ماذا بعد تسريبات الهدنة؟

التوازنات الإقليمية وتعقيدات الواقع السوداني

وليد عنبوور

 

ليست القيمة الحقيقية لأي هدنة في عدد الأيام التي تتوقف فيها المعارك، ولا في حجم المساعدات الإنسانية التي قد تفتح لها الطريق، القيمة في طبيعة الأسئلة التي تفرضها على مستقبل الدولة بعد أن تخفت أصوات البنادق. فالحروب الطويلة لا تنتهي عندما تصمت المدافع، تنتهي عندما تتغير البنية السياسية والعسكرية والاقتصادية التي جعلت استمرارها ممكناً، وعندها فقط يبدأ الصراع الأكثر تعقيداً على شكل الدولة الجديدة وعلى الجهة التي تحتكر القوة وتدير الاقتصاد وتمتلك حق صياغة قواعد المرحلة التالية.

ومن هذه الزاوية تبدو التسريبات، التي بثتها قناة “العربية” بشأن المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب في السودان، أكثر من مجرد مبادرة لوقف إطلاق النار، لأنها تفتح الباب أمام قراءة أوسع تتجاوز بنود الهدنة إلى محاولة استكشاف التوازنات التي تتحرك في خلفية المشهد والفاعلين الذين يعملون على إعادة ترتيب موازين الصراع وطبيعة الدولة التي قد تولد إذا نجحت هذه الجهود، مع التأكيد أن ما يرد في هذا المقال يمثل قراءة تحليلية تستند إلى المؤشرات المتاحة ويظل قابلاً للتطور مع ظهور معطيات جديدة.

 

العقدة الميدانية وفجوة “الانسحاب المتزامن”

 

تكمن الإشكالية الأكثر حساسية في البند المتعلق بإنهاء المظاهر العسكرية وإعادة تنظيم الانتشار، مع إعطاء أولوية لشمال دارفور وشمال كردفان. فهاتان المنطقتان تمثلان اليوم إحدى أهم ساحات النفوذ العسكري لقوات الدعم السريع، ولهذا يصعب تصور قبول أي قوة تملك هذا الحجم من السيطرة الميدانية بانسحاب أحادي لا يقابله ترتيب سياسي أو عسكري يحقق لها مكسباً موازياً. لأن التجارب التفاوضية في النزاعات المشابهة تؤكد أن إعادة الانتشار لا تُبنى على حسن النيات، وإنما تبنى على معادلات القوة وموازين الردع والضمانات المتبادلة.

ويبرز في هذه النقطة السؤال الأكثر أهمية: كيف يمكن تنفيذ هذا البند عملياً إذا كانت الوقائع العسكرية لا تزال تمنح كل طرف مناطق نفوذ يراها جزءاً من أوراقه التفاوضية؟ ما يقود إلى ترجيح احتمال أن تكون الصيغة الفعلية المطروحة داخل الغرف المغلقة أقرب إلى إعادة انتشار متزامنة للطرفين، بما يفضي إلى إنشاء مناطق عازلة أو منزوعة السلاح تخضع لآلية رقابة دولية أو إقليمية، لأن مثل هذا الترتيب يبدو أكثر انسجاماً مع منطق التسويات العسكرية من فرض انسحاب أحادي على أحد طرفي الحرب.

ويكتسب هذا الاحتمال قدراً إضافياً من الوجاهة عند قراءة التحفظات التي أبدتها سلطة بورتسودان تجاه الورقة المسربة. إذ تنظر قطاعات داخل المؤسسة العسكرية إلى مساواة القوات المسلحة بوصفها الجيش الرسمي للدولة مع الطرف الآخر في ترتيبات إعادة الانتشار باعتبارها خطوة تتجاوز الإجراءات الفنية وتمس بصورة المؤسسة العسكرية ودورها المستقبلي، خاصة إذا ترتب عليها إخلاء مواقع ذات أهمية استراتيجية مثل مدينة الأبيض، وذلك ما يفسر جانباً من الحساسية التي صاحبت النقاش حول هذه البنود، مع الأخذ في الاعتبار أن “منبر جدة” كان قد تعامل من الناحية الإجرائية مع طرفي الحرب بوصفهما طرفين متفاوضين ما أسس منذ وقت مبكر لإطار تفاوضي يقوم على قدر من التكافؤ داخل العملية مهما اختلفت التوصيفات القانونية والسياسية لكل طرف.

