للمراوغة حدود

لـ(ديسمبر) كلمة

 

على مدى الأسبوع الماضي، تسيدت المشهد الإعلامي تسريبات مصدرها قنوات “العربية” والعربية الحدث” بشأن قبول قائد الجيش السوداني للورقة الأمريكية بشأن الهدنة الإنسانية وتحفظاته على أحد بنودها. هذه التسريبات ارتبطت أولاً ببيان وزارة الخارجية السودانية التي نفت حديث المبعوث الأمريكي، مسعد بولس، في مجلس الأمن الذي اعتبر فيه الجيش السوداني مسؤولاً عن عرقلة جهود السلام. كما ارتبطت كذلك بالمعلومات المتناقضة التي أوردتها نفس القنوات الأخبارية بشأن لقاء الفريق شمس الدين كباشي بالمبعوث الأمريكي وهل تم بعلم البرهان أو من دونه.

واضطر مسعد بولس للرد شخصياً على هذه التسريبات بتغريدة قال فيها: “لقد أخطأت بعض التعليقات والتقارير الصادرة مؤخراً في وصف الجهود الحالية الرامية إلى التفاوض على هدنة إنسانية وخطة سلام للسودان. إن المزاعم الأخيرة التي تفيد بقبول القضايا الجوهرية بالكامل هي مزاعم غير دقيقة، وكذلك الحال بالنسبة للادعاءات القائلة بأن هناك قضية واحدة فقط لا تزال عالقة. إذ لا نزال نواصل المناقشات ونحث الأطراف المعنية على النظر في مقترحات محددة، في ظل وجود قضايا جوهرية متعددة لم يتم قبولها بعد، أو قوبلت بالرفض القاطع”.

ومن الواضح أن هناك تحركات من قوى إقليمية من أجل توفير غطاء للبرهان، وهي التي تقف وراء هذه التسريبات. وتشير المعلومات إلى أن المبعوث الأمريكي أبلغ حلفاء البرهان الإقليميين في الاجتماع الأخير في “العلمين” المصرية بأن صبر الإدارة الأمريكية قد بدأ ينفد، وهو الأمر الذي ظهر بوضوح من قرار إعادة فتح ملف الأسلحة الكيميائية عبر سلسلة من العقوبات على الجيش وحلفائه، وكذلك عبر المطالبة ببعثة تقصي حقائق دولية والدعوة لإبعاد السودان من عضوية المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي يوجد مقرها في لاهاي.

من جانبه، صعَّد الاتحاد الأوروبي من ضغوطه على أطراف الحرب في السودان عبر الإعلان عن فرض حظر على واردات الذهب من السودان وكل المدخلات التي تستخدم في استخراجه، وهو أمر ستتضرر منه أيضا أطراف إقليمية مؤيدة للطرفين.

وفي ظل هذه التطورات، عاد قائد الجيش ليؤكد في حديث له عقب صلاة الجمعة في منطقة أم مرحي بولاية الخرطوم بأنه مستمر في حربه، وأنه رافض لأي عملية تفاوض. في نفس الوقت بعث نائبه؛ مالك عقار، برسائل يدعو فيها القوى السياسية للحوار.

وقد أكد اجتماع مجلس الأمن والدفاع الأخير عدداً من الحقائق التي يجب تسليط الضوء عليها:

–           هناك تقسيم أدوار يتمظهر في خلاف بين الفريق شمس الدين الكباشي الذي يدعو للتعاطي بإيجابية مع التحركات الدولية، في تناغم مع موقفه في “المنامة”، والفريق ياسر العطا الذي يتبنى خط الفلول المتشدد الرافض لأي حلول سلمية، بالرغم من عجز الجيش على مدى ثلاث سنوات من تحقيق انتصار عسكري حاسم.

–           أن مجموعات القوات المشتركة أصبحت حليفاً موضوعياً للإسلاميين في مواجهة “البرهان” الذي يتحرك بشكل منفرد بدون علم حلفائه، وأن التصريحات الأخيرة لمسعد بولس هي التي أجبرته على دعوة مجلس الأمن والدفاع للاجتماع. وفي ذات الوقت تعيش القوات المشتركة حالة انقسام داخلي بعد الخلافات الأخيرة داخل “الكتلة الديمقراطية” بشأن جهود السلام.

في مثل هذه الظروف، لن يستطيع قائد الجيش اتخاذ أي قرار حاسم لصالح المضيِّ في تفاوض جدي، وسيواصل “المرواغة” ومحاولات كسب الوقت، ما يعني أن ساعة المواجهة مع المجتمع الدولي تقترب وحينها سيتنكر له أقرب حلفائه الإقليميين ويتركونه وحيداً بدون أي هامش للمناورة.

 

لا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *