إيهاب عبدالوهاب بابكر، المحامي
يشكل التاريخ السياسي والحقوقي المعاصر في السودان ساحة معقدة تتداخل فيها ديناميكيات السلطة الاستبدادية المفرطة مع حركات المقاومة المدنية الممتدة. وفي قلب هذه الساحة شديدة التعقيد، يبرز اسم الدكتور أمين مكي مدني (1939-2018) كواحد من أهم رواد الحركة الحقوقية والسياسية الذين واجهوا نظام الإنقاذ (1989-2019) بصلابة استثنائية ورؤية استراتيجية نافذة. لم يكن الدكتور مدني مجرد محامٍ تقليدي أو ناشط حقوقي محلي، بل كان مهندساً استراتيجياً للعمل المعارض المنهجي، حيث دمج بين خبرته القانونية العميقة، وعمله في أروقة المؤسسات الدولية والأممية، وقيادته لمبادرات المجتمع المدني، ليخلق إطاراً مقاوماً تجاوز الحدود الجغرافية للسودان ليصل إلى المحافل الدولية ودوائر صنع القرار العالمي.
يقدم هذا المقال تفاصيل ومسارات نضال الدكتور أمين مكي مدني إبان عهد الإنقاذ، مع تسليط الضوء بشكل تحليلي على الآليات التي استخدمها نظام الرئيس المخلوع عمر البشير لقمع المعارضة، وكيف تمكن الدكتور أمين مكي مدني من تحويل المحن الشخصية والاعتقالات التعسفية والتعذيب الجسدي والنفسي إلى منصات دولية لفضح انتهاكات النظام. كما يقدم المقال تحليلاً شاملاً للتقاطعات بين نضاله الداخلي، بما في ذلك فترات الاعتقال المريرة في ما يُعرف بـ”بيوت الأشباح” ومحاكمات الإرهاب المسيسة، وبين دوره الإقليمي والدولي في تشكيل رؤى العدالة الانتقالية وبناء التحالفات الديمقراطية العابرة للآيديولوجيات والتي مهدت الطريق لاحقاً لثورة ديسمبر المجيدة.
الإنتاج الفكري والتوثيق الجنائي: مقاربة “جرائم الحرب في السودان”
إلى جانب عمله الميداني والقانوني، أثرى الدكتور أمين مكي مدني المكتبة الحقوقية والسياسية العربية والإنجليزية بالعديد من المؤلفات، والدراسات، والأبحاث المفصلية التي تناولت آليات العدالة الانتقالية، وتطور القضاء الجنائي الدولي، وتطبيق اتفاقيات جنيف لحماية المدنيين. من أبرز إنتاجاته الأكاديمية إسهاماته المتعلقة بـ”قابلية تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة”، وكتابه عن “المحكمة الجنائية الدولية”، ودراسته حول “عالمية حقوق الإنسان”، ومؤلفاته حول “دور المحامين في تعزيز حقوق الإنسان”، وكتاب “الدولة العنقاء” (The Phoenix State) الصادر عن مؤسسة أفريقيا للعدالة بلندن عام 2001.
لكن العمل الفكري الأبرز والأكثر التصاقاً بمشروعه النضالي ضد نظام الإنقاذ كان مسودة أبحاثه وكتابه بالغ الأهمية حول “الجرائم السودانية المنتهكة للقانون الإنساني الدولي” أو ما عُرف بـ”جرائم الحرب في السودان” (الصادر في القاهرة عام 2001). في هذا العمل المنهجي، وظف مدني كل خبراته الأممية التي اكتسبها في البلقان ليوثق بشكل دقيق وصارم الانتهاكات الفظيعة لنظام الإنقاذ والمليشيات التابعة له في حرب جنوب السودان، ولاحقاً في جبال النوبة والنيل الأزرق وإقليم دارفور.
لم يكتفِ مدني في مؤلفه بسرد الانتهاكات بطريقة صحفية، بل قام بتكييفها قانونياً كجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وتطهير عرقي تتطابق مع تعريفات نظام روما الأساسي. والأهم من ذلك، كان مدني من أوائل المفكرين السودانيين الذين دعوا بقوة وثبات إلى إنشاء “لجنة للحقيقة والمصالحة” في السودان، على غرار لجان العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية، كشرط أساسي مسبق لإرساء مبدأ المحاسبة، وجبر الضرر، وعدم الإفلات من العقاب.
وقد تقاطع هذا الجهد الفكري والقانوني التأسيسي لدكتور أمين وزملائه الحقوقيين بشكل مباشر مع التطورات اللاحقة المتمثلة في تحقيق المحكمة الجنائية الدولية (ICC) في الفظائع المرتكَبة، والذي أفضى في النهاية إلى إصدار مذكرات توقيف دولية بحق الرئيس عمر البشير والعشرات من أركان نظامه الأمني والعسكري بتهم ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية في إقليم دارفور. لقد مثَّل عمل مدني الأرضية التوثيقية والشرعية التي استندت إليها المنظمات الدولية لملاحقة قادة النظام، مما جعله عدواً لدوداً للدولة العميقة في الخرطوم.
التجمع الوطني الديمقراطي ومقررات أسمرا 1995: هندسة البديل الديمقراطي
على الصعيد التنظيمي والسياسي الخالص، كان للدكتور أمين مكي مدني دور مفصلي وقيادي في هندسة تحالفات المعارضة السودانية في المنفى خلال عقد التسعينيات. في تلك الفترة، عمل مدني بنشاط من خلال “التجمع النقابي” المؤسَّس في المنفى بالعاصمة المصرية القاهرة، والذي قام بدور حاسم في الضغط المستمر من أجل الديمقراطية وتوحيد صفوف المعارضة وتنسيق الجهود مع الكيانات السياسية الأخرى.
ضمن إطار “التجمع الوطني الديمقراطي” (NDA) – وهو المظلة الكبرى التي جمعت القوى المعارضة لنظام الإنقاذ – برزت حاجة ملحة لمعالجة الخلافات الجذرية بين القوى السياسية الشمالية التقليدية من جهة، والحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM) بقيادة الدكتور جون قرنق، التي تخوض كفاحاً مسلحاً في الجنوب من جهة أخرى. في ظل هذا الاستقطاب الحاد، والذي استغله نظام البشير لتصوير حربه في الجنوب كـ”جهاد ديني” ضد “التمرد العلماني”، برزت الحاجة إلى وثيقة سياسية وتاريخية تعيد تعريف أسس بناء الدولة السودانية.
في يونيو 1995، وفي العاصمة الإريترية، انعقد مؤتمر “أسمرا للقضايا المصيرية”. يُعد هذا المؤتمر نقطة تحول كبرى، وربما الانعطافة الأهم في تاريخ المقاومة السودانية، حيث ضم لأول مرة على مائدة واحدة كافة القوى السياسية والحزبية والنقابية السودانية من الشمال والجنوب – باستثناء الجبهة الإسلامية الحاكمة – بهدف تقرير مستقبل السودان بصورة متكاملة وشاملة.
كان إسهام د.أمين والنخب الحقوقية في هذا المؤتمر حيوياً ومفصلياً، وتحديداً في صياغة البنود المتعلقة بالحقوق الأساسية وفصل الدين عن السياسة. وبفضل هذا الجهد التنظيري والقانوني، أقر المؤتمر مبادئ غير مسبوقة في تاريخ الوثائق السياسية السودانية، من أبرزها:
- إقرار أن كل المبادئ والمعايير المعنية بحقوق الإنسان، والمضمنة في المواثيق والعهود الإقليمية والدولية، تشكل جزءاً لا يتجزأ من أي دستور مستقبلي للسودان، واعتبار أي قانون أو مرسوم يخالف ذلك باطلاً وغير دستوري.
- كفالة المساواة الكاملة بين جميع المواطنين تأسيساً على حق “المواطنة” كأساس وحيد لنيل الحقوق والواجبات، واحترام المعتقدات، وعدم التمييز بسبب الدين أو العرق أو الثقافة.
- منح حق تقرير المصير لجنوب السودان كآلية ديمقراطية لحل أطول حرب أهلية في القارة.
- إعادة هيكلة مؤسسات الحكم جذرياً وتوزيع السلطات بعدالة بين المركز والأقاليم لإنهاء التهميش التاريخي.
يشير التحليل المتأني لهذه المرحلة إلى أن د.أمين ورفاقه في التجمع نجحوا في تفكيك وسحب المظلومية العقدية والمركزية التي اعتمد عليها نظام الإنقاذ في تعبئة أنصاره، وقدموا مشروعاً سياسياً ودستورياً بديلاً يرتكز على قيم الدولة المدنية والمواطنة المتساوية، وهو المفهوم الذي سيظل مدني يقاتل من أجله حتى نهاية حياته. لقد أثبت مؤتمر أسمرا أن المعارضة قادرة على إنتاج سياسات بديلة للحكم، وليست مجرد ظاهرة صوتية رافضة.
أخلاقيات الخصومة
وتتجلى أسمى مراتب الوعي الحقوقي والسمو الأخلاقي في مسيرة الدكتور أمين مكي مدني من خلال موقفه التاريخي المبدئي إبان موجة الاعتقالات والمحاكمات التي طالت قادة النظام أنفسهم بعد ما عُرف بـ”المفاصلة”. ففي مطلع الألفية، وعندما تعرض الدكتور حسن الترابي للاعتقال والمحاكمة، انبرى د.أمين لتشكيل وقيادة هيئة الدفاع عنه، إلى جانب نخبة من كبار المحامين والسياسيين المعارضين لنظام الإنقاذ، مثل الأستاذ علي محمود حسنين والأستاذ غازي سليمان.
بحسب شهادة شخصية للكاتب أثناء عمله محامياً عن كثب مع د.أمين في مكتب الكارب ومدني للمحاماة في تلك الفترة، أذكر أنني وجهت له سؤالاً مباشراً مستنكراً: “كيف تقوم يا دكتور بالدفاع عن الترابي، وهو ذات الشخص الذي كان وراء اعتقالك وتعذيبك في بيوت الأشباح في بداية عهد الإنقاذ، مما دفعك للهجرة والمكابدة لسنوات طويلة في المنافي؟”. فجاءت إجابته لتمثل قاعدة دستورية راسخة، حيث قال لي: “إننا لا ندافع عن الشخص، بل عن المبادئ التي نحيا بها جميعاً، ويجب علينا الدفاع عنها في أي زمان ومكان، بغضِّ النظر عن الأشخاص”.
بالنسبة لي، لم تكن هذه الكلمات مجرد إجابة عابرة، بل مرافعة تاريخية تلخص جوهر النضال الحقوقي والوعي الدستوري. في تلك اللحظة أثبت د.أمين ورفاقه أنهم تجاوزوا مرارة التجربة الشخصية القاسية في الاعتقال والتعذيب ومكابدة المنفى، ليقدموا درساً عملياً في “أخلاقيات الخصومة” وإعلاء سيادة حكم القانون فوق كل اعتبار. رحم الله الفقيد الدكتور أمين مكي مدني.
عودة العمل المدني وإعلان نداء السودان (2014): توحيد الجبهات المتباعدة
مع مرور السنوات، شهد السودان تحولات جيوسياسية ضخمة. فقد أدى توقيع اتفاقية السلام الشامل (CPA) في عام 2005 ثم انفصال الجنوب وتكوين دولته المستقلة في عام 2011 إلى تغيير جذري في موازين القوى. إلا أن السلام الشامل لم يتحقق؛ بل دخل السودان (الشمالي) في أزمات مركبة تمثلت في اشتعال حروب جديدة ودموية في إقليم دارفور، وتفجر الأوضاع في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وتدهور اقتصادي مريع، فضلاً عن اندلاع احتجاجات شعبية عارمة في المدن الكبرى، أبرزها “هبة سبتمبر 2013” التي واجهها النظام بقمع دموي ووحشي أسفر عن مئات القتلى من الشباب.
في خضم هذا المشهد المعقد والمتشظي، وفي ظل فشل “مشروع الحوار الوطني” الشكلي الذي أطلقه البشير في مطلع 2014 ، برزت الحاجة الماسة لاستنساخ تجربة أسمرا، ولكن بآليات تناسب تحديات اللحظة الراهنة، بهدف توحيد المعارضة بشقيها المدني السلمي والمسلح. بادر الدكتور أمين مكي مدني، مستنداً إلى رصيده التاريخي، بتشكيل وتأسيس “مبادرة المجتمع المدني”، وتولى منصب نائب رئيس المبادرة ورئيس كونفدرالية منظمات المجتمع المدني السودانية.
كان الهدف الاستراتيجي لدكتور أمين من هذه المبادرة هو ضمان ألا تقتصر الحلول السياسية وتسويات إنهاء الحرب على اتفاقيات ومحاصصات فوقية بين النخب السياسية القديمة وقادة الحركات المسلحة، بل يجب أن يكون المجتمع المدني المستقل، والنقابات المهنية، والمدافعون عن حقوق الإنسان، والنساء، والفئات المهمشة، شركاء أصيلين وأصحاب مصلحة حقيقية في رسم أي عملية انتقال ديمقراطي وسلام شامل.
توجت هذه الجهود المضنية باجتماعات ماراثونية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أثمرت في 3 ديسمبر 2014 عن التوقيع على الوثيقة السياسية الأهم في ذلك العقد، والتي عُرفت بـ”نداء السودان” (Sudan Call).
كانت وثيقة “نداء السودان” عبارة عن إعلان استراتيجي مشترك لتأسيس “دولة المواطنة والديمقراطية”. وتعهد الموقعون عليها بالتزام صارم بالعمل على إنهاء النزاعات والحروب المشتعلة في مختلف مناطق السودان كأولوية قصوى لا تسبقها أولوية، وإجراء إصلاحات تشريعية ومؤسسية واقتصادية شاملة، وتفكيك بنية الحزب الواحد.
جمعت الوثيقة كيانات كبرى متباينة الآيديولوجيات شملت ممثلين عن الأحزاب السياسية المدنية والفصائل المسلحة المعارضة، ومن أبرزها:
- حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي.
- تحالف قوى الإجماع الوطني بقيادة فاروق أبو عيسى (يمثل القوى اليسارية والقومية).
- الجبهة الثورية السودانية بقيادة مني أركو مناوي (تحالف يضم الحركات المسلحة في دارفور والمنطقتين).
- مبادرة المجتمع المدني السوداني، والتي وقع نيابة عنها شخصياً الدكتور أمين مكي مدني.
تكمن الرؤية العميقة والخطورة الاستراتيجية لإعلان “نداء السودان” في أنه شكل تهديداً وجودياً ومباشراً لنظام الإنقاذ الحاكم. فالنظام كان يعتمد لسنوات على استراتيجية متقنة لـ”فرق تسد”؛ حيث كان يعزل الحركات المسلحة في الأطراف جغرافياً وسياسياً ويصمها بالإرهاب والعنصرية ويخوض ضدها حرب إبادة، بينما يعمل بالتوازي على ترويض الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني في الخرطوم المركز عبر الترغيب والترهيب واعتقالات الظل. جاء “نداء السودان” ليكسر هذه المعادلة الأمنية بالكامل، خالقاً جبهة عريضة تتحدث بلغة وطنية موحدة تجمع عضوياً بين مطلب “السلام الشامل” ومطلب “التحول الديمقراطي”. ولأن النظام الأمني أدرك بوضوح خطورة هذا التطور الجذري الذي سحب بساط الشرعية منه تماماً، فقد جاء رده سريعاً، هستيرياً، وبالغ العنف.
حملة الاعتقال التعسفي والمحاكمات السياسية (2014-2015): محاكمة النظام
بمجرد عودته من إثيوبيا، واجه الدكتور أمين مكي مدني واحدة من أشرس الحملات الأمنية التي استهدفته في العقد الأخير من مسيرته. هذه الحادثة لم تكن مجرد عملية توقيف تقليدية، بل سلطت الضوء بوضوح شديد على مدى هيمنة جهاز الأمن والمخابرات الوطني (NISS) على مفاصل الدولة، وانتهاكه السافر للقوانين المحلية والدستور الوطني، فضلاً عن المعاهدات الدولية.
تفاصيل المداهمة والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي
في تصرف يعكس حالة الذعر الحكومي، وفي منتصف ليل السبت الموافق 6 ديسمبر 2014، وفور عودته من أديس أبابا، داهمت قوة كبيرة مدججة بالسلاح من عناصر جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني منزل د.أمين الكائن في الخرطوم بحري. تم اقتياد هذا الرمز الحقوقي الدولي إلى جهة غير معلومة في جنح الظلام، دون إبراز أي مذكرة توقيف قضائية، ودون إبلاغ أسرته المروعة بأسباب الاعتقال أو الوجهة التي سيُؤخذ إليها، في انتهاك صارخ وفجٍّ للضمانات الدستورية وقواعد الإجراءات الجنائية المتبعة. وفي ذات الليلة وبذات الأسلوب، تم اعتقال الأستاذ فاروق أبو عيسى، رئيس الهيئة العامة لتحالف قوى الإجماع الوطني المعارض، والناشط فرح إبراهيم محمد الذي كان حاضراً في المفاوضات.
شكلت ظروف وطبيعة هذا الاعتقال خطراً جسيماً ودائماً على حياة وصحة د.أمين. فقد كان يبلغ من العمر آنذاك 76 عاماً، ويعاني من أمراض مزمنة تتطلب رعاية يومية دقيقة، وتحديداً ارتفاع ضغط الدم المزمن ومرض السكري. وعلى الرغم من توضيح هذه الحالة الطبية الحرجة للقوة المداهمة، رفض عناصر جهاز الأمن بشكل قاطع السماح له بأخذ أدويته الموصوفة طبياً ومستلزماته العلاجية معه عند لحظة الاعتقال. هذا الرفض لا يمكن اعتباره مجرد إهمال إداري، بل هو تكتيك أمني مدروس يرقى في تصنيف القانون الدولي الإنساني إلى مستوى التعذيب الجسدي والنفسي والمخاطرة المتعمدة والشروع في القتل البطيء للمعتقل السياسي.
أُخفي مدني قسرياً واحتُجز بمعزل تام عن العالم الخارجي (Incommunicado) في مكان أمني مجهول طيلة 15 يوماً متواصلة، حيث حُرم من أي اتصال بمحاميه أو أسرته للاطمئنان على وضعه الصحي. استند النظام في هذه التجاوزات إلى الصلاحيات الشمولية الواسعة والخطيرة التي منحها “قانون الأمن الوطني لعام 2010” لجهاز المخابرات. هذا القانون المعيب كان يسمح لمدير الجهاز وعناصره باعتقال واحتجاز الأشخاص إدارياً لمدة تصل إلى أربعة أشهر ونصف دون تقديم أي اتهام رسمي، ودون أي شكل من أشكال المراجعة القضائية، مع منح حصانة كاملة وإفلات من العقاب لعناصر الأمن (Impunity) حتى لو كان الاعتقال تعسفياً وتمت ممارسة التعذيب خلاله، وهو القانون الذي عارضته المنظمات الحقوقية بشدة وعمل مدني لسنوات على محاربته.
لم يُسمح بنقل د.أمين من أقبية الأمن إلى سجن كوبر المركزي في الخرطوم (والذي يخضع ولو شكلياً لإدارة السجون وإشراف القضاء) إلا في 21 ديسمبر 2014، استجابة لضغوط مكثفة. ولم يُسمح له بمقابلة هيئة الدفاع عنه لأول مرة إلا في 22 ديسمبر، وسُمح بزيارة عائلته في 24 ديسمبر.
| التسلسل الزمني | الحدث الأمني والقضائي | الدلالة القانونية والحقوقية للانتهاك |
| 3 ديسمبر 2014 | توقيع إعلان “نداء السودان” في أديس أبابا | ممارسة الحق الدستوري في التعبير السلمي وتكوين التحالفات. |
| 6 ديسمبر 2014 | مداهمة المنزل والاعتقال دون إبراز مذكرة قضائية | ممارسة الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي كأداة للترهيب السياسي وإسكات المعارضين. |
| 6 – 21 ديسمبر 2014 | الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي والحرمان من الدواء | انتهاك صريح للحق في الحياة والصحة، واستخدام الحرمان الطبي كأداة ضغط وتعذيب خفي ضد المسنين. |
| 21 ديسمبر 2014 | النقل من معتقلات الأمن إلى سجن كوبر المركزي | استجابة حكومية جزئية للضغوط الدولية المتصاعدة بوضع المعتقل تحت ولاية مصلحة السجون وتخفيف العزلة. |
| 22 و24 ديسمبر 2014 | السماح بأول لقاء مع المحامين ثم العائلة | إقرار بتأخير متعمد وغير مبرر في إنفاذ حق المشورة القانونية المكفول دستورياً. |
التكييف القانوني وتسييس القضاء ومحاكم الإرهاب
بعد فشل النظام في كسر إرادة د.أمين ورفيقه أبو عيسى عبر الاحتجاز الإداري والحرمان العلاجي، وأمام تفاقم الإحراج الدولي، قررت السلطات الانتقال إلى الخطوة التالية: تحويل القضية من اعتقال أمني تعسفي إلى مسار قضائي سياسي بامتياز لشرعنة القمع.
في 10 يناير 2015، قامت نيابة أمن الدولة بتوجيه اتهامات جنائية رسمية ثقيلة للدكتور مدني بموجب “القانون الجنائي السوداني لعام 1991″، وتحديداً المواد المعنية بالجرائم الموجهة ضد الدولة:
- المادة 50: تقويض النظام الدستوري.
- المادة 51: إثارة الحرب ضد الدولة.
- اتهامات إضافية مبنية على نفس الأساس تتعلق بـ”تأسيس وإدارة منظمة إرهابية”.
تحمل هذه الاتهامات الخطيرة عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد ومصادرة الأموال في التشريع السوداني. يعكس توجيه تهم كـ”إثارة الحرب ضد الدولة” والتشكيل “الإرهابي” لشخصية حقوقية ومحامٍ دولي مرموق – كل جريمته أنه استخدم قلمه لتوقيع وثيقة إعلان سلام مدني لإنهاء الحرب – مدى العبث القانوني والتوظيف التعسفي الذي استند إليه نظام الإنقاذ لتصفية خصومه. لم تكن هذه التهم سوى مسعى بائس لشرعنة قمع المعارضة السلمية عبر تغليفه بإجراءات قضائية شكلية، ومحاولة لترهيب بقية قطاعات المجتمع المدني لثنيهم عن الالتحاق بركب “نداء السودان”.
في تصعيد إضافي يؤكد غياب ضمانات العدالة، بدأت محاكمة مدني وأبو عيسى في 23 فبراير 2015 ليس أمام قاضٍ طبيعي، بل أمام “محكمة خاصة” لجرائم الإرهاب، تم إنشاؤها وتشكيلها خصيصاً بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 1991 للنظر في هذه القضية حصراً. شكل هذا الإجراء التفافاً واضحاً على القضاء الجنائي العادي، وتكريساً لحالة الطوارئ المستترة.
ومع ذلك، لم تسر الرياح كما اشتهت سفن الإنقاذ؛ فقد اصطدم النظام برد فعل حقوقي ومهني داخلي غير مسبوق. في ملحمة تضامنية تاريخية تعكس مدى احترام القطاع العدلي لشخصية د.أمين، تطوع أكثر من 105 محامين حقوقيين سودانيين لتشكيل هيئة الدفاع عن مدني وأبو عيسى. بفضل هذه الهيئة الضخمة، انقلب السحر على الساحر، حيث نجح الدفاع في تحويل قاعات وجلسات المحاكمة من منصة لإدانة الناشطين إلى محاكمة علنية وفضح قانوني مدوٍ لنظام الإنقاذ وتناقضات قوانينه القمعية أمام الرأي العام المحلي والصحافة.