 

المطبخ الإقليمي: تباين المقاربات بين القاهرة والرياض

 

أظهرت الأسابيع الأخيرة أن إدارة الأزمة السودانية لم تعد تتحرك بإيقاع إقليمي واحد، فقد برز تباين في المقاربات بين القاهرة والرياض لا يتعلق بالهدف الاستراتيجي العام، إذ تبدو العاصمتان حريصتين على منع انهيار المؤسسة العسكرية السودانية والحفاظ عليها جزءاً من معادلة الدولة المقبلة، يتعلق بطريقة الوصول إلى هذا الهدف، وطبيعة الترتيبات السياسية والعسكرية التي ينبغي أن تسبقها أو ترافقها.

حيث تنظر القاهرة إلى السودان من زاوية الأمن القومي المباشر، لأن استمرار الحرب واستنزاف الجيش واتساع نفوذ التشكيلات المسلحة غير النظامية يخلق بيئة أمنية أكثر هشاشة على حدودها، ويمنح إثيوبيا مساحة أوسع للتحرك في ملف سد النهضة في ظل انشغال الدولة السودانية بحربها الداخلية، كما يفتح المجال أمام تشكل شبكات تتولى إدارة الموارد والمنافذ وسلاسل الإمداد بعيداً عن مؤسسات الدولة، وهي الظاهرة التي يمكن توصيفها بمفهوم “اقتصاد السيادة الموازي”، حيث لا يقتصر الأمر على وجود اقتصاد حرب، بل يتطور الأمر إلى بناء مراكز نفوذ تمارس وظائف كانت تاريخياً من اختصاص الدولة، فتدير الموارد وتؤمن طرق التجارة وتفرض الرسوم وتبني شبكات الحماية، وتتحول السيطرة الاقتصادية إلى مصدر لشرعية سياسية وأمنية تنافس شرعية الدولة نفسها، وهذه واحدة من أخطر نتائج استمرار الحرب لأنها تعيد إنتاج السلطة خارج مؤسساتها الرسمية.

ومن هذا المنطلق يمكن تفسير التحركات المصرية الأخيرة بوصفها تعكس ميلاً نحو تسوية سريعة تحافظ على النواة الصلبة للمؤسسة العسكرية وتمنع انهيارها، ولهذا كثفت خلال الفترة الأخيرة اتصالاتها وتحركاتها مع عدد من الأطراف الإقليمية والدولية واستضافة لقاء “شمس الدين الكباشي” بالمبعوث الأمريكي “مسعد بولس”. وبشأن القوى السياسية السودانية فإن توقيف بابكر فيصل لساعات في الأراضي المصرية غير منفصل عن هذه الرؤية، وهي تحركات يمكن فهمها في إطار البحث عن مقاربة أكثر ارتباطاً بالوقائع الميدانية والسياسية.

وتوحي المؤشرات بأن الرياض تولي اهتماماً أكبر لبناء غطاء سياسي ومدني وإقليمي لأي تسوية محتملة، مع حرصها على أن تجري هذه التسوية تحت رعايتها وأن تسهم في رسم ملامحها؛ وهو ما انعكس على مسارات التفاوض، من جدة إلى المنامة؛ وسعيها إلى بناء حاضنة سياسية ترافق أي اتفاق محتمل، ودعمها لمسارات انتقالية ذات طابع مؤسسي تدين لها بالولاء.

غير أن التجربة حتى الآن أظهرت أن بناء الحواضن السياسية لا يكفي وحده لإنتاج اختراق حقيقي ما لم يتوافق مع أطروحة ديسمبر، وذلك ما يفسر استمرار التعثر رغم الجهد السياسي والدبلوماسي الكبير. ومن خلال ذلك يمكن فهم تسريبات قناة “العربية” باعتبارها جزءاً من عملية إعادة تموضع سياسي وإعلامي هدفت إلى اختبار ردود الأفعال وإعادة ترتيب المشهد التفاوضي قبل الانتقال إلى أي مرحلة تنفيذية. فالطريقة التي عُرضت بها بعض البنود أوحت بأن إجراءات إعادة الانتشار تستهدف قوات الدعم السريع بصورة أساسية، وهو عرض قد يكون مقصوداً لتخفيف حدة الاعتراض داخل معسكر بورتسودان وتهيئة المناخ السياسي للتعامل مع الورقة، بينما تكشف القراءة الأعمق أن جوهر النقاش يدور حول شكل المؤسسة العسكرية بعد الحرب وحدود التنازلات الممكنة، وكيفية منع اقتصاد السيادة الموازي من التحول إلى بنية دائمة تنافس الدولة على وظائفها السيادية.

 

صراع الكتل داخل بورتسودان: تباين المقاربات وحدود القرار

 

انعكس هذا التباين الإقليمي على مراكز القرار داخل معسكر بورتسودان، حيث لم تعد الخلافات مرتبطة باختلافات شخصية بين القيادات العسكرية، لكنها أصبحت تعبر عن اختلاف في تقدير كلفة استمرار الحرب وحدود الخيارات الممكنة للتعامل معها وطريقة إدارة المرحلة المقبلة. لذلك فإن توصيف ما يجري باعتباره صراعاً بين أشخاص لا يكشف حقيقة المشهد، لأن ما يدور في العمق أقرب إلى تنافس بين مقاربتين لإدارة الأزمة؛ إحداهما ترى أن استمرار الحرب يحمل كلفة متزايدة على الدولة، والأخرى تعتقد أن أي تسوية متعجلة قد تؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ بصورة لا يمكن التراجع عنها.

وتشير الوقائع إلى أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يميل إلى إدارة التوازنات بين مراكز النفوذ المختلفة أكثر من الانحياز السريع لأي مسار تفاوضي، ما يفسر بطء قراراته مقارنة بحركة “الكباشي” الأكثر انفتاحاً على اختبار فرص التسوية. ولا يعني ذلك بالضرورة اختلافاً في الغاية النهائية بقدر ما هو اختلاف في تقدير التوقيت وفي حجم المخاطر السياسية والعسكرية التي قد تترتب على كل خيار، خاصة في ظل الضغوط التي تمارسها قوى إسلامية ومستنفَرون وبعض مراكز النفوذ العسكرية التي ترى في أي إعادة ترتيب للمشهد تهديداً مباشراً لمواقعها ومصالحها.

وتشير تحركات الكباشي خلال الفترة الماضية إلى سعيه لتوسيع شبكة اتصالاته السياسية والعسكرية مستفيداً من علاقاته مع جزء من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، وبعض مكونات الكتلة الديمقراطية ما وفر له مساحة أوسع للحركة، وأتاح له بناء شبكة دعم تتجاوز المؤسسة العسكرية التقليدية، الأمر الذي يجعل حضوره في أي ترتيبات تفاوضية أكثر تأثيراً من السابق، دون أن يعني ذلك بالضرورة حسم موازين القرار داخل معسكر بورتسودان.

وتزداد أهمية هذه التحركات إذا أخذنا في الاعتبار أن الحرب أضعفت احتكار الدولة لأدوات العنف، وأعادت الاعتبار إلى الحواضن الاجتماعية والقبلية باعتبارها أحد مصادر الحماية السياسية والعسكرية، وهذا تحول يمنح بعض القيادات قدرة أكبر على المناورة استناداً إلى شبكات النفوذ المحلية، ويجعل عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيداً، لأنها لم تعد محكومة بالمؤسسة الرسمية وحدها بقدر ما هي مرتبطة بتوازنات اجتماعية وعسكرية متشابكة.

 

تقاسم الأدوار الدولي وواقع الداخل

 

يتقاطع هذا المشهد مع ضغوط دولية متزايدة تتحرك وفق توزيع واضح للأدوار. وتشير التحركات الأمريكية الأخيرة إلى تركيز متزايد على دفع قيادة الجيش نحو الانخراط في عملية سياسية تحد من فرص عودة الإسلاميين إلى مركز السلطة، وهو ما يمكن استشفافه من خطاب مسعد بولس في مجلس الأمن، ومن إعادة تنشيط ملف الأسلحة الكيميائية؛ بينما يواصل الاتحاد الأوروبي استخدام ملفات حقوق الإنسان والعقوبات للضغط على قوات الدعم السريع والجهات الداعمة لها بهدف تقليص هامش المناورة لدى الطرفين وتهيئة البيئة لتسوية أكثر قبولاً.

غير أن نجاح أي ضغط خارجي يظل مرتبطاً بقدرته على التعامل مع واقع داخلي بالغ التعقيد، لأن الأزمة السودانية لم تعد مجرد صراع عسكري بين قوتين، فقد أنتجت الحرب اقتصاداً موازياً وشبكات نفوذ مسلحة ومراكز قوة محلية، وأصبحت بعض هذه الشبكات تؤدي أدواراً كانت تمثل جوهر وظائف الدولة، ولذلك فإن إنهاء المعارك لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة، لأن الأزمة تنتهي عندما تتغير البنية التي جعلت استمرارها ممكناً، وعندما تستعيد الدولة احتكارها للقوة والموارد والقرار العام.

 

سيناريوهات الفوضى البديلة: عندما ينتقل الصراع إلى الأرض

 

إذا كانت العقبة الأولى أمام أي تسوية تتمثل في الوصول إلى اتفاق، فإن التحدي الأكثر تعقيداً يبدأ بعد الموافقة من قيادات ذلك الاتفاق. فالقوى التي ترى في التسوية تهديداً لمواقعها أو لمصالحها لن تكتفي برفضها سياسياً، إذ لا يبعد أن تلجأ إلى إعادة إنتاج الصراع بأدوات مختلفة، ما يجعل مرحلة ما بعد الموافقة على الهدنة أكثر حساسية من مرحلة التفاوض نفسها.

ويتمثل السيناريو الأول في احتمال انتقال المواجهة إلى بؤر جديدة داخل الوسط السوداني عبر تحريك مجموعات مسلحة أو مستنفرة تشعر بأنها خرجت من معادلة الترتيبات الجديدة، مما يؤدي إلى استنزاف التحالفات الناشئة وإضعاف الثقة في الاتفاق وإعادة إنتاج حالة عدم الاستقرار تحت عناوين مختلفة.

أما السيناريو الثاني الأكثر خطورة فيتمثل في انتقال الصراع إلى المجال الاجتماعي والقبلي. ومن هذا المنظور يمكن قراءة تحركات وتحالفات جبريل إبراهيم الأخيرة بوصفها جزءاً من محاولات إعادة تشكيل موازين القوى داخل معسكر بورتسودان، وقد تتقاطع مع توجهات بعض القوى الإسلامية ومراكز النفوذ الأمنية الساعية إلى إعادة تنظيم الكتل المناطقية المسلحة بما يتيح امتلاك أوراق ضغط إضافية خلال أي عملية تفاوضية، وهو احتمال يظل مرتبطاً بمآلات التطورات السياسية والميدانية.

وتظهر مرة أخرى خطورة البنية الاقتصادية التي أنتجتها الحرب وأصبحت أداة لإنتاج النفوذ السياسي، ومن يمتلك القدرة على التحكم في هذه المفاصل الاستراتيجية يستطيع التأثير في القرار العام حتى لو لم يكن جزءاً من مؤسسات الدولة. ولهذا فإن معركة ما بعد الحرب لن تدور فقط حول تشكيل الحكومة أو توزيع المناصب، لكنها ستكون مرحلة كسر عظم حول استعادة الدولة لاحتكار وظائفها السيادية، ومنع تشكل سلطات موازية تعيش على اقتصاد الحرب وتعيد إنتاجه بصورة دائمة.

 

ماذا بعد؟

 

البيان الصادر عن مجلس الأمن والدفاع مساء الأحد الماضي برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان يؤكد أن ورقةً قُدمت من دول الوساطة، وأن مؤسسات سلطة بورتسودان ناقشتها وأعدت رداً موحداً عليها، مع نفي صحة كثير من التفاصيل التي تداولتها التسريبات الإعلامية. ويعكس ذلك أن العملية التفاوضية ما تزال مستمرة، وأن ما نُشر لا يمثل الصورة الكاملة لما يجري خلف الأبواب المغلقة.

وتقود هذه المعطيات إلى استنتاج أكثر أهمية؛ فالنقاش تجاوز حدود هدنة تمتد تسعين يوماً، وأصبح يدور حول شكل الدولة السودانية بعد الحرب، وهوية الجهة التي ستدير المرحلة المقبلة، وكيف ستُعاد صياغة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية والفاعلين المسلحين، ومن سيحتكر أدوات القوة، ومن سيدير الموارد، ومن سيضع القواعد الجديدة للنظام السياسي.

لهذا لم يعد السؤال الأكثر أهمية: هل تنجح الهدنة أم تفشل؟ فالقضية الحاسمة أصبحت تتعلق بنوع الدولة التي ستخرج من هذه الحرب، وما إذا كانت التسوية ستقود إلى استعادة الدولة لوظائفها السيادية واحتكارها المشروع للقوة، أو ستكرس موازين القوى التي أفرزتها الحرب وتمنحها فرصة للاستمرار في صورة جديدة.

ويظل معيار نجاح أي اتفاق مرتبطاً بقدرته على تفكيك اقتصاد الحرب، ومنع ترسخ اقتصاد السيادة الموازي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس تضمن خضوع القوة والموارد والقرار العام لسلطة وطنية واحدة.

وعند هذه النقطة فقط يمكن القول إن السودان دخل مرحلة ما بعد الحرب فعلاً، لأن السلام الحقيقي يبدأ عندما تستعيد الدولة احتكار وظائفها السيادية، وتتفكك شبكات النفوذ التي صنعتها الحرب، وتتحول التسوية إلى نقطة انطلاق نحو إعادة تأسيس الدولة.

فالحرب لا يحسمها توقف إطلاق النار؛ فنهايتها الحقيقية تبدأ عندما تستعيد الدولة وحدها حق إدارة القوة والموارد والقرار العام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *