الأمم المتحدة تحذر من استغلال الصمغ العربي في تمويل حرب السودان

 

ثروة السودان الزراعية تحولت إلى وقود لاقتصاد الحرب

جنيف: (ديسمبر)

 

كشف تقرير حديث صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في الخامس عشر من يوليو 2026 أن استغلال الموارد الطبيعية في السودان، وفي مقدمتها الصمغ العربي، يسهم في تمويل الحرب الدائرة في البلاد ويعرض سلاسل الإمداد العالمية لمخاطر متزايدة تتعلق بحقوق الإنسان. وجاء في التقرير أن السودان كان ينتج نحو 80%من الصمغ العربي على مستوى العالم قبل اندلاع الحرب. وقد تحول الصمغ العربي منذ أبريل 2023 إلى حلقة من حلقات اقتصاد الحرب المتشابكة، وبات مصدراً لتمويل أطراف النزاع وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، كما بات الحصول على مادة الصمغ العربي يطرح تحديات خطيرة أمام الشركات العالمية التي تعتمد على هذه المادة الخام.

وجاء في التقرير التي يحمل عنوان “الأعمال التجارية وحقوق الإنسان في النزاعات: الصمغ العربي من السودان” أن الصمغ العربي كان قبل اندلاع الحرب يدر ما بين 111 و183 مليون دولار سنوياً، وكان نحو خمسة ملايين سوداني يعتمدون عليه مصدراً مباشراً أو غير مباشر للدخل. وتمتد مناطق إنتاجه الرئيسية عبر ما يُعرف بـ”حزام الصمغ” الذي يشمل إقليمي كردفان ودارفور والنيل الأزرق والنيل الأبيض وسنار والقضارف، وهي مناطق تعرضت لبعض أشد انتهاكات الحرب وثيقة التوثيق.

ويستخرج الصمغ العربي من العصارة الطبيعية لشجرة السنط السنغالي المنتشرة في حزام يمتد عبر وسط أفريقيا، ويعد من أهم المواد الخام المستخدمة في الصناعات الغذائية والدوائية. ويستخدم بوصفه مادة مستحلبة ورابطة في المشروبات الغازية والآيس كريم والحلويات والعلكة، إضافة إلى الأدوية ومستحضرات التجميل والمواد اللاصقة والطلاءات، ويظهر على ملصقات المنتجات بأسماء مثل الصمغ العربي أو صمغ الأكاسيا.

وتستورد الشركات العالمية نحو 200 ألف طن من الصمغ العربي سنوياً، وبلغت قيمة السوق العالمية نحو 300 مليون دولار في عام 2024، ما يجعله مادة أولية إستراتيجية تعتمد عليها صناعات كبرى. وتعكس أهميته أن الولايات المتحدة استثنت الصمغ العربي من العقوبات التجارية التي فرضتها على السودان- في تسعينيات القرن الماضي وفي 17 يوليو الجاري- لضمان استمرار إمداداته إلى الأسواق العالمية.

 

الصمغ العربي: يتحول إلى وقود للحرب

يشير التقرير إلى أن الصمغ العربي يظل أحد أهم الصادرات السودانية التي يعتمد عليها العالم، إذ كان السودان يستحوذ قبل الحرب على نحو 70 %إلى 80% من صادرات الصمغ الخام العالمية. ويعتمد عليه قرابة 5 ملايين شخص بشكل مباشر أو غير مباشر، خصوصاً في مناطق “حزام الصمغ” الممتد عبر كردفان ودارفور والنيل الأزرق وسنار والقضارف، حيث يشكل مصدر دخل مهماً لصغار المزارعين والسكان شبه الرحل في مواسم الجفاف. وكانت هذه المناطق قبل الحرب تشهد عمليات حصاد سنوية تجلب دخلاً يتراوح بين 111 و183 مليون دولار سنوياً وتعود بالنفع على المجتمعات المحلية.

لكن منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 تحولت هذه السلعة الاستراتيجية إلى واحدة من أدوات تمويل الصراع. إذ وثق التقرير سلسلة من الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها طرفا النزاع، وعلى رأسها عمليات النهب الواسع لمخزونات الصمغ العربي، حيث قامت عناصر تابعة لقوات الدعم السريع في أبريل 2023 بنهب وإحراق مستودعات في الخرطوم كانت تحوي كميات كبيرة من الصمغ الجاهز للتصدير مما تسبب بخسائر فادحة للتجار والمصدرين. وتكررت عمليات النهب في مايو 2025 عندما اجتاحت قوات الدعم السريع سوق الصمغ العربي ومستودعاته في مدينة النهود بولاية غرب كردفان؛ أحد أهم مراكز تجارة الصمغ في السودان، وسط تقارير عن مقتل مدنيين حاولوا الدفاع عن ممتلكاتهم. وكانت أكثر من 540 شاحنة محملة بالصمغ جاهزة للتصدير من النهود وقت وقوع الهجوم. وتشير تقديرات الفريق إلى أن كمية الصمغ المنهوب بين يناير ويونيو 2024 بلغت نحو 3,700 طن بقيمة تجاوزت 14.5 مليون دولار تم نقل معظمها عبر طرق التهريب إلى الدول المجاورة.

كما وثق التقرير سيطرة قوات الدعم السريع على طرق التجارة وفرض الرسوم، حيث أنشأت نقاط تفتيش غير رسمية ونظاماً للرسوم والإتاوات على حركة البضائع في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما في ذلك الصمغ العربي، مما أجبر التجار على دفع مبالغ تتراوح بين عدة مئات وآلاف الدولارات لكل شاحنة. ووصل عدد نقاط التفتيش على بعض الطرق إلى 40 نقطة، مما يجعل تكاليف النقل والرسوم تلتهم ما يصل إلى 60% من قيمة الشحنة. ويتحمل المنتجون الصغار في نهاية السلسلة العبء الأكبر بانخفاض الأسعار التي يتلقونها.

وفرضت قوات الدعم السريع في أكتوبر 2024 قيوداً مشددة على نقل البضائع نحو مناطق سيطرة الجيش، مما دفع التجار إلى تحويل مسار شحناتهم نحو طرق تهريب بديلة عبر جنوب السودان وتشاد، وارتفعت الأسعار في جنوب السودان بنحو ألف دولار للطن الواحد مما يجعل التهريب أكثر ربحية. وفي أغسطس 2025 أوقفت مخابرات الدعم السريع شاحنات محملة بالصمغ متجهة إلى تشاد وصادرت حمولتها مستندة إلى ما وصفته مرسوماً صادراً عن قيادتها، مما كشف عن تنظيم داخلي لهذه العمليات.

 

منافذ جديدة للتهريب

وفيما يتعلق بانقسام سلسلة التوريد وفقدان التتبع مع توسع رقعة الحرب، انقسمت سلسلة توريد الصمغ العربي بين مناطق سيطرة الجيش والدعم السريع. ففي مناطق سيطرة الجيش مثل أجزاء من كردفان الجنوبية والنيل الأزرق استمر تدفق الصمغ نحو كوستي ثم بورتسودان للتصدير. لكن التجار واجهوا أيضاً رسوماً متعددة تشمل ضرائب الولاية ورسوم وزارة المالية والرسوم الإتحادية والزكاة، مما قلص هوامش الربح وأجبر البعض على دفع رشاً إضافية لتجاوز نقاط التفتيش.

بينما في مناطق سيطرة الدعم السريع، مثل غرب كردفان وأجزاء من دارفور، أسفرت عمليات النهب والسيطرة على مسارات التجارة عن نشوء شبكات تهريب عابرة للحدود تحولت بموجبها كميات ضخمة من الصمغ السوداني نحو دول الجوار. فالصمغ القادم من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في غرب كردفان وأجزاء من دارفور بات يسلك مسارات بديلة عبر سوق النعام في جنوب السودان فجوبا ثم ميناء ممباسا في كينيا، بينما تتجه كميات أخرى نحو تشاد ومنها إلى ميناء دوالا في الكاميرون.

وظهرت مراكز تجارية جديدة في أدري التشادية وأويل في جنوب السودان تستقبل الصمغ المنهوب أو المهرب وتعيد تصديره كمنتج محلي، مما أضعف قدرات التتبع والرقابة بشكل كبير، وزاد من صعوبة تحديد مصدر الصمغ بالنسبة للمشترين الدوليين. وقد رصد التقرير ارتفاعاً لافتاً في أحجام صادرات الصمغ العربي من بعض دول الجوار منذ اندلاع الحرب بما يتسق مع سيناريو إعادة تصدير الصمغ السوداني تحت مسميات أخرى.

 

مسؤولية الدول والشركات في منع تمويل النزاع

يحمِّل التقرير مسؤولية جسيمة لكل من الدولة السودانية والدول المجاورة ودول العبور والدول المستضيفة للشركات التي تعتمد على الصمغ العربي في منتجاتها في قطاعات المشروبات الغازية والحلويات والأدوية ومستحضرات التجميل. فبالنسبة للسودان ورغم أن الحرب قيدت قدرة السلطات على الرقابة إلا أن التزاماتها القانونية بحماية حقوق الإنسان واحترام القانون الإنساني الدولي لا تزال قائمة. وقد وثق التقرير حالات تمتع فاعلين تجاريين مرتبطين بالأجهزة الأمنية بامتيازات غير متاحة للتجار العادين، مما أثار مخاوف بشأن المعاملة غير المتكافئة وضعف الرقابة التنظيمية واستغلال بعض المنتجين، من خلال ترتيبات احتكارية قبل الحرب وبعدها، حيث كانت شركة مرتبطة بالأجهزة الأمنية تعمل عبر وسطاء محليين يقدمون تمويلاً محدوداً للمزارعين ثم يشترون معظم الإنتاج بأسعار يحددونها هم أنفسهم.

أما بالنسبة للدول المجاورة كتشاد وجنوب السودان، فيشير التقرير إلى ضعف في الرقابة الحدودية والإجراءات الجمركية مما يسمح بإعادة تصدير الصمغ العربي السوداني كمنتج محلي وتهريب كميات كبيرة من دون وثائق، ويرافق ذلك زيادة كبيرة  في صادرات بعض هذه الدول بشكل لافت بعد اندلاع الحرب، حيث ارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة من الصمغ من الدول المجاورة من 12.200 طن عام 2023 إلى نحو 19.700 طن عام 2024، في حين انخفضت الواردات المباشرة من السودان من 66.700 طن عام 2022 إلى 49.900 طن عام 2024، مما يثير شكوكاً قوية حول إعادة تسمية وتهريب الصمغ السوداني عبر هذه الدول.

وبالنسبة للشركات العالمية يحذر التقرير من أن إجراءات التدقيق من الموردين الحالية التي تستند إلى شهادات وتصريحات المصدرين لم تعد كافية في ظل اقتصاد الحرب الحالي. فالتصريحات الصادرة عن الجمعية الدولية للترويج للصموغ، والتي تؤكد استمرار التوريد الآمن وخلو الموردين من صلات بأطراف النزاع، لا تعكس المخاطر الحقيقية المتمثلة في النهب وضعف التتبع واحتمال إعادة تصنيف الصمغ المنهوب وإعادة طرحه في الأسواق. كما أن بعض الشركات تشير إلى مبادرات تطوعية مثل Sedex وEcoVadis وFair For Life. ولذلك، تدعو المفوضية في تقريرها هذه الشركات إلى تجاوز الفحوصات التقليدية، والقيام بعمليات تدقيق موسعة، وإجراء تحليل متعمق يشمل مسارات النقل والتوريد ودور الوسطاء وتداعيات النزاع على حقوق الإنسان في مناطق الإنتاج. كما تشدد المفوضية على ضرورة توفير آليات آمنة لتلقي الشكاوى من المتضررين، ولا سيما المنتجين والعمال والتجار والناقلين الذين تعرضوا للنهب أو الاحتجاز أو العنف، لضمان سماع أصواتهم ومعالجة مظالمهم بجدية.

 

واجبات دولية تحت المجهر: دعوة عاجلة للتحرك

في ختام هذا التقرير وجهت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان خمس توصيات عاجلة إلى جميع الأطراف المعنية. في البداية حثت المفوضية طرفي النزاع على الالتزام الصارم بالقانون الإنساني الدولي والوقف الفوري لأعمال النهب والهجمات التي تستهدف المدنيين والمنشآت المدنية والاعتداء على المدنيين المرتبطين بسلسلة قيمة الصمغ العربي. وطالبت الحكومة السودانية بتعزيز الرقابة الفعالة على قطاع الصمغ العربي والتحقيق في حالات الفساد والإكراه وضمان الشفافية في تحصيل الرسوم ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات. كما طالبت الدول المجاورة ودول العبور بتعزيز ضوابط الحدود والجمارك ومتطلبات التدقيق من سجلات المنشأ لمنع إعادة تصدير الصمغ السوداني المهرب كمنتج محلي والتعاون الدولي لمكافحة التهريب والتزوير. وفي الوقت نفسه طالبت المفوضية الدول المقر للشركات العالمية في مرحلة المعالجة والتوزيع والاستخدام النهائي بوضع توقعات واضحة تلزم الشركات العاملة في نطاقها باعتماد معايير العناية الواجبة المعززة لحقوق الإنسان عند الاستيراد من مناطق النزاعات المسلحة وضمان وجود آليات إنصاف قضائية وغير قضائية فعالة للمتضررين.

وأخيراً دعت المفوضية الشركات العاملة في سلسلة قيمة الصمغ من مصدرين ومعالجين ومشترين إلى إيلاء عناية واجبة معززة ومراعية لحساسيات النزاع تتجاوز إجراءات التدقيق الاعتيادية من الموردين، تشمل تقييم ظروف السيطرة على المسارات ودور الوسطاء وتدقيق مسارات النقل وإعادة التصنيف المحتملة عبر دول الجوار، مع الإفصاح العلني عن كيفية معالجة هذه المخاطر. هذا بالإضافة إلى بذل أقصى جهد ممكن لاستخدام النفوذ لتحسين أوضاع المتضررين ودعم سبل العيش المستدامة للملايين الذين يعتمدون على هذا القطاع الحيوي.

 

ذهب أبيض في خضم حرب سوداء

وهكذا يرسم التقرير صورة قاتمة لواحد من أهم الموارد الزراعية السودانية، وقد تحول من رافد للتنمية والأمن الغذائي لملايين السودانيين إلى أداة لتمويل الحرب وتقوية أطرافها. ويبقى الصمغ العربي السوداني يتدفق إلى المصانع والأسواق العالمية في منتجات الحلويات والمشروبات الغازية والأدوية ومستحضرات التجميل بينما تظل التساؤلات قائمة: هل يعلم المستهلك الدولي أن ما يتناوله قد يحمل في طياته شيئاً من معاناة المزارع السوداني الذي نُهب محصوله أو اُضطر للنزوح قسراً عن أرضه أو بيعت بضاعته لتمويل الحرب التي تطحنه؟.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *