شيماء تاج السر، المحامية
في السودان لم يكن المولد النبوي الشريف مجرد مناسبة دينية عابرة، كان عرساً سنوياً تنتظره الأسر والطرق الصوفية بشغف لا يوصف . كان المولد في السودان تظاهرة روحانية واجتماعية واقتصادية بامتياز، حيث تلتقي الأسرة بأكملها؛ من الجد إلى الحفيد، في ساحات الفرح التي تمتلئ بالبخور والأناشيد والمدائح النبوية والزلابية والشاي والبليلة والفتة التي كانت الأمهات والجدات يحضرنها بأيدٍ حانية لتوزع على المارة والأحباب .
لكن الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل عام 2023 حولت كل هذا الجمال إلى رماد. تلك الساحات التي كانت تضج بالذكر والفرح تحولت إلى مقابر جماعية لأبناء الحي الواحد، وأصبح الميدان الذي كان يجمع الأحباب شاهداً على فراقهم الأبدي. وفي مشهد يختصر كل مآسي الحرب أطلقت لجنة الخدمات بالحلة الجديدة نداءً موجعاً لأسر الموتى المدفونين في ميدان المولد تطالبهم بالحضور لنقل جثامين أحبابهم إلى مراقد تليق بهم .
المولد النبوي في السودان.. تراث روحاني واجتماعي
ارتبط الاحتفال بالمولد النبوي في السودان تاريخياً بالطرق الصوفية الكبرى مثل الختمية والقادرية والسمانية والتيجانية. وكانت هذه الطرق هي المحرك الأساسي للاحتفالات، حيث تبدأ مراسم الاحتفال بتقليد راسخ يسمى الزفة التي تقام في آخر يوم من شهر صفر؛ ليلة غرة ربيع الأول من كل عام، وتستمر الاحتفالات لمدة أحد عشر يوماً حتى ليلة يوم المولد في الثاني عشر من ربيع الأول، وهو اليوم الذي يسمى شعبياً لدى السودانيين بقفلة المولد .
كانت الزفة انطلاقة رسمية لمواسم الفرح تتصدرها مواكب الطرق الصوفية حاملة راياتها الملونة، مردِّدة الأناشيد الدينية والمدائح النبوية على إيقاعات الطبول والدفوف، وتجوب هذه المواكب شوارع المدن والقرى في مشهد مهيب يخطف الأبصار ويشرح الصدور .
وإلى جانب الطابع الروحي كان للمولد طابع اقتصادي واجتماعي بارز. ففي مثل هذا التوقيت من كل عام كانت ساحات المولد في أم درمان والخرطوم بحري والحلة الجديدة ومدن السودان الأخرى تكتظ بخيام رجال الدين وتتزين برايات الطرق الصوفية، بينما تحيط بها من كل جانب معارض حلوى المولد بأنواعها المختلفة. وكانت الأسر السودانية تعد العدة لهذه المناسبة شراءً وصنعاً للحلوى، وزيارة للأقارب والأحباب، وتوزيعاً للطعام على الفقراء والمحتاجين .
مولد أم درمان.. حوش الخليفة أيقونة الفرح
في قلب أم درمان، وقبل الحرب بسنوات وسنوات، كان حوش الخليفة هو قبلة المحتفلين بالمولد النبوي في السودان. يعود تاريخ هذا الميدان إلى حقبة الدولة المهدية حيث كان مقراً لسكن الخليفة عبد الله التعايشي، وبمرور الزمن تحول هذا المكان التاريخي إلى أيقونة للاحتفال بالمولد يجتمع فيه الآلاف من أم درمان والأحياء المجاورة، بل ومن كل أنحاء السودان.
كان المواطنون في ميدان الخليفة بأم درمان يعتادون على التجمع طوال أسبوعين قبل حلول اليوم الختامي للمولد النبوي، حيث تعلو فيه أصوات الذاكرين والمنشدين، وتختلط فيه رائحة البخور برائحة الحلوى والقهوة والشاي التي توزع على الحاضرين، وخيام الطرق الصوفية تصطف في نظام وراياتها ترفرف في السماء، والمارة يتجولون بين المعارض يتذوقون الحلوى ويشترون الهدايا لأطفالهم.
وكانت الأسر تأتي إلى الميدان محملة بالطعام والشراب، فتوزع الزلابية والشاي والبليلة والفتة على المارة في مشهد يجسد أسمى معاني التكافل الاجتماعي والمحبة. وكان الأطفال يلهون ويلعبون بين أيدي الكبار، والنساء والرجال يتبادلون التهاني ويتسامرون ويتناقشون في حلقات الذكر .
موالد بحري والحلة الجديدة.. فرحة تمتد في كل مكان
لم تقتصر احتفالات المولد على أم درمان وحدها، بل امتدت لتشمل مدن السودان كافة. ففي الخرطوم بحري كانت الزفة تنطلق بمشاركة واسعة من الأهالي والطرق الصوفية وتجوب شوارع المدينة مرددة المدائح النبوية، وكانت الأسر في بحري تستعد للمولد منذ أيام .
وفي الحلة الجديدة إحدى مناطق العاصمة الخرطوم كان لميدان المولد قصة خاصة. لم يكن هذا الميدان مجرد ساحة للاحتفال بل كان قلب الحلة النابض، حيث تجتمع الأسر من كل أنحاء المنطقة ويلتقي الأحبة من كل مكان. كان الميدان يشهد في أيام المولد حراكاً استثنائياً خيام الذكر وأناشيد المدح وصوت الطبول ورائحة البخور والطعام التي تفوح من كل جانب. كانت الأمهات يخرجن مع أطفالهن، والآباء يتسامرون مع جيرانهم والشباب يتسابقون في تقديم الخدمات للمحتاجين .
كان ميدان المولد في الحلة الجديدة رمزاً للوحدة والتلاحم، ومكاناً تلتقي فيه كل الأطياف وتذوب فيه الخلافات وتعلو فيه المحبة. كان الميدان شاهداً على أفراح الناس ومسرحاً لذكرياتهم الجميلة، فلكل أسرة في الحلة الجديدة قصة مع ميدان المولد، وذكريات لا تنسى مع كل مولد يأتي .
ماذا كان يعني المولد لناس الحلة وكل أسرة؟
كان المولد النبوي في الحلة الجديدة، كما في سائر السودان، مناسبة تتجاوز البعد الديني إلى أبعاد اجتماعية ونفسية عميقة. وبالنسبة للأطفال، كان المولد عيداً ينتظرونه بفارغ الصبر؛ حيث الحلوى والألعاب والملابس الجديدة، وكانوا يخرجون مع أمهاتهم وآبائهم إلى الميدان في رحلة ممتعة لا تُنسى .
بالنسبة للأمهات كان المولد فرصة لإظهار كرمهن وحنانهن، فكن يجهزن الزلابية والشاي والبليلة والفتة ويذهبن بها إلى الميدان لتوزع على المارة والأقارب والجيران. كانت تلك لحظات اعتزاز وفخر حين ترى الأم ابتسامة من أكل من طعامها ودعوات المباركة تتردد في الأرجاء.
بالنسبة للآباء كان المولد مناسبة للقاء الأصدقاء والأقارب وتبادل الأحاديث والذكريات وتجديد أواصر المحبة والأخوة. كانوا يجلسون في حلقات الذكر والمديح، أو يتجولون في المعارض يتفرجون على الحلوى والهدايا، أو يتسامرون مع الجيران تحت خيام الطرق الصوفية .
بالنسبة للأسرة بأكملها كان المولد رحلة سنوية تجمع شملها وتجدد أواصرها وتذكرها بقيم التسامح والتكافل والمحبة التي دعا إليها النبي الكريم. كانت العائلات تتجمع من كل مكان وتذهب إلى الميدان ككتلة واحدة، تقاسم الفرح وتتشارك الطعام وتتبادل الدعوات. كان الميدان في تلك الأيام يعج بالحياة والحركة والبهجة وكأن الحرب والموت غير موجودين في هذه الأرض .
الحرب تحوِّل الميدان إلى مقبرة
جاءت حرب الخامس عشر من أبريل 2023 ودمرت كل شيء. لم تكتفِ الحرب بتدمير المنازل والشوارع والجسور بل دمرت الذكريات ومزقت الأسر، وحولت ساحات الفرح إلى ساحات موت .
في الحلة الجديدة تحول ميدان المولد الذي كان يجمع الأحباب إلى مقبرة جماعية. ففي خضم المعارك العنيفة التي شهدتها المنطقة وغياب الخدمات الصحية والمقابر النظامية اضطر الأهالي إلى دفن موتاهم في أي مكان يتيسر، وكان ميدان المولد أحد تلك الأماكن. وهكذا تحول الميدان من رمز للفرح والتلاحم إلى مرقد لعدد كبير من الضحايا الذين لقوا حتفهم خلال فترة الحرب .
وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب وبينما بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى بعض مناطق العاصمة أطلقت لجنة الخدمات بالحلة الجديدة نداءً موجعاً لأسر الموتى المدفونين في ميدان المولد دعتهم فيه إلى الحضور للقيام بإجراءات نقل الجثامين إلى المقابر العامة. كان ذلك النداء بمثابة صفعة جديدة على وجوه الناجين الذين لم يكتفوا بفقدان أحبابهم بل أصبحوا الآن مضطرين لنبش قبورهم ونقل رفاتهم إلى مكان آخر .
لم تكن الحلة الجديدة وحدها التي عانت هذا المصير. ففي الخرطوم بأكملها وفي مدن السودان المختلفة تحولت ساحات المولد والمناسبات إلى قبور جماعية، وتحولت الذكريات الجميلة إلى جراح لا تندمل .
المولد يعود.. لكن الفرح لم يعد كما كان
رغم كل هذا الدمار، ورغم كل هذه الجراح حاول السودانيون التمسك بفرحتهم وتراثهم. ففي 2025، وبعد انقطاع دام عامين وأربعة أشهر، عاد الاحتفال الرسمي بالمولد النبوي إلى حوش الخليفة في أم درمان للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب .
لكن الفرح هذه المرة لم يكن كما كان. فغياب الأصدقاء والأقارب الذين ماتوا أو نزحوا كان حاضرا في كل قلب، وتحولت ساحات المولد التي كانت تعج بالحياة إلى ساحات تذكير بما فقد، وحلوى المولد التي كانت توزع بكل سخاء أصبحت سلعة نادرة بسبب الغلاء الفاحش وتوقف المصانع .
كم شوهت الحرب كل جميل في حياة الشعب السوداني!
الحرب في السودان لم تقتل الناس فقط، بل قتلت الفرح ومزقت النسيج الاجتماعي ودمرت التراث الثقافي والديني الذي كان يميز هذا البلد. لقد حولت الحرب المولد النبوي، الذي كان مناسبة للفرح والتلاحم، إلى مناسبة للحزن والتذكر.
كم شوهت الحرب كل جميل في حياة الشعب السوداني!.
شوهت المولد النبوي؛ فحولت ساحاته إلى مقابر، وجعلت أولى ليالي المولد التي كانت تهل بالبشائر تهل بالذكرى الأليمة للفقدان والنزوح .
شوهت العلاقات الأسرية؛ ففرقت الأحبة ومزقت الأسر، وأصبحت الزفة التي كانت تجمع الشمل تذكرهم بمن رحلوا ومن غابوا .
شوهت الذكريات؛ فجعلت من الماضي الجميل جرحاً لا يندمل، ومن كل مناسبة دينية محطة لتجديد الحسرة .
شوهت الاقتصاد؛ فجعلت حلوى المولد حلماً بعيد المنال، والزلابية والفتة – التي كانت توزع بكل سخاء – أصبحت من الكماليات التي لا يقدر عليها إلا القليل .
شوهت المستقبل؛ فجعلت الأطفال الذين كانوا يلهون في ساحات المولد أيتاماً أو لاجئين أو ضحايا، وحرمتهم من فرحة المولد التي كانت تنتظرهم كل عام .
في مشهد مؤلم يجسد كل هذا التشويه يقف أهالي الحلة الجديدة اليوم أمام ميدان المولد الذي كان يجمعهم ويرون فيه قبور أحبابهم التي تُنبش وتُنقل في أيام تتزامن مع قرب حلول أول ليالي المولد النبوي. يقفون ويتذكرون أيام الفرح التي ولَّت، ويتساءلون هل سيعود المولد كما كان؟ هل ستعود الحياة كما كانت؟ هل ستعود ابتسامات الأطفال إلى ساحات الميدان؟.
قصة المولد النبوي في السودان هي قصة شعب أحب نبيه فأحب فرحته فجعل منها مناسبة سنوية تجمع شمله وتوحد كلمته. كانت أولى ليالي المولد تهل بالبشائر والأنوار وتفتح أبواب الفرح التي لا تغلق إلا بعد أحد عشر يوماً من الذكر والمحبة .
لكن الحرب جاءت وحطمت كل شيء، وحولت ساحات الفرح إلى مقابر والذكريات الجميلة إلى جراح غائرة، وأولى ليالي المولد من موسم البهجة إلى موسم الحسرة والذكرى الأليمة .
نداء لجنة الخدمات بالحلة الجديدة لأسر الموتى المدفونين في ميدان المولد ليس مجرد خبر عابر، بل هو صرخة في وجه الحرب ودعوة للعالم أجمع ليرى كيف دمرت هذه الحرب كل جميل في حياة الشعب السوداني. إنه نداء يذكرنا بأن الحرب لا تدمر الحجر فقط، بل تدمر الروح وتشوه التراث وتمزق الذاكرة، وتحول أعظم المناسبات الدينية إلى مناسبات للبكاء على ما فُقِد.