تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة التحركات المطلبية في أنحاء متفرقة من البلاد. وظهر ذلك من خلال الفعل المطلبي للمعلمين في عدد من ولايات السودان، من بينها كسلا والشمالية والنيل الأبيض، وللأطباء وفئات أخرى من المهنيين تعاني من تدهور أوضاعها المعيشية بسبب الظروف التي خلفتها الحرب.
وجاءت توصيات اللجنة التي كونها وزير الموارد البشرية بتوجيه من رئيس وزراء حكومة بورتسودان لتدفع مجموعات نقابية ومهنية واسعة للتحرك لمعارضة قرارات تخفيض العمالة، والتي ستشمل أكثر من 57 ألف موظف في “مجزرة” لا تختلف كثيراً عن مثيلتها التي نفذها حكم الإنقاذ تحت عنوان “الفصل للصالح العام”.
وحتى في مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور، اعتقلت السلطات مؤخراً معلماً في الفاشر بتهمة أنه يقوم بتنسيق تسليم مرتبات المعلمين التي تدفعها حكومة بورتسودان، مع العلم أن حكومة نيالا لم تقم حتى الآن بدفع مرتبات موظفي الخدمة الولائية والاتحادية. كما شهدت نيالا تجمعات جماهيرية في الأيام الماضية احتجاجاً على الانفلات الأمني وللمطالبة بالعدالة بعد مقتل أحد القيادات الأهلية بالرصاص في المدينة.
لكن هذه التحركات المدنية شهدت نقلة نوعية عبر الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها مدينة عبري، بالولاية الشمالية، احتجاجاً على انقطاع خدمات الكهرباء لأكثر من شهر وتذبذب خدمة إمداد المياه. هذه الاحتجاجات تميزت بوضوح مطالبها وبمشاركة شباب ثورة ديسمبر في قيادتها.
ولعل الخوف من عودة روح ثورة ديسمبر هو الذي دفع السلطة للرد بعنف مفرط على هذه الاحتجاجات، وظهرت من جديد قوات “الاحتياطي المركزي” وهي تتبع نفس المناهج القديمة من اعتقال وضرب وإطلاق الغاز المسيل للدموع في داخل المناطق السكنية.
يجب أن تعلم سلطات الأمر الواقع في نيالا وبورتسودان أن مطالب الجماهير من أجل استعادة الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وتعليم وصحة أمر مشروع، وأنه ينبغي الاستماع لمطالب هذه الجماهير، كما أن المطالب الفئوية أيضاً مشروعة في وقت تعاني فيه البلاد من تدهور مريع في سعر الجنيه السوداني وارتفاع متواتر في أسعار السلع الأساسية، ما يدفع النقابات والمجموعات المهنية للتحرك للمطالبة بزيادة الأجور وتوفير السلع الأساسية بأسعار معقولة.
وإذا كان قائد الجيش مستعداً لأن يقطع 500 كيلومتر للذهاب إلى دنقلا لاستقبال النور قبة، القيادي المنشق عن قوات الدعم السريع، ألم يكن قادراً أن يزيد عليها مسافة 200 كيلومتر إضافية ليستمع إلى مطالب سكان عبري بدلاً من أن يرسل لهم ترسانة القمع التقليدية؟.
المواطن لم يعد يكتفي بالحديث عن إعادة تأهيل البنيات الأساسية والزيارات البروتوكولية للمسؤولين للمنشآت الخدمية وإصدار التصريحات حول ضرورة إعادة تأهيلها أو تشغيلها بسرعة، كما أنه لن يقبل تحميله مسؤولية تدهور الخدمات، مثل ما بدر عن وزير الطاقة عند حديثه عن انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة.
سلطات الأمر الواقع هي من تتحمل مسؤولية توفير الخدمات الأساسية للمواطن في مناطق سيطرتها، وستواجه في الفترة القادمة سلسلة طويلة من الاحتجاجات والتحركات المدنية التي تطالب بالحقوق وتوفير الخدمات الأساسية. وهذا مؤشر عافية بأن جماهير ثورة ديسمبر ما تزال متمسكة بسلمية فعلها، وهو سلاح مجرب يعرف مَن هم في السلطة مدى فعاليته.
وكل هذه التحركات تصب في مسار استعادة الفضاء المدني وتقليص مساحة الفعل العسكري في تحقيق المطالب، وهي لبنة قوية على طريق إيقاف الحرب وإقامة نظام الحكم المدني الديمقراطي على أساس شعارات الحرية والسلام والعدالة واحترام خيار الشعب في سلطة مدنية.
لا للحرب.