تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية يكشف وقوع أعمال “إبادة جماعية” في الفاشر

تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية يكشف وقوع أعمال “إبادة جماعية” في الفاشر
مؤشرات إبادة جماعية في الفاشر واستهداف عرقي واسع في دارفور

جنيف: (ديسمبر)

تحت عنوان: “السودان: مؤشرات الإبادة الجماعية في الفاشر”، أصدرت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان يوم الخميس الماضي 19 فبراير 2026، تقريرها الذي خلصت فيه إلى أن الأدلة تشير إلى ارتكاب أفعال تشكل جوهر جريمة الإبادة الجماعية. وحذر التقرير، المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان، من أن الهجمات التي نفذتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر ومحيطها لم تكن أعمالاً عشوائية في سياق الحرب، بل حملة منظمة تحمل سمات واضحة لجريمة الإبادة الجماعية بحق مجتمعات غير عربية.
ووجدت البعثة أن أفعال قوات الدعم السريع تتوفر فيها ثلاثة من الأفعال الأساسية لجريمة الإبادة الجماعية بموجب القانون الدولي: قتل أعضاء من جماعة عرقية محمية، والتسبب في أذى جسدي أو عقلي خطير لهم، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تدميرهم المادي.
وأفاد التقرير أن قوات الدعم السريع نفذت حملة ممنهجة من القتل والاغتصاب والتعذيب والاختفاء القسري، استهدفت بشكل خاص أفراد قبيلتي الزغاوة والفور. وشملت الجرائم الموثقة القتل الجماعي (مع توثيق مقتل أكثر من 6000 شخص في الأيام الأولى للهجوم)، والاغتصاب الواسع النطاق (بما في ذلك الاغتصاب الجماعي لنساء وفتيات من مجتمعات غير عربية)، إلى جانب فرض حصار منهجي بهدف تجويع السكان المدنيين وإخضاعهم.

 

ولاية البعثة ومنهجية عملها

بموجب قراره 38/1S/14 نوفمبر 2025، أنشأ مجلس حقوق الإنسان البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، وطلب منها إجراء تحقيق عاجل في مزاعم انتهاكات وتجاوزات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني حدثت في الفاشر والمناطق المحيطة بها.
اعتمدت البعثة منهجيتها، وحددت مبادئ العمل التوجيهية، وأقرت معايير الإثبات والأدلة الدامغة التي تُجيز الاستناد إلى جريمة الإبادة الجماعية، مع مراعاة جميع أشكال المسؤولية المحتملة، بما في ذلك مسؤولية القادة.
وقد أجرت البعثة حتى الآن مقابلات مع 320 شاهداً وضحية من مدينة الفاشر والمناطق المحيطة بها، وأجرت مقابلات مع ناجين، وأرسلت بعثات تحقيق محددة الأهداف إلى تشاد وجنوب السودان، حيث تم إجراء 131 مقابلة في عام 2026 وحده (107 مقابلات شخصية و24 مقابلة عن بعد) شملت 54 امرأة و77 رجلاً.
وجمعت البعثة أيضاً مجموعة من الأدلة والمعلومات، بما في ذلك نحو 40 تقريراً ومواد ذات صلة. وقامت البعثة بالتحقق من صحة 25 مقطع فيديو وتوثيقها، وعقدت أكثر من 37 اجتماعاً مع منظمات من المجتمع المدني ومدافعين عن حقوق الإنسان وخبراء في المجال الصحي من حول العالم. واعتمد تقرير البعثة كذلك على وثائق مرئية وصور أقمار صناعية توثق حجم الدمار ومواقع الإعدامات والجثث.
وتواصلت البعثة مع مجموعة من الكيانات الدولية والإقليمية، بما في ذلك المستشار الخاص للأمين العام وبعثة الاتحاد الإفريقي المشتركة لتقصي الحقائق بشأن حالة حقوق الإنسان في السودان وبعثة الاتحاد الإفريقي في جنوب السودان والمحكمة الجنائية الدولية.
وجاء في تقرير البعثة أنها لم تتلقَّ أي تعاون من جانب السودان، على الرغم من بذل قصارى جهدها بهذا الصدد. فقد وجَّهت البعثة مذكرة في 24 نوفمبر 2025 إلى حكومة السودان، تطلب فيها زيارة الفاشر بالتحديد بغرض مقابلة مسؤولين وضحايا وناجين سودانيين. وفي فبراير 2026 أرسلت البعثة نسخة من تقريرها عن الفاشر إلى حكومة السودان لكنها لم تتلقَّ أيَّ رد.
وكذلك وجَّهت البعثة رسالة إلى قوات الدعم السريع في 12 ديسمبر 2025، طلبت فيها عقد اجتماع مع قيادتها، وأرفقت بها قائمة أسئلة متعلقة بسيطرتها على الفاشر. ولم تتلقَّ البعثة أي رد، بالرغم من تأكيدات قوات الدعم السريع العلنية بأنها ستتعاون مع البعثة.

البعثة تعقد مؤتمراً صحفياً
عقدت البعثة مؤتمراً صحفياً بجنيف في 19 فبراير أكد فيه محمد شاندي عثمان- رئيس البعثة- أن “العمليات التي وقعت في الفاشر وحولها لم تكن فوضوية، بل كانت عملية منظمة تخطط لها وتمولها قيادة الدعم السريع”. وقال شاندي “إن حجم العملية وتنسيقها والتأييد العلني الذي حظيت به من كبار قادة قوات الدعم السريع، يثبتُ أن الجرائم المرتكبة في الفاشر والمناطق المحيطة بها لم تكن تجاوزات عشوائية وقعت في سياق الحرب، بل شكلت جزءاً من عملية مخططة ومنظمة، تحمل دلالات الإبادة الجماعية”.
وشدد رئيس البعثة إلى أنه “يجب محاسبة الجناة في جميع المستويات القيادية. وحيثما تُشير الأدلة إلى وقوع إبادة جماعية، تتعاظم مسؤولية المجتمع الدولي في منعها وحماية المتضررين وضمان تحقيق العدالة”.
وقالت منى رشماوي، الخبيرة عضو بعثة تقصي الحقائق، في المؤتمر الصحفي: “إن مجمل الأدلة التي جمعناها – بما في ذلك الحصار المطول والتجويع وحرمان السكان من المساعدات الإنسانية، وما أعقبه من عمليات قتل جماعي واغتصاب وتعذيب واختفاء قسري وإذلال منهجي وتصريحات الجناة أنفسهم – لا تفضي إلا لاستنتاج واحد معقول، وهو أن قوات الدعم السريع تصرفت بقصد تدمير مجتمعات الزغاوة والفور في الفاشر، بشكلٍ كلي أو جزئي. فهذه هي السمات المميزة لجريمة الإبادة الجماعية”.
وصرحت جوي نجوزي إيزيلو، الخبيرة عضو البعثة، أنه “مع اتساع رقعة النزاع إلى إقليم كردفان، أصبحت الحماية العاجلة للمدنيين مطلوبة الآن أكثر من أي وقتٍ مضى. إن ما حدث في الفاشر لا يمثل مجرد تصعيد لانتهاكات سابقة وجرائم ذات صلة، بل هو تجسيد حاد لأنماط تتسق مع أعمال العنف المرتبطة بالإبادة الجماعية”.

عنف جنسي ممنهج: أداة إبادة وتدمير اجتماعي
وجاء في التقرير: “لقد كان الاستهداف القائم على الهوية والمرتبط بالإثنية والنوع الاجتماعي والانتماء السياسي المفترض، عنصراً مركزياً في عملية قوات الدعم السريع”. واستندت البعثة في استنتاجاتها هذه إلى تصريحات صريحة لعناصر الدعم السريع تعكس نيتهم استهداف المجتمعات غير العربية والقضاء عليها. وقد نقل ناجون عنهم قولهم: “هل يوجد بينكم زغاوة؟ إذا وجدنا زغاوة سنقتلهم جميعاً”، و”نريد القضاء على كل ما هو أسود في دارفور”. ويَبرُز الاستهداف الانتقائي للنساء والفتيات من قبيلتي الزغاوة والفور ويؤكد الطبيعة التمييزية والغرض التدميري لهذا العنف. “هؤلاء عبيد. اقتلوهم، دمِّروهم، اغتصبوهم”. إن مثل هذه التصريحات الصريحة، مقترنة بالطابع المنهجي للهجمات، تُقدِّم أدلة مباشرة وظرفية على وجود نية في ارتكاب أعمال إبادة جماعية.

18 شهراً من الحصار: تجويع وتعطيل الخدمات الأساسية
جاء في التقرير أن قوات الدعم السريع فرضت حصاراً مطولاً على الفاشر (منتصف 2024) قطعت خلاله الطرق ومنعت الطعام والدواء، ما اضطر السكان لأكل أعلاف الحيوانات. وكان الهدف إنهاك المجتمعات غير العربية (خصوصاً الزغاوة) لمنع فرارهم أو مقاومتهم قبل الهجوم الواسع الذي أوقع آلاف القتلى.

“ثلاثة أيام من الرعب”: مجازر خلال اقتحام المدينة
في يومي 26 و27 أكتوبر 2025، نفذت قوات الدعم السريع عملية اقتحام واسعة النطاق لمدينة الفاشر، وارتكبت خلالها:
• إعدامات جماعية عند مخارج المدينة والحواجز الترابية التي أنشأتها حولها.
• قتل مئات المدنيين في المنازل والشوارع والمساجد والملاجئ.
• مجزرة داخل جامعة الفاشر وصفت بأنها من الأكثر دموية، حيث قُتل مئات الرجال والنساء والأطفال.
• مجزرة مستشفى السعودي التي أسفرت عن مقتل أكثر من 460 مريضاً وطبيباً وممرضاً ومرافقاً، قبل حرق الجثث لإخفاء الأدلة.
وقدّر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان مؤخراً أن ما لا يقل عن 4400 شخص قُتلوا في المدينة خلال الأيام الثلاثة الأولى من هجوم قوات الدعم السريع، بالإضافة إلى أكثر من 1600 آخرين أثناء فرارهم.

عمليات اعتقال وتعذيب واختفاء قسري
أكدت البعثة أن قوات الدعم السريع نفذت اعتقالات واسعة، استخدمت فيها التعذيب الوحشي، من بينها الحرق والتجويع والإهانات العنصرية، كما حولت مستشفى الأطفال السابق في الفاشر إلى مركز تعذيب وإعدام. وأشار تقرير البعثة إلى ابتزاز الأسر عبر طلب فدية مقابل إطلاق سراح المحتجزين، حيث كانت المبالغ الأعلى مفروضة على أبناء الزغاوة.

أركان “الإبادة الجماعية” تحققت في الفاشر
شدد رئيس البعثة محمد شاندي عثمان على أن الجرائم لم تكن “تجاوزات حرب” عشوائية، بل “جزءاً من عملية منظمة ومخطط لها”. وخلصت البعثة إلى أن نمط الجرائم المتكرر في الفاشر، مصحوباً بخطاب تحريضي وترتيب ممنهج للعمليات، يكشف نية واضحة لتدمير جماعتي الزغاوة والفور جزئياً أو كلياً. وأكد التقرير توافر ثلاثة أركان أساسية لجريمة الإبادة الجماعية: قتل أفراد الجماعة، وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم، وفرض ظروف معيشية تقود إلى الفناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *