رفض محاولات تكريس واقع الحرب
كان ملفتاً الهجوم الذي قابل به معسكر دعاة الحرب البيان الصادر عن المكتب التنفيذي لتحالف “صمود” بشأن دعوات الحوار بالداخل، وكأنهم كانوا يتوقعون أن تتخلى القوى المدنية عن موقفها الراكز الذي تبنَّته منذ اليوم الأول للحرب بأن لا حل عسكرياً لأزمات السودان، وأن المدخل الوحيد للخروج من الأزمة وإنهاء معاناة الشعب السوداني هو إيقاف الحرب أولاً.
صحيح أن تحالف “صمود” لم يتلقَّ أي اتصال رسمي أو غير رسمي بشأن مبادرة الحوار المذكورة، ولم يشارك في أي ترتيبات لها، لكن في ظل “التعكير” المقصود و”الضبابية” التي أحيطت بها هذه التحركات لم يكن هناك مناص من إعادة التذكير بهذه المواقف من جديد.
فأي عملية سياسية لا تحدد هدفها الرئيسي في إنهاء الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية كأساس للوصول إلى سلام مستدام وانتقال مدني ديمقراطي، تتنكب الطريق وتقذف ببلادنا في ذات الحلقة المفرغة من النزاعات المسلحة والصراعات السياسية التي جل غايتها الوصول إلى السلطة أو الإمساك بأهدابها.
ويعني ذلك أن أي حوار أو عملية غير مستقلة عن هيمنة أطراف الحرب ستكرس منطق الحرب وتثبت نتائجها على الأرض ولن تحقق سلاماً حقيقياً. وبالتالي فإن الدعوات لحوار داخل مناطق سيطرة الجيش، مهما صدقت نوايا القائمين عليها، تتجاهل الانقسام الفعلي وسيطرة فصائل مسلحة متعددة، وقد تقود إلى ترسيخ تقسيم البلاد والاعتداء على وحدة التراب الوطني والسكان، ما يعطي مبرراً إضافياً لرفض “صمود” المشاركة في هذا المسار.
كما أن ربط هذه الجهود بالدعوات التي تطالب بالعفو عن قوى مدنية تُغيّب الحقائق. ونقتبس هنا بعضاً مما قاله المهندس عمر الدقير، القيادي في تحالف “صمود” رداً على هذه الدعوات:
“الحديث عن (العفو) هنا ينطوي على مغالطة ينبغي رفضها – قولاً واحداً – لأنه يفترض وجود جريمة، بينما الموقف السياسي لا يتحول إلى جريمة لمجرد استخدام القانون لإسباغ وصف جنائي عليه. نحن لسنا مجرمين حتى نطلب (العفو) أو يُطلب لنا. لم نعتمر قبعة محارب، ولم نحمل بندقية، ولم نطلق رصاصة؛ كل ما فعلناه أننا نظرنا إلى آمال شعبنا التي عَبّر عنها بثورته فرفضنا الحرب، وإلى آلامه، بعد اندلاعها، وهي تتفاقم كل يوم فدعونا وسعينا – ولا نزال – إلى إيقافها بالتي هي أحسن. وما ذلك بجريمة نطلب عنها عفواً، بل موقف سياسي وإنساني نعتز به”.
وبغضِّ النظر عن إلى أي الخيارات الثلاثة سيلجأ الفريق عبد الفتاح البرهان في خطابه بمناسبة عيد الجيش يوم الجمعة 14 أغسطس 2026، بشأن قضية بلاغات قيادات “صمود”، إلا أن موقف الأخيرة من قضية العدالة والمساءلة يظل كما هو: العدالة المستقلة والنازحة عن الاعتبارات السياسية شرط أساسي لأي سلام مستدام، ويجب أن تقوم بها مؤسسات قضائية مستقلة ونزيهة، ويشمل ذلك محاكمة من أشعلوا الحرب ومن ارتكبوا جرائم، وتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.
أخيراً، أي مبادرة لا بد أن تنص وبوضوح على أن المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهم هم من أشعلوا الحرب ويستفيدون منها؛ لا يجوز إشراكهم أو مكافأتهم في أي عملية سياسية، ويجب استبعادهم بوضوح، وهو الأمر الذي نصت عليه بجلاء مبادرة الرباعية الدولية ويستجيب لشعارات ومطالب ثورة ديسمبر المجيدة.
لذا فإن المشاركة في ترتيبات شكلية تُكرس واقع الحرب أو أسبابها تظل أمراً مرفوضاً، مع الالتزام الكامل والمستمر بجهود وقف الحرب، ومعالجة الأزمة الإنسانية وتحقيق سلام عادل ومستدام وانتقال مدني ديمقراطي.
لا للحرب.