تحقيق: خاص (ديسمبر)
قبل أكثر من عام نشرت صحيفة (ديسمبر) على صدر صفحتها بداية من عددها الثاني مواداً تضمنت كشفاً وفضحاً لخطط وتحركات واجهات سلطة القائد العام للجيش، المتحالف مع فلول حزب المؤتمر الوطني المحلول، عبر السفارات السودانية بالخارج من أجل إحكام سيطرة عناصرهم وكوادرهم على الجاليات السودانية بالخارج، والذي جاء استكمالاً للتحركات المباشرة للفلول بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م عبر جهاز المغتربين بتنظيم انتخابات الجاليات السودانية بالخارج بموجب لائحة أعدها جهاز المغتربين في العام 2022م دون تشاور مع الجاليات، والتي أعلن في نوفمبر 2024م بدء العمل بموجبها بغرض تعيين وتكليف لجان تسيير للجاليات.
شهد ملف اختيار الجاليات السودانية في عدد من الدول خاصة بالخليج تطورات متسارعة صوب فرض واقع “التمكين” لتعزيز “السيطرة”. ففي بعض الأحيان يتم ربط الأمر وباعتباره “جزءاً من حرب استرداد الكرامة في مواجهة المليشيا التي نهبت المدخرات وأذلت الناس”، أو “مناصرة الجيش ضد الأعداء”، أو حتى ضمن مواجهة “القحاتة الجناح السياسي للمليشيا”، في ظل تغييب حقيقة رئيسية تتمثل في الجهة الأساسية المشتركة لهذه الادعاءات ممثلة في عناصر ومنسوبي حزب المؤتمر الوطني المحلول المتخفين تحت ثوب مناصرة الجيش ومساندته، في حين أن الحقيقة الواضحة للعيان أنهم يهدفون من الحرب إلى “استعادة تمكينهم داخل السودان وخارجه”.
تعد الواقعة الخاصة بتعيين لجنة تسيير للجالية السودانية بدولة قطر الصادر في 21 أبريل 2025م الدليل الأبرز، حيث تضمن القرار تسمية (22) شخصاً كلجنة تسيير، (18) منهم ومنهن معروفون بالانتماء السياسي للحزب المحلول. أما الفضيحة الأكبر فكانت يومها تسمية أعضاء بتلك اللجنة دون مشاورتهم، ووضح أن مقصدها “التضليل وإخفاء أثر عناصر الحزب المحلول”. لكن السحر انقلب على الساحر حينما أعلن الأعضاء الأربعة عدم مشاركتهم في تلك اللجنة، وتمسكوا بتنظيم انتخابات الجالية وفقاً لأحكام النظام الأساسي للجالية السودانية بقطر 2005م المعدل 2020م بوصفه يمثل الإرادة الحقيقية للجالية السودانية بقطر.
والشخصيات الأربعة التي أعلنت عدم مشاركتها في تلك اللجنة التسييرية المعينة، هم الأستاذ عبد المنعم أبوتفة، رئيس أول جالية منتخبة (2007-2009م)، ودكتور عثمان بشير، رئيس الجالية المنتخب خلال الفترة من (2012-2014م)، بجانب كل من دكتور أبوالحسن مصطفى والأستاذ كمال سالم، حيث يعتبر الأربعة من رموز وشخصيات الجالية السودانية بقطر التي تحظى بالقبول والاحترام الواسع بفضل دورهم الاجتماعي وسط السودانيين.
وأصدر الأربعة بياناً طالبوا فيه “بالتعامل مع موضوع الجالية بالحكمة والعقلانية لجمع صف جميع السودانيين بدولة قطر على مجلس جالية اجتماعي ثقافي لجالية تسع جميع السودانيين بكل أطيافهم وبعيداً عن السياسة”، متمسكين بالنظام الأساسي لسنة 2005م المعدل في 2020م كمرجعية لتنظيم وإجراء انتخابات الجالية السودانية بقطر.
تمديد ورسوم ببنغازي
صدر قرار بتمديد اللجنة التسييرية للجالية السودانية ببنغازي التي انتهى أجلها، حيث مَدَّد لها القرار حتى قيام الجمعية العمومية وانعقادها، والتي ربما تنعقد طبقاً لمراقبين بعد ستة أشهر أو عام أو عامين أو عقد كامل، حيث إن الطبيعي أن تتقلص فترة التسيير للإسراع بالانتخاب، أما أن يكون التمديد حتى الانعقاد فهذا في حد ذاته أكبر مشجع على “التلكؤ” والتأخر.
بدورها فإن اللجنة التسييرية قررت أن تباشر خطوات تمديدها. وفي إطار التعاطي مع الظروف الاستثنائية لعضوية الجالية بليبيا قررت أن تستخرج للسودانيين الموجودين بطاقة عضوية بقيمة 30 ديناراً ليبياً للتمتع بعضوية للجالية، ومن ثم السماح لحاملها بالمشاركة في أعمال الجمعية العمومية عند انعقادها بعد أشهر أو أعوام أو عقود.
تحركات سلطنة عمان
شهدت الأسابيع الماضية تحركت متسارعة ومتناسقة بخصوص تنظيم انتخابات الجالية السودانية في عدد من الدول على رأسها سلطنة عمان وليبيا. حيث التقى السفير السوداني التابع لسلطة قائد الجيش بسلطنة عمان السفير عصام متولي بمجموعة طرحت نفسها ضمن تفعيل مجلس الجالية السودانية بسلطنة عمان بمقر السفارة السودانية خلال الأيام الماضية.
خلال ذلك الاجتماع أعلن متولي أن تفعيل الجالية السودانية بسلطنة عمان “أصبح ضرورة مجتمعية ورسمية”. ولم يقتصر دور السفير متولي على التأكيد على أهمية دور الجالية ولكنه انخرط بشكل مباشر في تحديد مواقف من قضايا تدخل ضمن صميم عمل ومهام الجالية وعضويتها، حيث قدم تحديداً لدور مجلس الجالية من جهة والنادي الاجتماعي السوداني.
في هذا السياق فإن خطورة هذا التحديد والتدخل من قبل السفير يفتح الباب واسعاً بشكل مسبق لإثارة الخلافات بين المؤسستين، وهو ما اعتبره مراقبون بمثابة “موقف استباقي غير محمود تحسباً لأي مناهضة أو اعتراضات على تكوين مجلس الجالية” مستدلين بما ذكره في ذلك اللقاء بإعلانه عن قرب وصول وفد من جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج لمسقط بغرض تنظيم انتخابات للجالية السودانية بسلطنة عمان. واستغرب أولئك المراقبون، في حديتهم لـ(ديسمبر)، من موقف السفير الذي يقوم بأداء دور عكسي، فعوضاً عن سعيه لوحدة وتماسك وإنهاء النزاعات بين منسوبي الجالية “انخرط في الصراع ومهَّد له”!!.
رفض وتحذير
جاءت ردة الفعل الأولى عن ذلك الاجتماع في إصدار أعضاء منصات شباب من أجل الجالية بسلطنة عمان، المعروفة اختصاراً باسم “شال”، مناشدة مؤرخة بتاريخ 8 يوليو الجاري أعلنت من خلالها بكل وضوح رفضها لحملة التوقيعات التي يتم جمعها لتكوين لجنة تسييرية للجالية السودانية بسلطنة عمان، وهو ما اعتبرته المناشدة “خطوة لا تعبر عن توافق أبناء الجالية ولا تراعي التعقيدات الدقيقة التي يمر بها السودان”. وأشارت إلى أن أي تحركات توافقية ستكون نتيجتها استنساخ الأزمات الناتجة عن الحرب داخل الجالية السودانية بسلطنة عمان.
وأشارت المناشدة لوجود تجاوزات ملاحظة في الآونة الأخيرة، على رأسها التحدث أو إصدار مواقف باسم الجالية أو تمثيلها أمام العديد من الجهات بواسطة أفراد لا يملكون أي تفويض وهو أمر مرفوض باعتباره يكرس لثقافة احتكار القرار ويضعف ثقة الناس في العمل العام.
ودعت المناشدة أبناء الجالية السودانية بسلطنة عمان لعدم الانجرار وراء أي دعوات تهدف لفرض أمر واقع والتمسك بالتوافق والحوار لحين حلول اللحظة المناسبة التي يمكن من خلالها تأسيس جسم يعبر عن الجميع بإرادة حرة بعيداً عن أي محاولات لاختطاف قرار الجالية.
