خبايا توتر العلاقات الأخير بين البرهان و(الكيزان)

 

 

 

عواصم: (ديسمبر)

 

تصاعدت وتيرة الانتقادات التي شرع قائد الجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان في توجيهها بشكل علني ومباشر لحزب المؤتمر الوطني المحلول منذ بداية الأسبوع الجاري، حينما أكد لقاء خلال جمعه مع قيادات الطرق الصوفية بعدم مشاركة حزب المؤتمر الوطني المحلول في الحوار (السوداني/السوداني) الذي يعتزم تنظيمه في الفترة القادمة.

 

بالتوازي مع ذلك وجهت منصات إعلامية ومجموعات مرتبطة بالحزب المحلول وحركته الإسلامية وواجهاتها انتقادات شديدة للبرهان، ولوح بعضها بإمكان سحب المجموعات العسكرية القتالية المنخرطة في القتال من مختلف المحاور المرتبطة بالتنظيم والحركة اللذين يعرفان شعبياً باسم (الكيزان)، معتبرين تصريحات البرهان “عدم وفاء وإنكاراً لتضحيات عناصرهم خلال فترة الحرب”.

 

زادت حدة التراشق بعد تداول معلومات كشفت عن وجود اتجاه من قبل قائد الجيش لإنهاء الملاحقات القانونية لقادة التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) برئاسة دكتور عبدالله حمدوك المقيدة ضدهم منذ أبريل 2024م، وهو ما اعتبرته المجموعات المرتبطة بـ”الفلول والكيزان” بمثابة تمهيد للتخلص منهم واستبدالهم بخصومهم الذين قادوا ثورة ديسمبر التي أسقطت نظامهم وطاردتهم ولاحقتهم عبر لجنة إزالة وتفكيك التمكين.

 

انقسام المنصات

 

استوقفت المتابعين خلال هذا الأسبوع ملاحظة حدوث انقسام بين المنصات الداعمة للجيش بين توجهين؛ التزم الأول بالخط العام الناقد والرافض لتصريحات البرهان بإبعاد الفلول والكيزان، في مقابل توجُّهٍ ثانٍ قدم تبريرات وتفسيرات لهذه الخطوة وتبريرها بقصد تقليل الانتقادات وتخفيف المخاوف المرتبطة بالتوجهات الجديدة للبرهان.

 

في ذات السياق أوضح مراقبون أن الأزمة الحالية بين البرهان وحلفائه من الحزب المحلول تعبر فعلياً عن مؤشرين؛ أولهما مساعي البرهان والجهات الإقليمية الداعمة له لإنجاح عملية حوار الداخل بغرض شرعنة وجوده والتي من بين شروطها استبعاد الفلول والكيزان لكونهم باتوا مصنفين جماعة إرهابية بسبب علاقتهم وصلتهم بإيران والحرس الثوري. وفي ذات الوقت فإن هذا التحول يهدف لكبح جماح إيقاع الضغوط الأمريكية المتصاعدة والمتزايدة خاصة ملف الاتهام باستخدام الأسلحة الكيميائية، الذي بات يستهدف بشكل مباشر قائد الجيش.

 

غياب كرتي

 

وعزا مراقبون تحدثوا لـ(ديسمبر) تصاعد الخلافات في الآونة الأخيرة بين البرهان والكيزان في هذا التوقيت بسبب ابتعاد أبرز المشرفين على التنظيم العسكري للكيزان والأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي لأسباب صحية جراء وجوده بتركيا في رحلة علاجية امتدت لعدة أشهر، حيث ظل كرتي من أبرز المساندين للمواقف التي ظل يتخذها البرهان منذ تقلده رئاسة المجلس العسكري خلفاً للفريق أول ركن عوض ابن عوف، بناءً على العلاقة الشخصية التي جمعتهما لسنوات طويلة، وتعززت هذه المساندة بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023م.

 

ويعد حلقة الوصل بين الرجلين سكرتير قائد الجيش العقيد ركن مدثر عثمان عبدالرحمن المعروف باسم “مدثر القصير”، والذي تجمعه علاقة قرابة بكرتي وهو الذي وصفه قائد قوات الدعم السريع في أحد خطاباته بأنه “مردوف خاله” في إشارة لصلة القرابة التي تجمع مدثر بكرتي، وتمت ترقية مدثر في أغسطس الماضي من رتبة المقدم إلى رتبة العقيد ركن

 

وطبقاً لاولئك المراقبين فإن حالة الشكوك والتوجس باتت متنامية بين الطرفين –البرهان والكيزان- مع استمرار غياب كرتي عن المشهد الذي أفقد قائد الجيش أحد عناصر الحماية والأمان من تحركات ومنسوبي (الكيزان) بحكم شغله منصب إمارة الإسلاميين التنظيمية وسيطرته على مصادر المال، ووجود كل الخيوط العسكرية في الجيش بيده وتسخيرها لصالح تعزيز وترسيخ وضعية البرهان العسكرية والسياسية.

 

وبالتوازي مع ذلك فإن عناصر سياسية وعسكرية منتمية للكيزان، وفي ظل غياب كرتي، باتت تنظر بقدر كبير من الريبة والتوجس لتوجهات البرهان السياسية ومحاولة التقارب مع تحالف (صمود) التي سيكون ضحيتها في حال تطورها جراء التوجهات الإقليمية والدولية هم (الكيزان)، معتبرين أن الاستهداف لعناصرهم في الجيش المتزايد خلال كشوفات الإحالة للمعاش يُظهِر مؤشرات “غير مطمئنة” مستقبلاً.

 

تواري البرهان

 

في ذات السياق أشار مصدر مطلع لـ(ديسمبر)، اشترط حجب اسمه، إلى لجوء البرهان مؤخراً لتقليل تحركاته أو الإعلان عن أماكن وجوده ونطاق حركته خاصة خلال هذا الأسبوع، واستدل بواقعة اجتماع ممثلين للطرق الصوفية بالبرهان الذين تم تجميعهم في أحد مقار جهاز الأمن قبل أن يتم ترحيلهم لمكان غير رسمي التقوا فيه البرهان بعد انتظار بمقر جهاز الأمن استمر لما يقارب ثماني ساعات.

 

وأشار المصدر إلى ملاحظة ثانية هي أن اللقاءات والاجتماعات التي عقدها البرهان خلال هذا الأسبوع لم تحظَ، على غير العادة، بالتوثيق والتصوير رغم نشر معلومات وتفاصيل عما جرى فيها سواء أكان لقاء الطرق الصوفية أو تنسيقية القوى الوطنية التي يترأسها محمد سيد أحمد الجكومي ووفد من الشخصيات والأكاديميين الذين التقوا بالبرهان خلال هذا الأسبوع.

 

وقدم ذات المصدر إيضاحات وتفسيرات لهذا المسلك الجديد نظراً لوجود تسريبات ومعلومات أشارت لبروز وارتفاع أصوات وسط منسوبي الكيزان والفلول في لقاءات عقدت مؤخراً في عواصم عدة دول وجهت انتقادات شديدة لمسلك البرهان وتوجهاته، وحذرت من مغبة التحالف معه على المدى الطويل “لكونه غير مأمون العواقب وبإمكانه التخلي عنهم تحقيقاً لأطماعه”.

 

وخلال تلك الاجتماعات برزت آراء تطالب بالتواصل مع القوى السياسية الأخرى، وطالب بعضها بالتواصل مع الدعم السريع لضمان وجودهم في المعادلة السياسية المستقبلية بوصفه “خياراً صعباً لكنه الأكثر ضماناً وطريقاً يتيح معالجة وتسوية مسألة التصنيف الإرهابي”. وطبقاً لذات المصدر فإن أجنحة داخل جهاز المخابرات تخترق مجموعات (الكيزان) وتمد قيادة الجيش والبرهان بكل تحركاتهم، وهو الأمر الذي مكَّنه في مرات كثيرة عبر التواصل مع كرتي في إجهاض واحباط مخططات تصعيدية من بينها تحركات انقلابية قبل وبعد حرب أبريل 2023م.

 

خلاف أم تقسيم أدوار؟!

 

من جانبهم، اعتبر مراقبون أن سجل البرهان الطويل وعلاقاته مع (الكيزان) في مراحل مختلفة أبرزها فض الاعتصام في 3 يونيو 2019م وانقلاب 25 أكتوبر 2021م وعرقلة التوقيع النهائي للاتفاق الإطاري ويوميات حرب 15 أبريل 2023م، تجعل كثيراً من المراقبين ينظرون بقدر من الريبة والشك حول حقيقة صراع وخلافات الطرفين، وهو ما يجعل افتراض “تقاسم الأدوار” راجحاً، لكون بقاء أي منهما في المشهد مرتبطاً بوجود وبقاء الثاني نظراً للمصالح والمصير المشترك الذي يجمعهما.

 

لكنهم في ذات الوقت نوهوا إلى أن نقطة الضعف في المعادلة التي تجمع البرهان بالكيزان تتمثل في ارتكازها على الثقة الشخصية بين قائد الجيش وكرتي أكثر من أي عوامل أخرى. لذلك فإن استمرار غياب كرتي أو الاختفاء الكامل من المشهد سيجعل العلاقة متأرجحة وفاقدة للثقة ومحاطة بالشكوك والظنون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *