أماني أبو سليم
لطالما أثارت فضولي تلك اللحظة التي يتوقف فيها شخص أمام مباراة لم يكن ينوي مشاهدتها، ثم لا يلبث أن يصبح مشجعاً لفريق لم يكن يعنيه قبل ساعة.
في البداية يكتفي بالمشاهدة. وبعد دقائق يبدأ في تفضيل أحد الفريقين، ثم يفاجأ بنفسه يصفق لهدف، أو يتحسر على فرصة ضائعة، أو يغادر سعيداً أو منكسراً، وكأن نتيجة المباراة تمس شيئاً في حياته.
يبدو الأمر منطقياً عندما يتعلق الأمر بمنتخب يمثل الوطن، أو نادٍ نشأ الإنسان على تشجيعه. فالانتماء هنا امتداد للمكان والذكريات والهوية. لكن المفارقة تبدأ حين يغيب ذلك الفريق، أو يودع البطولة مبكراً. فبدلاً من أن يعود كثير من المشجعين إلى الحياد، يبحثون سريعاً عن انتماء جديد يكملون به الرحلة. فكأن المباراة لا تكتمل إلا عندما يجد القلب طرفاً يقف إلى جانبه.
واللافت أن هذا الانحياز لا يحتاج إلى سبب كبير. فقد يبدأ من لون قميص، أو من إعجاب بطريقة اللعب، أو من مهارة لاعب يخطف الأنظار بلمسة لا تتكرر كثيراً.
وما أن يختار المشجع طرفاً، حتى يبدأ في النظر إلى المباراة بعين مختلفة. تصبح أخطاء لاعبيه أقل فداحة، بينما تبدو أخطاء المنافس أكبر مما هي عليه. يحتج على قرار الحكم إذا جاء ضد فريقه، ويصفق له إذا أنصفه. كأن الانتماء، مهما كان وليد اللحظة، يعيد ترتيب المشهد كله، فلا يعود يرى المباراة كما هي، بل كما يتمنى أن تكون.
وأحياناً لا يكون الانحياز للفريق نفسه، بل للحكاية التي يحملها، مثلاً، فريق صغير يقف أمام منافس اعتاد البطولات، وشبان يقاتلون ببسالة أسماء صنعت تاريخها منذ سنوات. هنا تميل القلوب تلقائياً إلى الطرف الأضعف، ليس لأن أحداً يعرف تاريخه، بل لأن المحاولة نفسها تستحق التشجيع. يبدو أن الناس يحملون تعاطفاً قديماً مع كل من يقرر مواجهة المستحيل، حتى لو انتهت المحاولة بالخسارة.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن هذا الانحياز يمكن أن ينشأ في دقائق معدودة. فلا يحتاج إلى تاريخ طويل، ولا إلى رابطة سابقة، بل إلى شرارة صغيرة تكفي ليصبح الفوز أمنية، والخسارة خيبة.
وعلى الجانب الآخر، يولد الانحياز أحياناً من الضد. فهناك من لا يشجع فريقاً حباً فيه، بل رغبة في رؤية خصمه يخسر. وكلما طال احتكار فريق للألقاب، أو أحاطت به هالة من التفوق، ازداد عدد الذين ينتظرون لحظة سقوطه، حتى لو جاء ذلك على يد فريق مغمور. وكأن النفس تميل دائماً إلى إعادة التوازن كلما شعرت أن الكفة مالت كثيراً.
ولعل المباراة تكشف عن الإنسان أكثر مما تكشف عن كرة القدم.
ففي الحياة اليومية، يتحرك الناس وسط مسؤوليات لا تنتهي، وأسئلة تبقى معلقة، وقرارات لا يعرفون إن كانت صائبة أم لا. أما في الملعب، فكل شيء يبدو أكثر بساطة. هناك بداية واضحة، وقواعد ثابتة، وصافرة نهاية تحسم الجدل. ينتصر فريق ويخسر آخر، وتنتهي الحكاية في تسعين دقيقة.
وربما لهذا تبدو المباراة أكثر من مجرد منافسة رياضية. إنها تمنح الناس فرصة نادرة للانخراط الكامل في قصة يعرفون أنها لن تترك وراءها خسائر حقيقية. يعيشون التوتر بكل تفاصيله، ويفرحون بالفوز كأنه إنجاز شخصي، ويحزنون للهزيمة كأنها تخصهم، ثم يطوون كل ذلك مع صافرة النهاية ويعودون إلى حياتهم.
ربما لهذا لا يبقى المشجع محايداً. فالمباراة ليست مجرد منافسة على كرة، بل حكاية قصيرة يعيشها بكل ما فيها من أمل وخيبة وفرح وقلق. يدخل إليها مثقلاً بأيامه، ويخرج منها كما دخل… إلا أن القلب يكون قد تنفس قليلاً.