تعديل لغة وثبات موقف
أصدرت منصة “شال” في 13 يوليو الجاري بياناً على خلفية اجتماع إسفيري عقدته مساء اليوم السابق لصدور البيان. حيث تلاحظ أن اللغة المستخدمة في البيان باتت أقل حدة مقارنة بـ”المناشدة” حيث رحبت المنصة بمساعي تكوين مجلس للجالية بما في ذلك المساعي المبذولة من السفير السوداني بسلطنة عمان.
إلا أن المنصة في ذلك البيان جددت التأكيد على جوهر موقفها من مسألة تكوين مجلس للجالية “شريطة أن يقوم على التوافق والشراكة والتمثيل العادل لكل مكونات وأبناء الجالية”. لكنها في الفقرة (رابعاً) من ذات البيان أشارت بوضوح إلى “رفضها القاطع لخطوة تكوين مجلس الجالية الحالية بصورتها الراهنة لعدم قيامها على أساس توافق حقيقي بين مكونات وأبناء الجالية السودانية بسلطنة عمان”، مشددة على ضرورة أن يكون قيام أي جسم هو نتاج حوار شامل وتوافق واسع يضمن المشاركة العادلة للجميع”.
وأكدت إدارة منصة “شال” بأنها لن تكون جزءاً من أي مسار لا يقوم على أساس التوافق الحقيقي بين أبناء الجالية السودانية بسلطنة عمان، وانحيازها لوحدة الصف والعمل المؤسسي الراشد ووضع مصلحة ووحدة الجالية فوق كل اعتبار.
معركة الدوحة
أما في العاصمة القطرية الدوحة فإن الجالية السودانية تخوض معركة قانونية مفصلية لحماية وجودها بوصفها منظمات مجتمع مدني مستقلة في مواجهة جهاز شؤون السودانيين العاملين بالخارج وتدخلاته في عمل واختيار الجالية عبر لائحة 2022م التي رفضتها الجالية السودانية بقطر وتتمسك بخضوعها لأحكام النظام الأساسي، حيث قام جهاز شؤون السودانيين العاملين بالخارج فعلياً بإصدار لائحته تلك لقطع الطريق أمام تنظيم انتخابات الجالية السودانية بقطر بعد تكوين لجنة انتخابات من خلال تعيين لجنة تسيير قامت بوضع نظام أساسي لسنة 2026م وهو ما جوبه برفض واسع.
ويبرز التمسك بالنظام الأساسي لعام 2005، المعدل في عام 2020، بوصفه الحصن القانوني الشرعي في مواجهة نظام 2026 ولائحة 2022 المفروضين. كما يؤكد هذا الموقف وعي المكونات الحية للجالية ورفضها لهذا التغول، وأنها عصية على التدجين.
وشكّل الموقف الموحد للروابط المهنية ورابطة المرأة (سوا) حائط صد قانونيًا وأخلاقيًا متينًا، وجاء البيان الصادر عنها في 2 يوليو 2026 ليعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، واضعًا النقاط على الحروف من خلال جملة من المرتكزات والمطالب الحاسمة.
أكد ذلك البيان الرفض التام وعدم شرعية النظام الأساسي لسنة 2026م الذي أجازته لجنة التسيير، والذي هدف بشكل واضح لتشريع “الإقصاء”، مع المطالبة بالعودة للنظام الأساسي لسنة 2005م تعديل 2020م بوصفه الوثيقة القانونية المتوافق عليها، كما أنها تضمن حفظ التوزان والاستقلالية للجالية. أما النقطة الثالثة فكانت المطالبة بتمكين لجنة الانتخابات التي أدت القسم رسمياً لأداء عملها ومباشرة صلاحيتها دون وصاية أو إملاءات.
انعدام الأثر القانوني
أصدرت رابطة القانونيين السودانيين بدولة قطر رأيًا قانونيًا بشأن قرار الأمين العام المكلف لجهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج رقم (16) لسنة 2026، الصادر بتاريخ 8 مايو 2026، والقاضي باعتماد النظام الأساسي للجالية السودانية بدولة قطر 0020المرفوع إليه من لجنة التسيير المشكّلة بموجب القرار رقم (7) لسنة 2025م.
وخلص الرأي القانوني إلى أن القرار رقم (16) لسنة 2026، وما تأسس عليه من اعتماد للنظام الأساسي، صدر من جهة تفتقر إلى الاختصاص القانوني. كما يترتب على ذلك أن القرار رقم (7) لسنة 2025 الخاص بتشكيل لجنة التسيير صدر من غير ذي اختصاص، ومن ثم يكون باطلًا ومنعدم الأثر قانونًا، ويستتبع ذلك بطلان وانعدام قرار اعتماد النظام الأساسي، باعتباره قائمًا عليه ومتفرعًا عنه.
واستنادًا إلى المبادئ المستقرة في القانون الإداري، فإن عيب انعدام الاختصاص من العيوب الجسيمة التي تؤدي إلى انعدام القرار الإداري، بحيث لا تلحقه الإجازة اللاحقة، ولا يصححه مرور الزمن، ولا يرتب أي أثر قانوني؛ لأن ما بُني على غير اختصاص يظل معدومًا مهما تعاقبت عليه الإجراءات أو صدرت بشأنه موافقات لاحقة.
وخلصت الرابطة في بيانها إلى أن جميع الآثار القانونية المترتبة على القرار رقم (16) لسنة 2026 باعتماد النظام الأساسي، وما سبقه أو أعقبه من إجراءات لازمة لإصداره أو مترتبة عليه، تُعد معدومة الأثر قانونًا، ولا يجوز الاحتجاج بها أو الاستناد إليها في مواجهة أي شخص أو جهة.
وسبق أن أشارت لجنة قانونية سابقة إلى أن الأمين العام المكلف، وبموجب أحكام قانون جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج لسنة 1998، لا يملك أي سلطة لتشكيل لجان تسيير للجاليات، أو منحها اختصاصات، أو اعتماد أو إصدار أو تعديل الأنظمة الأساسية المنظِّمة لعملها، باعتبار أن هذه الاختصاصات معقودة للمؤتمر العام المنشأ بموجب المادة (13) من القانون، ولذلك وفقاً لنص المادة (16/1) التي تقضي بأن الكيانات الشعبية المستقلة للعاملين بالخارج تنظم وفق اللوائح التي يصدرها ذلك المؤتمر.
منصات للدبلوماسية الشعبية
يرى قانونيون وخبراء في منظمات المجتمع المدني وإعلاميون استطلعتهم (ديسمبر) أن الجاليات في بلدان المهجر، ولا سيما في دول الخليج والمنطقة العربية، تكتسب أهمية استراتيجية بوصفها ذراعًا أصيلة للدبلوماسية الشعبية، إذ تمثل واجهة حضارية واجتماعية وخدمية تعزز روابط الإخاء والتعاون المشترك مع الدول المضيفة، في إطار القوانين المحلية والدولية.
وأوضحوا أن محاولات “تسييس” هذه الكيانات تحت ذريعة ترتيبات “مرحلة ما بعد الحرب” تنطوي على مخاطر قانونية ومجتمعية جسيمة، أبرزها تسييس وتمزيق النسيج الاجتماعي للجاليات، ومخالفة قوانين الدول المضيفة، كما أن إصرار جهاز المغتربين على فرض لجان تسيير ذات طابع حزبي قد يعرض مصالح المغتربين ووجود هذه الكيانات نفسها للخطر القانوني.
وأشاروا إلى أن حماية الجاليات السودانية من التغول والتمكين ليس مجرد دفاع عن منظمات المجتمع المدني ولكنه موقف مبدئي لصون استقلالية الجاليات وضمان استمرارها في أداء رسالتها الوطنية والمجتمعية، وأردفوا أن تصحيح هذا الخلل يستوجب إلغاء القرار رقم (7) لسنة 2025 المعيب وفقاً لقولهم، وترك الكلمة الفصل لأصحاب المصلحة في تكوين جالياتهم وروابطهم المهنية، عبر الوسائل الديمقراطية التي ارتضوها لأنفسهم.