ديسمبر)
من سألناهم رأيهم من خبراء قانون وقضاة ومحامين حول خطوة تعيين قضاة المحكمة الدستورية من قبل القائد العام للجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان انقسموا بين من أبدى تعجبه من الخطوة، وبين من استهتروا بها وهزئوا منها، وفريق ثالث نظر إليها على أنها خطوة تحضِّر لما بعدها، وأنها شديدة الخطورة في مسار مخطط استدامة اختطاف الدولة والسيطرة عليها من قبل قيادة الجيش وتنظيم الحركة الإسلامية المصنف منظمة إرهابية. وما أجمع عليه أهل القانون أن تعيين قضاة المحكمة في حد ذاته غير دستوري ويتعارض مع الوثيقة الدستورية التي استند عليها قائد الجيش في تعيينهم تعارضاً لا يمكن تبريره.
وهبي مختار: أطلقوا سراح أحمد هارون
في أغسطس 2025 أصدر رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، قرارًا بتعيين وهبي محمد مختار رئيسًا للمحكمة الدستورية، أي قبل عام إلا قليلاً من تعيين القضاة الـ(6) الآخرين. وقال مجلس السيادة في بيان إن “البرهان أصدر اليوم مرسومًا دستوريًا قضى بتعيين الدكتور وهبي محمد مختار رئيسًا للمحكمة الدستورية”.
المدهش أن وهبي مختار هو آخر رئيس للمحكمة الدستورية قبل الإطاحة بنظام المخلوع عمر البشير، ومن غير المفهوم لكثير ممن استطلعنا رأيهم عن رسالة البرهان من تعيين وهبي. ولا تنتهي صلة وهبي بالنظام البائد عند تعيينه من المخلوع البشير ولكن هو من طالب بالإفراج عن رموز النظام السابق وفي مقدمتهم أحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين، وأمهل النيابة العامة أسبوعين لإطلاق سراحهم أو فتح بلاغ في مواجهتهما.
ويأتي قرار البرهان بحسب مجلس السيادة استنادًا إلى توصية المفوضية القومية للخدمة القضائية، والتي قال عنها الخبير القانوني ساطع الحاج “هذه المفوضية لا تتعدى صلاحياتها شؤون القضاة، ولا يحق لها التوصية بشأن المحكمة الدستورية”.
وقد أصدر البرهان قراراً سيادياً في 12 يوليو الجاري عين بموجبه (5) قضاة وألحقه بتعيين قاضٍ سادس، وهم: سومي زيدان عطية، ابتسام أحمد عبد الله موسى، محمد أحمد محمد طاهر، محمد زمراوي ناصر همت، عليش عثمان الحاج عامر، وصلاح علي عبد المكرم عبد الله، والأخير جرى تعيينه بقرار منفصل.
إجراء كارثي
خبير القانون الدستوري الطيب العباسي بدأ حديثه بأن الفريق أول عبدالفتاح البرهان يعيد تجربة فاشلة في ما يتعلق بالمحكمة الدستورية، في إشارة إلى ما كانت عليه المحكمة في عهد المخلوع عمر البشير، إلا أنه وصف الخطوة بأنها كارثية، مشيراً إلى أن إعادة المحكمة الدستورية بمثابة مرحلة جديدة من مراحل استغلال القضاء لخدمة مصالح مشروع البقاء في السلطة من قبل البرهان وجماعة المؤتمر الوطني المحلول.
وقال العباسي: “العيب الأول الذي يكتنف تعيين قضاة المحكمة الدستورية أنه جاء من رئيس السلطة السيادية والتنفيذية، وهذا لا يتوافق مع الوثيقة الدستورية التي يستند إليها البرهان في حكمه، والتي تنص على أن تعيين قضاة المحكمة يعود إلى مجلس القضاء العالي”، ومضى شارحاً “في هذه الحالة الغرض منها تمرير قرارات لصالح البرهان أو غيره”. وسرد الطيب العباسي وقائع مهمة تتعلق بأداء المحكمة الدستورية في فترة النظام البائد من بينها انسحاب القضاة الثلاثة من جنوب السودان في المحكمة عندما قدم طعناً دستورياً في إجراء الاستفتاء، وتعطلت المحكمة إثر ذلك الانسحاب وتوقفت لأكثر من عام ولم تعاود نشاطها إلا بعد أن وقع الانفصال فعلياً وتم تعيين قاضٍ سابع للقضاة المتبقين، لأن القضاة فيها كانوا (9) قضاة وبعد انسخاب الإخوة من جنوب السودان أصبح عدد القضاة (6) ولا بد أن يكون العدد فردياً، لذلك تم تعيين قاضٍ سابع. وواصل العباسي: “هذا يفسر تعيين القاضي صلاح عبد المكرم في قرار منفصل عن القضاة الخمسة تداركاً للخطأ الذي وقع فيه مجلس السيادة”.
قضاة بمخالفة قانونية
لا خلاف على أهمية المحكمة الدستورية لدى خبراء القانون، وأن القضايا التي تفصل فيها تتعلق بالسلطة والجمهور. وقالت أستاذة القانون الدستوري الدكتورة زحل الأمين لـ(ديسمبر): “المحكمة الدستورية في غاية الأهمية للدولة، وهناك قضايا لا تنظر إلا أمامها؛ مثل قضايا الحريات وقضايا تنازع الاختصاصات بين المركز والأقاليم مثلاً وبين مستويات الحكم”. إلا أنها انتقدت الطريقة التي عين بها البرهان وهبي مختار ورفاقه، وقالت: “تعيين قضاة المحكمة الدستورية في هذه الظروف الاستثنائية بالطريقة التي تمت فيه خلل”، ومضت قائلة: “إذا استند التعيين على الوثيقة الدستورية فهي نصت في المادة (30) أن تكون محكمة دستورية مستقلة عن القضائية، وفي الفقرة (3) من المادة (30) قالت “يعيِّن رئيسُ الفضاء بالتشاور مع مجلس القضاء العالي رئيسَ وأعضاءَ المحكمة الدستورية”، وهذا ما لم يتم.
وأكدت زحل بشكل قاطع بأن تعيين وهبي ورفاقه جاء من السلطة التنفيذية و”هذا لا يجوز”، على حد قولها، لحساسية القضايا التي تنظر فيها المحكمة الدستورية المتعلقة بمنازعات مع الدولة نفسها في كثير من الأحيان، وينبغي أن تكون مستقلة عنها. ومن الملاحظات المهمة أيضاً أن مجلس القضاء العالي غير موجود، لذا فإن تشكيل المحكمة وفقاً للوثيقة الدستورية معيب. وقد ذكر مجلس السيادة في قرار التعيين بأنها بتوصية من المفوضية القومية للخدمة القضائية، واتفق رأي عدد من خبراء القانون بأن هذه اللجنة لا يمكن أن تحل محل مجلس القضاء العالي ولا اختصاص لها في التوصية، وهذا في حد ذاته مخالف للقانون والوثيقة الدستورية.
حارسة الدستور بعيداً عن الدستور
لم تنته المخالفات القانونية في تشكيل المحكمة الدستورية وتعيين وهبي ورفاقه الستة. وبحسب أستاذة القانون دكتورة زحل الطيب فإن التعيين يتنافى مع اختصاصات المحكمة نفسها، وقالت: “اختصاصات المحكمة الدستورية وفقاً للفقرة (4) من المادة (30) هي” حراسة وحماية الوثيقة الدستورية وحماية الحقوق والحريات والفصل في الأحكام والقوانين والنظر في دستورية القوانين وفقاً لأحكام الوثيقة الدستورية”، وهذا لم يُراعَ في تشكيلها إذ يتم التقيد بالوثيقة الدستورية التي أكدت على ضرورة وجود مجلس أعلى للقضاء وأن يكون التعيين” بشفافية كاملة”. وأضافت زحل بأن التشكيل لم يكن متوافقاً مع اشتراطات التعيين في الوثيقة، ولا يمكن أن يتم من جهة تنفيذية. وختمت بالقول إن “تعيين المحكمة الدستورية بهذه الطريقة غير قانوني”.
سيف الدولة: محكمة البرهان الدستورية
“البرهان في نفسه ليس عنده اعتبار ولا احترام لدستور، فهو الذي وضع يده على يد حميدتي وانتهك الدستور ومزّق نصوصه بالانقلاب عليه بقوة السلاح، بعد أن أخذ من الدستور المواد التي تُعينه على تثبيت حكم الانقلاب، ثم كشط ومسح منه كل النصوص التي وردت به في سبيل تحقيق أهداف الثورة”.
هذه العبارة مجتزأة من مقال للقانوني والكاتب المعروف سيف الدولة حمدنا الله، من مقال جاء عنوانه “محكمة البرهان الدستورية”. وأردف حمدنا الله مقاله هذا بمقال آخر عنوانه “البرهان ووهبي ورئاسة المحكمة الدستورية” جاء فيه “فالبلاد ليس بها دستور ولا نصف دستور حتى يقوم وهبي أو غيره برعاية الحقوق والحريات التي تُؤسس المحاكم الدستورية لحمايتها”. ووضح الخبير القانوني والكاتب سيف الدولة أن لا جدوى من المحكمة التي قام بتعيينها البرهان في ظل سلطة انقلبت في الأصل على الدستور في 25 أكتوبر 2021، مشيراً إلى نقطة غاية في الأهمية وهي أن من يملك سلطة التعيين يملك سلطة العزل، واستشهد بواقعة في عهد المخلوع البشير وكتب: “البشير قام بعزل رئيس المحكمة الدستورية السابق عبدالله أحمد عبدالله على خلفية مشاركته في هيئة تحكيم بقرار شفهي نقله إليه نائبه بكري حسن صالح”.
وعن تعيين وهبي مختار تحديداً رئيساً للمحكمة رجح الكاتب أن الترشيح والتعيين جاء بناءً على الخدمات الجليلة التي قدمها وهبي للمخلوع البشير في السابق. وأورد سيف الدولة عدداً من التجاوزات التي قامت بها المحكمة الدستورية لصالخ نظام البشير في عهد وهبي، وكتب “وإليك هذه النماذج من “المبادئ” أرستها المحكمة الدستورية في حماية النظام لا حماية الحقوق والحريات التي ينص عليها الدستور:
ففي الدعوى التي أقامتها صحيفة “مسارات” ضد جهاز الأمن قضت المحكمة الدستورية بأن “الرقابة المسبقة على النشر بواسطة الأمن تُعتبر سلطة دستورية”. كما حكمت في القضية المرفوعة من فاروق محمد إبراهيم ضد جهاز الأمن “بأن جرائم التعذيب تسقط بالتقادم”، و”أن التعذيب له مرجعية إسلامية”، وهي المحكمة التي أرست سابقة في قضية عمار نجم الدين ضد جهاز الأمن “بأن فترة السنة التي يقضيها المواطن في الاعتقال تُعتبر مدة معقولة”، كما قضت في حكمها في قضية فاروق أبو عيسى وأمين مكي مدني ضد جهاز الأمن “بأنه من الجائز منع المقبوض عليه من إخطار محاميه”، كما حكمت في قضية وجدي صالح وآخرين ضد جهاز الأمن “بأن تفريق المظاهرات واعتقال المتظاهرين ليس فيه مخالفة للدستور”.
ساطع: على القضاة رفض التعيين
المخالفات القانونية في تعيين قضاة المحكمة الدستورية من قبل البرهان لا حصر لها، والنقطة الخلافية الجوهرية – بحسب الخبير القانوني ساطع الحاج – تتمحور حول الانقلاب على الوثيقة الدستورية نفسها، وأشار ساطع إلى أن المسألة سياسية أراد منها البرهان إضفاء شرعية قانونية على تصرفاته وأفعاله الحالية وفي المستقبل. وقال ساطع “الحديث عن الوثيقة الدستورية بعد انقلاب 25 أكتوبر حديث بلا معنى، والتعديلات التي أجريت عليها كأنها أجريت على جسد ميت”. وأضاف قائلاً “تشكيل محكمة دستورية بهذه الطريقة المستهترة الغرض منه خدمة مشروع البرهان والإسلاميين المتعلق بالسلطة”. ومضى أكثر من ذلك وطلب من القضاة الذين تم تعيينهم رفض التعيين احتراماً للقانون وعدم القبول بقرارات يصدرها البرهان دون وجه حق.